ليبيا في أسبوع.. من انهيار الكهرباء إلى اهتزاز منظومة الأمن الدولة تواجه أزمات معقدة

لم تعد أزمة الكهرباء في ليبيا مجرد مشكلة خدمية موسمية تظهر مع ارتفاع درجات الحرارة ثم تنحسر بانتهاء الصيف، بل باتت واحدة من أكثر العلامات وضوحاً على عمق الاختلال الذي أصاب مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة القطاعات الحيوية، ومع الانقطاع الواسع الذي شهدته مناطق شرق البلاد وغربها وجنوبها، عادت أزمة الطاقة إلى الواجهة بوصفها عنواناً لأزمة أكبر تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والبنية التحتية بالحوكمة، والأمن بالخدمات الأساسية.
وتشمل الأزمات انهيار الشبكة الكهربائية في ذروة الصيف، وما ترتب عليه من تعطيل خدمات المياه والاعتماد المتزايد على المولدات الخاصة، جاء في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى ليبيا، فالبلاد لا تواجه أزمة كهرباء منفردة، وإنما تتعامل في الوقت نفسه مع اختلالات في منظومة الوقود، وضغوط اقتصادية ومالية، وانقسام سياسي ومؤسسي، فضلاً عن عودة وقائع أمنية مقلقة إلى الواجهة، كان أحدثها مقتل مدير جهاز الاستخبارات العسكرية في شرق البلاد اللواء فوزي المنصوري في تفجير بمدينة بنغازي.

الكهرباء.. العطل الفني يكشف الخلل الهيكلي
كان الانقطاع الأخير واسع النطاق بما يكفي لإعادة فتح السؤال القديم حول قدرة الدولة الليبية على تأمين خدمة كهربائية مستقرة، رغم الأموال الكبيرة التي أنفقت خلال السنوات الماضية على القطاع إذ تسبب خروج محطتي الخليج ومصراتة عن الخدمة بصورة مفاجئة إلى فقدان أكثر من 1350 ميجاواط من القدرة الإنتاجية، وهو ما تسبب في انهيار الشبكة وإعلان حالة استنفار لإعادة التغذية تدريجياً. وفي الشرق، ساعدت إعادة التغذية عبر خطوط الربط مع مصر في تسريع عودة التيار إلى مناطق واسعة، إلى جانب إعادة تشغيل وحدات في محطات الزويتينة والسرير وطبرق وشمال بنغازي.
لكن أهمية الواقعة لا تكمن فقط في حجم العطل، وإنما في السؤال الذي تطرحه: لماذا تستطيع مشكلة فنية في عدد محدود من وحدات التوليد أن تدفع شبكة دولة بأكملها إلى حافة الانهيار؟
الإجابة، على هذا التساؤل تتجاوز مسألة نقص الوقود إلى مشكلات أعمق تتعلق بضعف البنية التحتية، وتأخر الصيانة، وتعثر مشروعات التطوير، وعدم قدرة الشبكة على تحمل الصدمات الكبيرة. وهو ما يعني أن المشكلة ليست في إنتاج الكهرباء فقط، وإنما في قدرة المنظومة بأكملها على الصمود.

حين تتحول الكهرباء إلى قضية سياسية
أعادت الأزمة أيضاً إنتاج الانقسام السياسي الليبي بصورة مختلفة. ففي الشرق، تحدثت وزارة الكهرباء عن جهود فنية لإعادة بناء الشبكة تدريجياً، فيما كان التواصل مع الجانب المصري عاملاً مساعداً في استعادة التغذية ببعض المناطق، أما في الغرب، فقد تحول الانقطاع إلى مواجهة سياسية وإدارية، بعدما انتقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أداء الشركة العامة للكهرباء، ووصفه بالفشل، معلناً فتح تحقيق في أسباب الانقطاعات.
وتكشف هذه المواقف عن مشكلة أعمق، فقطاع الكهرباء أصبح في جزء منه مرآة للانقسام المؤسسي في البلاد. فحين تتعدد مراكز القرار، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية النهائية عن النتائج، وتتحول الأزمات الخدمية إلى مادة لتبادل الاتهامات بين المؤسسات والسلطات المتنافسة، والأخطر أن المواطن يجد نفسه في النهاية أمام النتيجة نفسها: خدمة غير مستقرة، وتكاليف إضافية، ومولدات خاصة، وانقطاع للمياه في بعض المناطق.

24 مليار دينار.. والسؤال الذي لا يغيب
تكتسب الأزمة بعداً أكثر حساسية بالنظر إلى حجم الإنفاق، حيث أنفقت حكومة الوحدة حتى نهاية 2024 نحو 24 مليار دينار ليبي على الشركة العامة للكهرباء، ضمن مشروعات استهدفت زيادة الإنتاج وتحسين الشبكة، وهنا لا يتعلق السؤال بحجم الأموال فقط، وإنما بكفاءة تحويل الإنفاق العام إلى قدرة إنتاجية وخدمة مستقرة.
فإذا كانت مليارات الدنانير قد ضُخت في القطاع، ثم ظلت الشبكة معرضة لانهيارات شاملة عند حدوث خلل فني، فإن النقاش المنطقي لا ينبغي أن يتوقف عند البحث عن مصدر العطل الأخير، وإنما يجب أن يمتد إلى مراجعة دورة الإنفاق كاملة: ما الذي أنفق؟ وأين أنفق؟ وما الذي تحقق فعلياً؟ ومن يراقب النتائج؟

المشكلة ليست في الوقود وحده
لكن الكهرباء ليست سوى نصف المعادلة فالانقطاع المتكرر يدفع المواطنين والمنشآت إلى استخدام المولدات، وهو ما يرفع بدوره الطلب على الديزل ويزيد الضغط على منظومة الوقود، وفي هذا الصدد يرى رجل الأعمال الليبي والخبير الاقتصادي حسني بي، أن أزمة الطاقة الليبية لا ترتبط فقط بتوافر الوقود، وإنما بمنظومة كاملة تجمع بين دعم الطاقة، وأنماط الاستهلاك، والهدر، والتهريب، وضعف كفاءة الكهرباء، والتوسع العمراني والصناعي غير المخطط.
وبهذه القراءة، فإن انقطاع الكهرباء لا ينتهي عندما يعود التيار، فكل ساعة إضافية من الانقطاع قد تعني تشغيل مولد، واستهلاك ديزل، وزيادة تكلفة على المخبز أو المطعم أو المصنع، ثم انتقال هذه التكلفة إلى أسعار السلع والخدمات، وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: شبكة كهرباء ضعيفة، مولدات أكثر، استهلاك وقود أعلى، ضغوط أكبر على الدعم، وتكاليف إنتاج أعلى وفق الخبراء.

الدعم.. حماية للمواطن أم مصدر للاختلال؟
تضع هذه المعادلة منظومة دعم الطاقة أمام اختبار صعب. فالدعم في الأصل أداة لحماية المواطن والحفاظ على قدرته الشرائية، لكن استمرار بيعه للسلعة بأسعار شديدة الانخفاض يمكن أن يؤدي إلى تشجيع الإفراط في الاستهلاك والتهريب، كما قد يجعل كبار المستهلكين يحصلون بصورة غير مباشرة على دعم أكبر.
ويقترح حسني بي الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقدياً، مع تسعير الطاقة تدريجياً وفق تكلفتها الاقتصادية، بحيث يحصل المواطن على تعويض مباشر، بدلاً من توجيه الدعم إلى السلعة نفسها، لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن في الدعوة إلى رفع الأسعار بحد ذاتها، وإنما في محاولة إعادة تعريف وظيفة الدعم: هل الهدف هو إبقاء الطاقة رخيصة للجميع، أم حماية الفئات الأكثر احتياجاً؟
![]()
التهريب.. الوجه الخفي لأزمة الطاقة
تتصل أزمة الوقود كذلك بمشكلة أوسع تتعلق بالتهريب. فالدعم الكبير للفارق بين السعر المحلي والسعر الاقتصادي يمكن أن يحول الوقود إلى سلعة ذات هامش ربح مرتفع عند تهريبها خارج البلاد، وهنا تصبح المسألة أبعد من سرقة وقود؛ إذ تتحول إلى نزيف اقتصادي متعدد المستويات. فالوقود قد يكون مستورداً بالدولار، ثم يباع محلياً بسعر مدعوم، قبل أن يخرج جزء منه إلى الخارج، ما يعني خسارة مزدوجة للعملة الأجنبية والموارد العامة.
ويرى مراقبون أن معالجة التهريب لا يمكن أن تعتمد فقط على زيادة الرقابة الأمنية على الحدود أو المحطات، وإنما تحتاج أيضاً إلى معالجة الحافز الاقتصادي الذي يجعل التهريب مربحاً، وهذه نقطة مركزية في أي إصلاح حقيقي: لا يمكن القضاء على سوق غير شرعية إذا ظلت الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الاقتصادي توفر لها ربحاً استثنائياً.

الكهرباء وسعر الصرف.. أزمة واحدة بأوجه متعددة
تتسع دائرة التأثير عندما ترتبط الطاقة بسوق الصرف. فليبيا اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، بينما يعتمد جانب مهم من احتياجاتها على الاستيراد، وبالتالي، فإن ارتفاع الاستهلاك، وزيادة الحاجة إلى استيراد الوقود، والتهريب، وتوسع الإنفاق العام، كلها عوامل تضغط بصورة مباشرة أو غير مباشرة على موارد النقد الأجنبي.
من هنا تصبح أزمة الطاقة جزءاً من معادلة الاستقرار النقدي. فكلما زادت فاتورة الوقود، ارتفع الطلب على العملة الأجنبية، وكلما تراجع الإنتاج المحلي أو ارتفعت تكاليف التشغيل، انتقلت الضغوط إلى الأسعار والقوة الشرائية.
ولهذا تبدو معالجة أزمة الكهرباء من منظور اقتصادي أوسع ضرورة تتجاوز تحسين الخدمة اليومية؛ فهي أيضاً جزء من حماية موارد الدولة وتقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام العائد النفطي.

الزاوية.. الطاقة تحت ضغط الأمن
يزداد المشهد تعقيداً مع ما شهدته مدينة الزاوية خلال الفترة الأخيرة من حوادث طالت منشآت حيوية، حيث أدى انفجار قرب محطة كهرباء الزاوية إلى خروج عدد من وحدات الإنتاج عن الخدمة وانقطاع التيار عن مناطق واسعة من غرب ليبيا، بينما سبق ذلك تعرض محطة تحويل جنوب الزاوية لهجوم تسبب في عطل واسع.
كما شهدت المدينة سلسلة هجمات بطائرات مسيرة مجهولة المصدر استهدفت منشآت نفطية وخزانات وقود ومرافق للكهرباء وتحلية المياه، من دون إعلان جهة مسؤوليتها عنها وتحمل هذه الوقائع دلالة شديدة الخطورة؛ لأن استهداف البنية التحتية للطاقة لا يضرب منشأة بعينها، وإنما يمكن أن يعطل سلسلة كاملة من الخدمات والأنشطة الاقتصادية، فالمنشأة النفطية ترتبط بالوقود، والوقود يرتبط بالكهرباء والنقل، والكهرباء ترتبط بالمياه والإنتاج، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الحلقات الأخرى.

الانقسام السياسي.. الأزمة التي تنتج أزمات أخرى
كل هذه الملفات تعود في النهاية إلى سؤال الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه، فالانقسام بين المؤسسات والسلطات في شرق ليبيا وغربها لا يقتصر أثره على المجال السياسي، وإنما ينعكس على القطاعات التي تحتاج إلى تخطيط مركزي طويل المدى، مثل الكهرباء والمياه والنقل والطاقة، وعندما تتعدد مراكز القرار، يصبح من الصعب تنفيذ استراتيجية موحدة تمتد لسنوات، فيما تحتاج شبكات الكهرباء تحديداً إلى استثمارات وصيانة وتخطيط مستمر، لا إلى حلول طارئة عند كل انهيار.
لذلك فإن استمرار أزمة الكهرباء، رغم حجم الإنفاق، قد يكون أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على تكلفة الانقسام المؤسسي.



