الرئيسيةليبيانشرة الأخبار

ليبيا في أسبوع.. بين صراع الداخل وتشابكات الخارج: بلد على مفترق طرق

طرابلس – مركز العرب

بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا غارقة في دوامة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، جعلت من البلاد ساحة مفتوحة لتدخلات الخارج وصراع النفوذ بين قوى محلية وإقليمية ودولية. وبينما يعلّق المواطنون آمالهم على مسار انتخابي يعيد الاستقرار، تتشابك المعادلات الداخلية مع أجندات اللاعبين الدوليين، ليظل مستقبل ليبيا معلقًا بين احتمالات التسوية والانفجار.

ليبيا جدل إطلاق اللحية

صراع الشرعيات وانقسام السلطة

الداخل الليبي يعيش على وقع وجود حكومتين متنافستين؛ واحدة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة تحظى باعتراف دولي، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد بدعم من البرلمان وقوات المشير خليفة حفتر. هذا الانقسام ضرب المؤسسات، وأضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحّدة، فيما تحولت الميليشيات المسلحة إلى طرف حاكم فعلي يمسك بخيوط القوة على الأرض.

في الغرب، يبرز جهاز الردع واللواء 444 وقوات مصراتة والزنتان كلاعبين أساسيين، بينما يفرض حفتر سيطرته على بنغازي والهلال النفطي شرقًا. هذه القوى لا تكتفي بالنفوذ العسكري، بل دخلت في الاقتصاد وإدارة الموارد، ما جعلها تنافس مؤسسات الدولة وتزيد من تفكك المشهد.

أمن هش واقتصاد مأزوم

رغم فترات التهدئة، تبقى الأوضاع الأمنية هشة. طرابلس شهدت أكثر من مواجهة دامية بين المجموعات المسلحة، كان آخرها صراع جهاز الردع مع قوات اللواء 444، بينما الجنوب تحوّل إلى ممر للسلاح والمهاجرين بفعل ضعف الرقابة.

أما الاقتصاد، فرغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، فإن الانقسامات أدت إلى إغلاق متكرر للحقول النفطية، وصراع على إدارة العائدات بين مؤسسات متناحرة. ومع تفشي الفساد وغياب التنمية، يعيش المواطن الليبي أزمة معيشية خانقة، في بلد غني بثرواته لكن عاجز عن توظيفها.

ليبيا أرتال مسلحة طرابلس

معاناة إنسانية وغياب الثقة

الانقسام والحروب خلّفت آثارًا إنسانية قاسية؛ أكثر من 400 ألف نازح داخلي، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وانقطاع الكهرباء بشكل شبه دائم. وفقد المواطنون ثقتهم في الطبقة السياسية، فيما يواصل الشباب الهجرة بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا خارج حدود الوطن

الهجرة غير الشرعية مشكلة بلا حل

أحد أخطر تداعيات الأزمة الليبية هي تحوّل البلاد إلى أكبر بوابة للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا؛ فالسواحل الليبية الممتدة على أكثر من 1900 كيلومتر، مع ضعف سيطرة الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية، جعلت من شواطئها نقطة انطلاق رئيسية لقوارب الموت التي تحمل آلاف المهاجرين الأفارقة سنويًا.

في مدن مثل زوارة وصبراتة وزليتن، تنشط شبكات التهريب بالتنسيق مع ميليشيات محلية، لتتحول الهجرة إلى سوق سوداء تدر ملايين الدولارات سنويًا. هذه الشبكات لا تكتفي بتهريب البشر؛ بل ترتبط بتجارة السلاح والمخدرات، ما يجعلها عاملًا مضاعفًا للفوضى.

من الناحية الإنسانية، مراكز الاحتجاز في طرابلس ومصراتة شهدت انتهاكات جسيمة ضد المهاجرين، بينها سوء المعاملة وغياب الخدمات الأساسية، وفق تقارير المنظمات الدولية. وبينما تغرق قوارب المهاجرين بشكل متكرر في المتوسط، يواصل الاتحاد الأوروبي انتهاج سياسة مزدوجة: تمويل خفر السواحل الليبي لوقف التدفقات، مع غضّ الطرف عن الانتهاكات بحق المهاجرين في الداخل.

ورغم كل الجهود، تبقى ليبيا عالقة في معادلة معقدة: دولة عاجزة عن السيطرة على حدودها الجنوبية المفتوحة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، وسواحل طويلة تصعب مراقبتها بالكامل، وضغوط أوروبية تدفعها للقيام بدور “حارس البوابة”، فيما يدفع المهاجرون حياتهم ثمنًا لهذه الأزمة.

الانتخابات الليبية
المشهد الانتخابي في ليبيا

الانتخابات بين طموح الداخل وضغوط الخارج

وتشكل الانتخابات المرتقبة في ليبيا محورًا رئيسيًا للخروج من المأزق السياسي المستمر منذ سنوات. فالأمم المتحدة تدفع بخطة لإجراء اقتراع رئاسي وتشريعي خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرًا، باعتباره الطريق الأقصر نحو مؤسسات شرعية وموحدة. غير أن الواقع الميداني يكشف عن عقبات معقدة، بدءًا من الخلافات حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مرورًا بغياب الثقة بين الفرقاء، وصولًا إلى خشية القوى المسلحة من فقدان نفوذها إذا أفرزت صناديق الاقتراع قيادة جديدة لا تتماشى مع مصالحها.

ورغم هذه الصعوبات، يبقى الرهان على الانتخابات قائمًا كخيار وحيد تقريبًا يحظى بغطاء دولي ودعم شعبي واسع. فالليبيون الذين أنهكتهم الصراعات والانقسامات يتطلعون إلى قيادة موحدة تعيد للدولة هيبتها وتفتح الباب أمام الاستقرار والتنمية. لكن نجاح هذا الاستحقاق سيبقى مرهونًا بقدرة الأطراف الداخلية على تقديم تنازلات متبادلة، وبمدى استعداد القوى الخارجية للتوقف عن توظيف الملف الليبي كساحة صراع بالوكالة.

تدخلات خارجية ترسم المشهد

ليبيا لم تعد شأنًا داخليًا صرفًا. أنقرة رسّخت وجودها العسكري والأمني منذ 2019 عبر اتفاقات مع طرابلس، ووسّعت حضورها الاقتصادي ليشمل مشاريع البنية التحتية والطاقة. روسيا بدورها دعمت حفتر عبر مرتزقة «فاغنر»، لتعزيز نفوذها في الهلال النفطي وعلى المتوسط.

مصر والإمارات قدّمتا دعمًا سياسيًا وعسكريًا للشرق باعتباره حاجزًا أمام الإسلاميين، بينما القوى الغربية ما زالت منقسمة بين فرنسا وإيطاليا، كلٌ منهما يسعى لترسيخ نفوذه في ملف الطاقة والهجرة. أما الولايات المتحدة، فتركز على منع تمدد روسيا وضمان استمرار تدفق النفط.

ليبيا خارطة طريق جديدة

سيناريوهات المستقبل: انتخابات أم انفجار؟

تجد ليبيا نفسها اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية؛ فالأمم المتحدة تطرح منذ أشهر خطة تقضي بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرًا، لكن الخلافات المستمرة حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، إلى جانب مخاوف القوى المسلحة من خسارة امتيازاتها، تجعل تطبيق الخطة محفوفًا بالتعقيدات. ويُجمع المراقبون على أن قدرة الليبيين على تجاوز هذه المعضلات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، إما نحو بناء مؤسسات موحدة، أو نحو تكريس الانقسام.

في هذا السياق، تتوزع السيناريوهات بين ثلاثة مسارات محتملة: الأول نجاح الاستحقاق الانتخابي بما يفتح الباب أمام إعادة توحيد مؤسسات الدولة شرط قبول النتائج من جميع الأطراف، والثاني استمرار الوضع الراهن القائم على ازدواجية الحكومات وسط تمدد الميليشيات والتدخلات الخارجية وتباطؤ الاقتصاد، أما الثالث فهو الأكثر خطورة ويتمثل في اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، خصوصًا في طرابلس أو مناطق الهلال النفطي، بما قد يقود إلى تقسيم فعلي للبلاد وترسيخ معادلة الأمر الواقع.

التحديات كبرى في مسار الدولة 

حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية أو إجراء انتخابات ناجحة، ستظل ليبيا أمام جملة من التحديات الثقيلة التي تهدد استقرارها على المدى الطويل. فإعادة بناء مؤسسات الدولة لن تكتمل من دون توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية المتشرذمة بين ميليشيات وقوى متصارعة، وهو شرط أساسي لفرض سيادة القانون وإنهاء الفوضى المسلحة. كما أن قطاع النفط، رغم كونه العمود الفقري للاقتصاد الليبي، يحتاج إلى إصلاحات جذرية تضمن استدامة الإنتاج وتفتح الباب أمام تنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد على عائدات الخام وحدها.

وإلى جانب ذلك، تبقى المصالحة الوطنية الشاملة تحديًا لا يقل أهمية، إذ إن الانقسامات القبلية والمناطقية العميقة تمثل وقودًا دائمًا للتوترات السياسية والعسكرية. كما يظل النفوذ الخارجي عقبة رئيسية، حيث تتنازع عدة قوى إقليمية ودولية على رسم مسار الأزمة الليبية بما يتوافق مع مصالحها، الأمر الذي يعيق بناء قرار وطني مستقل قادر على حماية سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

بلد على حافة المفترق

ليبيا اليوم ليست مجرد دولة تبحث عن انتخابات، بل وطن يقف على مفترق طرق خطير. فإما أن ينجح الليبيون، بدعم دولي متوازن، في بناء مسار سياسي واقتصادي يعيد للدولة عافيتها، أو أن تنزلق البلاد إلى مزيد من الفوضى والانقسام، مع بقاء المواطن البسيط الحلقة الأضعف في معادلة صراع لم يحسم منذ 14 عام

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى