لواء عماد اليماني يكتب.. مصر وجهود التهدئة الإقليمية

تتحرك الدبلوماسية المصرية في محيطها الإقليمي والدولي وفق استراتيجية راسخة لا تبغى سوى تحقيق الاستقرار، وصون الأمن القومي العربي، وإعلاء لغة الحوار فوق صوت المدافع. ولم يكن الدور المصري يومًا دورًا عابرًا أو هامشيًا، بل هو دائمًا حجر الزاوية وصمام الأمان لمنطقة تموج بالاضطرابات والتحولات المتسارعة.
إن قراءة المشهد الإقليمي الراهن تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن القيادة السياسية المصرية تدرك تمامًا حجم التحديات التي تحيط بالمنطقة، وتؤمن بأن اشتعال النيران في أي دول جوار ستمتد شراراته إلى الجميع. ومن هنا، تنطلق الجهود المصرية للتهدئة من منظور “المسؤولية التاريخية” والعمق الاستراتيجي، وليس من باب الوساطة الدبلوماسية التقليدية فحسب.
ثوابت الموقف المصري في إدارة الأزمات
تستند الرؤية المصرية في جهود التهدئة والوساطة إلى مجموعة من المبادئ الصارمة التي تمنحها ثقة جميع الأطراف الدولية والإقليمية، وأبرزها:
احترام سيادة الدول: الرفض التام لأي محاولات لتقسيم الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم المؤسسات الوطنية الشرعية.
تغليب الحلول السياسية: الإيمان بأن العمليات العسكرية لا تصنع سلامًا مستدامًا، وأن المائدة المستديرة هي المسار الوحيد لإنهاء النزاعات.
صيانة الأمن القومي العربي: التعامل مع أمن منطقة الخليج والبحر الأحمر والعمق الأفريقي كخطوط حمراء لا تقبل المساومة.

ملفات ساخنة وجهود دؤوبة
إذا نظرنا إلى الخريطة الإقليمية، سنجد البصمة المصرية واضحة في كافة ملفات التهدئة، حيث تظل مصر هي السند الأقوى والوسيط النزيه المقبول من كافة الأطراف. فلم تتوقف جهود القاهرة للحفاظ على دماء الأشقاء الفلسطينيين، والعمل على إنهاء التصعيد العسكري، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، بالتوازي مع التمسك بالحل العادل والشامل القائم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما نجحت الرؤية المصرية عبر “إعلان القاهرة” والخطوط الحمراء التي رسمتها في وقت حرج، في كبح جماح التدخلات الأجنبية ووقف الاقتتال الداخلي، ودفع الأشقاء الليبيين نحو مسار الحل السياسي والانتخابات وتوحيد المؤسسات العسكرية.
وامتدت يد مصر بالسلام والتهدئة للأشقاء في السودان منذ اندلاع الأزمة، من خلال استضافة مؤتمرات دول الجوار والاتصالات المستمرة مع أطراف النزاع لتغليب مصلحة الوطن وحقن الدماء، فضلًا عن دورها المحوري في دعم استقرار دول حوض النيل والقرن الأفريقي.
رسالة سلام من موقف قوة
إن جهود التهدئة التي تقودها مصر لا تنطلق من موقف ضعف أو حياد سلبي، بل هي نتاج قوة شاملة وبنية عسكرية واقتصادية قوية قادرة على حماية مصالحها وفرض معادلات الاستقرار. إنها دبلوماسية “حكيمة ورشيدة” تعي جيدًا أن تكلفة السلام والتهدئة، مهما عظمت، تظل أقل بكثير من الفاتورة الباهظة للفوضى والحروب.
ستظل مصر، بقائدها وجيشها ومؤسساتها، منارة للاستقرار في الشرق الأوسط، يلوذ بها الجميع كلما اشتدت الأزمات، لتثبت الأيام دائمًا أن القاهرة هي مفتاح السلم والحرب، وأن جهودها المخلصة هي طوق النجاة لمنطقة تتطلع إلى غدٍ أفضل يسوده البناء والتنمية لا الهدم والدمار.


