فلسطين في أسبوع.. تنديد بخطط الاحتلال لضم الضفة والجوع يفتك بصغار غزة

القدس – ثائر نوفل أبوعطيوي
لا شيء يكشف قسوة الحروب مثل مشاهد الجوع. وفي غزة، لم يعد الحديث عن أزمة إنسانية مجرد عناوين في نشرات الأخبار، بل صار واقعًا يوميًا يعيشه أكثر من مليوني إنسان تحت حصار مطبق وحرب متواصلة. المشاهد المقبلة من القطاع تصوّر كارثة تتجاوز حدود السياسة والعسكر، لتضع العالم أمام مأساة إنسانية غير مسبوقة: أطفال بلا غذاء، وعائلات تبحث عن فتات الخبز، ومستشفيات عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة.
مندوب فلسطين: إسرائيل تتجه لضم كل الضفة الغربية
أفاد مندوب فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور، اليوم الجمعة، أن إسرائيل تتجه لضم كل الضفة الغربية.
كما قال في مؤتمر صحافي من نيويورك “حصلنا على دعم دولي لوقف الحرب في غزة”.
والأسبوع الماضي، أقرت إسرائيل مشروعا استيطانيا شرق القدس من شأنه فصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها رغم تحذير المجتمع الدولي من أنه سيقوض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة مستقبلا.
ومنحت اللجنة العليا للتخطيط التابعة للإدارة المدنية الموافقة النهائية على المخطط الذي أعلن وزير المالية “المتطرف” بتسلئيل سموتريتش إقراره في 14 أغسطس الجاري، لإقامة مستوطنات جديدة، في إطار “مشروع E1″، في خطوة قال إنها “ستقوّض تماماً إمكانية قيام دولة فلسطينية”.
والمخطط E1 هو مخطَط استيطاني اعتمدته الحكومة الإسرائيلية عام 1999 على أراضٍ فلسطينية تبلغ مساحتها 12,000 دونم (حوالي 12 مليون متر مربع) في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويهدف المخطط إلى ربط القدس بعدد من المستوطنات الإسرائيليّة الواقعة شرقها في الضفة الغربيّة مثل مُستوطنة معالي أدوميم، وذلك من خلال مُصادَرة أراضٍ فلسطينيّة بالمنطقة وإنشاء مستوطنات جديدة.
فيما دان وزراء خارجية 31 دولة عربية وإسلامية وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، خطة الاستيطان في منطقة E1.
كذلك، دانت جماعات حقوق الإنسان الخطة على الفور. ووصفتها “منظمة سلام” الآن بأنها “مميتة لمستقبل إسرائيل ولأية فرصة لتحقيق حل دولتين سلمي” وهو ما “يضمن سنوات أخرى من إراقة الدماء”.

الجوع يفتك بالصغار في غزة
في الأحياء المدمرة من شمال غزة، تتحول مهمة الحصول على وجبة واحدة إلى معركة يومية. الأمهات ينتظرن ساعات أمام نقاط توزيع المساعدات على أمل الحصول على كيس طحين أو علبة حليب، بينما يزداد عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد.
تقارير منظمة الصحة العالمية تتحدث عن أرقام صادمة: آلاف الأطفال يواجهون خطر الموت البطيء، وقرابة 90 % من سكان القطاع لا يحصلون على غذاء كافٍ. صور الأجساد الهزيلة والوجوه الغائرة صارت أبلغ تعبير عن حجم المأساة، في وقت يبدو فيه العالم عاجزًا عن اتخاذ خطوات عملية لوقف هذه الكارثة.
انهيار المنظومة الصحية في غزة
لم يتوقف الأمر عند الجوع. فالمستشفيات، التي تعمل بقدرات محدودة تحت القصف، لم تعد قادرة على استقبال الأعداد المتزايدة من المصابين بسوء التغذية أو الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة. الأطباء يروون قصصًا مفزعة: أطفال يصلون إلى الطوارئ وقد فقدوا القدرة على الحركة نتيجة الهزال الشديد، وأمهات ينهارون من البكاء لعجزهم عن إنقاذ فلذات أكبادهم.
النقص الحاد في الأدوية والمحاليل الطبية يزيد الوضع سوءًا، لتصبح غزة اليوم نموذجًا لكيفية تدمير الحصار المتواصل لحق الإنسان في الصحة والحياة.
شهادات من قلب المأساة
“ابني عمره أربع سنوات، لم يعد يقوى على المشي من شدة الجوع”، تقول أم محمد، وهي تقف في طابور طويل للحصول على وجبة عدس من مطبخ خيري مؤقت. تضيف بصوت متهدج: “نعيش على وجبة واحدة في اليوم، وأحيانًا لا نجدها”.
أما الشاب محمود، فيحكي كيف يجوب مع إخوته شوارع غزة المدمرة بحثًا عن بقايا طعام بين الركام: “لم أكن أتصور أنني سأصل يومًا إلى هذا المشهد، أن أبحث عن لقمة في القمامة لأطعم أمي المريضة”.
مسؤولية دولية غائبة
رغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، ما زال المجتمع الدولي عاجزًا عن وقف المجاعة في غزة. بعض الشحنات الإغاثية تصل عبر معابر محدودة، لكنها لا تكفي لسد جزء يسير من الاحتياجات. تقارير برنامج الأغذية العالمي تشير إلى أن القطاع يحتاج إلى آلاف الأطنان من الغذاء شهريًا، بينما لا يصل منه إلا الفتات.
هذا الفشل لا يعكس فقط غياب الإرادة السياسية لوقف الحصار، بل يكشف كذلك عن ازدواجية المعايير في التعامل مع الكوارث الإنسانية عالميًا.

الجوع سلاح حرب
كثير من المراقبين يؤكدون أن ما يجري في غزة يتجاوز كونه أزمة إنسانية عارضة، بل هو استخدام متعمد للجوع كسلاح حرب. فالتجويع الممنهج يعاقب المدنيين ويدمر نسيج المجتمع، ويضع الضحايا بين خيارين: الاستسلام أو الموت.
ويحذر خبراء حقوق الإنسان من أن هذه السياسة تمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استخدام الحصار والتجويع ضد المدنيين. لكن الأصوات المطالبة بالمحاسبة لا تزال خافتة أمام ثقل المصالح السياسية.

ورغم الجوع، يرفض سكان غزة الاستسلام. في مشاهد مؤثرة، يقيم متطوعون مطابخ صغيرة لإعداد وجبات ساخنة، ويبتكر الشباب طرقًا لتجميع المياه وتوزيعها على الأحياء المحاصرة. الأطفال، ببراءتهم، يواصلون اللعب في أزقة مدمرة، كأنهم يرسلون رسالة إلى العالم بأن الحياة ستستمر مهما اشتد الحصار.
هذه الروح المقاومة، برغم قسوة الظروف، تعكس جوهر معركة الغزيين: صراع من أجل البقاء، وتشبث بالحياة في وجه سياسات الموت.
لا يمكن فصل المجاعة في غزة عن سياقها السياسي. فالحرب المستمرة والحصار المفروض جعلا القطاع معزولًا تمامًا عن العالم الخارجي. حتى المبادرات الإقليمية لوقف إطلاق النار لم تنجح في تخفيف الكارثة الإنسانية.
ويرى محللون أن استمرار المجاعة قد يشعل موجات جديدة من الغضب الشعبي في المنطقة، ويزيد من تعقيد ملفات السلام والأمن في الشرق الأوسط. فالجوع لا يولد إلا اليأس، واليأس بدوره يولد الانفجار.

غزة في عيون العالم
الإعلام الدولي بدأ يصف ما يحدث في غزة بأنه “مجاعة القرن”، ويدعو بعض الكتّاب إلى مقارنته بالمجاعات الكبرى في إفريقيا خلال التسعينيات. الفارق، كما يقول أحد الصحفيين الغربيين، أن “العالم كان يهرع لإرسال المساعدات حينها، أما اليوم فالجميع يتفرج”.
هذا الصمت المريب يضع الضمير العالمي على المحك، ويطرح أسئلة قاسية: ما قيمة القوانين والمواثيق الدولية إذا كان ملايين البشر يواجهون الموت جوعًا أمام أعين الجميع؟

الاجتياح.. بين الخطط العسكرية والمقاومة الشعبية
وبينما يعيش قطاع غزة على وقع المجاعة والكارثة الإنسانية، تسابق إسرائيل الزمن لتنفيذ خطط عسكرية وصفتها أوساط أمنية بـ”الأوسع منذ 1967″. فالتسريبات الواردة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تكشف عن إصرار متصاعد على اجتياح بري شامل، لا يقتصر على “المناطق الحدودية” أو “الأنفاق”، بل يمتد إلى عمق القطاع بما يشمل السيطرة على مراكز المدن والمخيمات.
الخطة، التي تتداولها أوساط إسرائيلية تحت اسم “الحسم”، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
- التطويق والعزل: تقسيم قطاع غزة إلى مربعات جغرافية منفصلة، وقطع التواصل بين شماله وجنوبه، مع فرض طوق عسكري محكم يمنع حركة المدنيين.
- التمشيط والتطهير: الاعتماد على اجتياحات متدرجة داخل الأحياء المكتظة، باستخدام المدرعات والطائرات المسيرة والكلاب البوليسية، لفرض ما تسميه إسرائيل “تنظيف البنية التحتية للمقاومة”.
- الإدارة الأمنية: بعد السيطرة، تسعى إسرائيل لإقامة “مجالس محلية بديلة” تدير الحياة المدنية تحت إشراف مباشر من الجيش، وهو ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج نموذج “الاحتلال العسكري المباشر” كما كان قبل الانسحاب عام 2005.
ويرى محللون أن الإصرار الإسرائيلي على هذه الخطة ينبع من رغبة سياسية داخل الحكومة في تحقيق “نصر ملموس” أمام الرأي العام الداخلي، خصوصًا بعد فشل محاولات سابقة في حسم المعركة جوًا. كما يسعى اليمين الإسرائيلي إلى استثمار فكرة الاجتياح لإعادة رسم المشهد الفلسطيني بما يخدم مشاريعه الاستيطانية والأمنية طويلة المدى.
لكن هذه الحسابات تصطدم بواقع معقد. فالتجارب السابقة أثبتت أن غزة تتحول سريعًا إلى “فخ استنزاف” للقوات المقتحمة. المقاومة، رغم الحصار، طورت تكتيكات تعتمد على الأنفاق والكمائن، ما يجعل أي تقدم بري محفوفًا بخسائر فادحة. إضافة إلى ذلك، يحذر خبراء عسكريون غربيون من أن الاجتياح الكامل قد يتحول إلى “حرب شوارع” طويلة الأمد، تُستنزف فيها القوات الإسرائيلية يوميًا، وتتحول إلى عبء استراتيجي على المدى البعيد.
في المقابل، يتابع المجتمع الدولي بقلق. الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة حذرت من أن الاجتياح سيؤدي إلى “انهيار كامل للمنظومة الإنسانية”، حيث إن أي عملية عسكرية واسعة ستقطع آخر شرايين الإمداد، وتزيد من معدلات النزوح والجوع، لتضع مليونَي إنسان تحت تهديد الإبادة البطيئة.
وبينما تصر القيادة الإسرائيلية على خيار الاجتياح باعتباره “الحل الأخير”، يبدو أن النتائج قد تكون عكسية: مجازر بحق المدنيين، تصاعد المقاومة، وتفاقم عزلة إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا. وهكذا، يبقى السؤال معلقًا: هل ستنجح إسرائيل في فرض خطتها العسكرية، أم تتحول غزة مجددًا إلى مقبرة لمشاريع الاحتلال؟
نداء إنساني
وعطفًا على ما سبق، فإن إنقاذ غزة لم يعد مجرد ملف سياسي في أروقة المفاوضات، بل جرح إنساني مفتوح يصرخ في وجه العالم، كل طفل يموت جوعًا هو وصمة عار على جبين الإنسانية، وكل أم تفقد قدرتها على إطعام أبنائها هي شهادة على عجز النظام الدولي. لقد أثبتت الحرب أن القصف يهدم البيوت، لكن الجوع يهدم الإنسان من الداخل. وإذا لم يتحرك العالم الآن، فإن التاريخ سيسجل هذه المجاعة كأحد أكثر فصول القرن الحادي والعشرين ظلمة وقسوة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب




