رأي

صبري الديب يكتب.. فلوس فنزويلا يا ولاد الحرامية

في الثالث من يناير الماضي، أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ واحدة من أقذر عمليات الاختطاف والسطو في التاريخ الحديث، جسدت بوضوح أسلوب البلطجة القذر الذي تتمتع به عصابة المستعمرين الجدد في واشنطن، ومدى النظرة الدونية التي تتعامل بها واشنطن مع الدول الفقيرة.

فقبل 7 أشهر من الآن، أصدر ترامب أوامر بتنفيذ عملية عسكرية غير مسبوقة داخل فنزويلا، نجح خلالها في اختطاف الرئيس “نيكولاس مادورو” من قلب قصره في العاصمة كراكاس، واقتياده مكبلًا إلى واشنطن، تحت زعم أنه تآمر مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب المخدرات إلى أمريكا، دون إعلان أن الغرض الحقيقي من العملية، التي استهدفت السيطرة على بترول أحد أكبر الدول المنتجة في العالم، والإطاحة برئيسها المعادي للسياسة الأمريكية على طول الخط.

وحتى نعلم مدى بجاحة الاستعمار الأمريكي الجديد، فقد وضع ترامب يده على النفط الفنزويلي علنًا منذ اللحظات الأولى للإطاحة بالرئيس مادورو، وجعل كل صادرات كراكاس البترولية تحت سيطرة إدارته بشكل مباشر، تاركًا نائبة الرئيس “ديلسي رودريجيز” دون أدنى سلطة على ثروات بلادها.

الهدف القذر لعملية اعتقال “مادورو” كشف عنه تقرير فاضح لصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية منذ أيام، حيث أكد أن حجم العائدات الأمريكية من مبيعات النفط الفنزويلي خلال الشهور الـ7 الماضية قد تجاوز 13 مليار دولار، استنادًا إلى بيانات شحنات الخام التي جمعتها منصة “كيبلر” المتخصصة في بيانات النقل والطاقة، وتقدير أسعار الخامات الفنزويلية الذي قامت به وكالة “أرجوس ميديا”.

الكارثة أن مصير الأموال الفنزويلية التي نهبتها عصابة ترامب ما زال غامضًا حتى الآن، حيث لم يرصد الموقع الإلكتروني الذي أنشأته الحكومة الفنزويلية لمتابعة إيرادات مبيعات النفط التي تديرها أمريكا سوى عملية تحويل واحدة بقيمة 300 مليون دولار، مما طرح كثيرًا من علامات الاستفهام حول مصير أموال الشعب المسكين، الذي يعاني القطاع الأكبر منه ويلات الفقر المدقع، وزادت الآثار المدمرة للزلزال الذي ضرب البلاد في يونيو الماضي من أوجاعه فوق الألم.

الأكثر كارثية، أن الأمر التنفيذي الأمريكي قد نص في يناير الماضي على الاحتفاظ بأموال النفط الفنزويلي في حسابات حكومية أمريكية بصفة “وصاية حكومية”، وكأن ترامب نصب من نفسه وصيًا على تركة أطفال قصر. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فقد أكدت وزارة الطاقة الأمريكية منذ أيام أن “أموال النفط الفنزويلي سيتم توزيعها بما يخدم مصالح الشعبين الأمريكي والفنزويلي”، أي إن الاستعمار الأمريكي الجديد بقيادة ترامب نصب نفسه شريكًا في ثروات الشعب الفنزويلي الفقير جبرًا، ورغم أنف الجميع.

الملفت أن فضيحة نهب أموال الشعب الفنزويلي المطحون أثارت تحفظات النواب الديمقراطيين بالكونجرس، مما دعاهم إلى مطالبة إدارة ترامب بتقديم معلومات تفصيلية وشفافة حول عائدات وآليات توزيع أموال النفط الفنزويلي، وسط مخاوف جمهورية غير معلنة من وجود شبهات فساد تجعل من القضية هدفًا ضد ترامب والجمهوريين خلال المرحلة القادمة.

العجيب أنه طبقًا للأرقام المعلنة، فإن واشنطن لم تتح لحكومة كراكاس من أموالها المنهوبة سوى قيمة رواتب الموظفين بالحكومة، وشراء معدات لقطاع النفط، في الوقت الذي تدعي فيه إدارة ترامب “كذبًا” أنها ضخت مليارات الدولارات في الاقتصاد الفنزويلي، دون تقديم أي بيانات تفصيلية حول حجم تلك الأموال أو أوجه إنفاقها.

المحزن أن الشعب الفنزويلي يعيش الآن كارثة غير مسبوقة جراء الفقر وويلات الزلزال، وأن الأمم المتحدة قدرت تكلفة الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية بنحو 37 مليار دولار، ورغم ذلك ما زال ترامب يستقبل الأمر ببرود منقطع النظير، مكتفيًا بالإعلان عن توفير مساعدات عاجلة بقيمة 386 مليون دولار، بل والخروج في تبجح معلنًا أن “أمريكا استعادت تكلفة العملية العسكرية في فنزويلا 28 مرة من خلال عائدات النفط، وأنها ما زالت تجني الكثير من الأموال”.

ولتظل العشرات من علامات الاستفهام حول السلوك غير المتزن لإدارة ترامب في التعامل مع أغلب دول العالم، وإن كانت تنظر إلى عائدات النفط الفنزويلي باعتبارها “أموالًا تحت الوصاية الأمريكية”، أم غنيمة لعصابة المستعمرين الجدد في واشنطن.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى