صبري الديب يكتب.. السفير المهووس

للأسف، أن الواقع على الأرض يؤكد أن اللوبي اليهودي المسيطر على صناعة القرار في واشنطن لا يُعدّ بمفرده السبب وراء الموقف الأمريكي المساند والداعم للكيان الصهيوني على طول الخط، بل تحركه “عقائد متطرفة” تظهر بين الحين والآخر في صورة سقطات تخرج قولًا أو فعلًا عن مسؤولين رفيعي المستوى بالإدارة الأمريكية، أبرزها ما يقوم به السفير الأمريكي المتطرف لدى تل أبيب “مايك هاكابي”.
ففي واقعة لم يلتفت إليها الإعلام، شن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، منذ أيام، هجومًا ضاريًا على الحكومة البريطانية، وصل إلى حد اتهام لندن بـ”كراهية اليهود بلا حدود”، لمجرد قيام وزير الخارجية البريطاني بالإدلاء بتصريحات وصف فيها الأوضاع الإنسانية في غزة بـ”المروعة”، مستندًا إلى شهادات للأشخاص يعملون في القطاع، تحدثوا عن مأساة منع إسرائيل وصول أدوية للمرضى الفلسطينيين، وسقوط المئات من الأطفال الأبرياء في غزة، نتيجة منع الجيش الصهيوني وصول عقاقير حيوية كانت كفيلة بإنقاذ حياتهم.
ورغم استغراب البعض من تصريحات “هاكابي” التي جاءت أعنف عشرات المرات من تصريحات الخارجية الإسرائيلية، التي اتهمت الوزير البريطاني كذبًا بالاستناد إلى قصص ومعلومات غير دقيقة، إلا أن الباحث في الخلفية الدينية للسفير الأمريكي يستطيع أن يكتشف بسهولة أنه شخص مهووس بالخرافات والاساطير، وينتمي علنا إلى تيار “الأنجليكاني المسيحاني” المتطرف، الذي يرى العالم من منظور نبوءات القيامة وحروب آخر الزمان، ويشجع على تطبيق رؤيته الدينية على الأرض، ما جعله أحد أكثر تيارات العالم دعوة للحروب الدينية، وتأييدًا للسياسات الإسرائيلية المتطرفة.
وهو، للأسف، ذات الفكر الذي جعل السفير الأمريكي المهووس، يخرج بشكل دائم عن الأعراف الدبلوماسية، ويضرب بمبادئها عرض الحائط، وينحاز علنًا لإسرائيل، لدرجة أنه بدأ عمله فيها بزيارة إلى “حائط البراق” الذي يطلقون عليه “حائط المبكى”، بل والتصريح علنًا: “إنه يحمل دعاء كتبه الرئيس ترامب بخط يده، وأوصاه بقراءته في هذا المكان المقدس”.
وهي أيضًا ذات القناعات المتطرفة التي جعلت “هاكابي” يتمادى ويؤيد سياسة الاستيطان المقيتة، ويلعب دورًا تلموديًا يقدس إسرائيل، ويعتبر تمكينها مقدمة لمجيء المسيح، لدرجة أنه دائمًا ما يجنب استخدام اسم “الضفة الغربية” ويستبدله بالمسمى التوراتي “يهودا والسامرة”، بل والقول علنًا: “من الظلم التاريخي استخدام مصطلحات أخرى”، فضلًا عن خروجه عن القواعد الدبلوماسية، والمشاركة في وضع حجر الأساس لمستوطنة إسرائيلية، معلنًا أمام وسائل الإعلام أنه: “ليس هناك شيء اسمه مستوطنات، بل مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال”.
المدهش أن التصرفات غير المسؤولة للسفير الأمريكي المتطرف لم تحرك ساكنًا لإدارة ترامب أو الخارجية الأمريكية، لدرجة جعلته ينحاز على طول الخط لمعتقداته المتطرفة، على حساب الأعراف الدبلوماسية الأمريكية التي منعت سفراءها في إسرائيل لسنوات من زيارة الضفة الغربية المحتلة، على عكس “هاكابي” الذي قام برفقة زوجته بزيارة عقائدية لمستوطنة شيلو شرق رام الله.
وهي الزيارة الفضيحة التي بدأها السفير المهووس بزيارة مزرعة تحوي 5 بقرات حمراوات، كانت قد وصلت إلى إسرائيل من ولاية تكساس الأمريكية في سبتمبر 2022، وتعتقد جماعات الهيكل المتطرفة أن وجودها في دولة الكيان الصهيوني إشارة إلهية بقرب ظهور المسيح المنتظر، وبناء المعبد الثالث في موقع المسجد الأقصى.
وهي الخرافة التي تعمل جماعات المعبد، ومجموعات مسيحية متطرفة مثل تيار “الأنجليكاني المسيحاني” الذي ينتمي إليه السفير الأمريكي، على تنفيذها منذ سنوات داخل الكيان الصهيوني، اعتقادًا أنها إحدى الظواهر المبشرة بقدوم المسيح، وهي ذات العقيدة التي جعلت “هاكابي” يغلب قناعته الدينية على مهماته الدبلوماسية، ويطلق تصريحات هوجاء لا تخرج إلا عن مهووس، وليس سفيرًا لأقوى دول العالم.. وكفى.


