سوريا بين ارتباك الحاضر ومخاض المستقبل: قراءة في الواقع واحتمالات التحول

إعداد: علي فوزي الباحث في الشؤون العربية و الإفريقية
تشهد الساحة السورية تصعيدًا عسكريًا متواصلاً، أبرز مظاهره الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مقار حيوية من بينها مقر وزارة الدفاع في دمشق، ومواقع في محافظة السويداء تحت ذريعة “حماية الأقلية الدرزية”، عقب اشتباكات دامية خلفت مئات القتلى. في المقابل، تتجدد المواجهات على الحدود اللبنانية-السورية، بين فصائل من “الحكومة المؤقتة” المدعومة من تركيا ومقاتلي “حزب الله”، في مؤشر على هشاشة الاستقرار الإقليمي واستمرار تعقيدات العلاقة بين دمشق وبيروت.
اقرأ أيضا: الكويت في أسبوع.. إطلاق أربعة تأشيرات جديدة لتسهيل السفر وعودة الرحلات إلى سوريا بعد توقف 13 عاما

تحولات سياسية بقيادة انتقالية
على المستوى السياسي، تقود الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، القيادي السابق في “هيئة تحرير الشام”، عملية إعادة هيكلة دستورية شاملة. وقد أُعلن عن دستور مؤقت يمنح الشريعة الإسلامية دورًا محوريًا، بينما تم تنظيم “المؤتمر الوطني للحوار” في فبراير كمحطة تأسيسية. ومن المقرر إجراء انتخابات نيابية في أغسطس 2025 بنظام غير مباشر، يكرّس الطابع المؤسسي المرحلي ويترك مستقبل التمثيل المباشر رهين التوافقات القادمة.
الاقتصاد بين عقبات الماضي وآفاق الانفتاح
رغم الانكماش الاقتصادي الذي بلغ 1.5% عام 2024، تشير التقديرات إلى إمكانية تسجيل نمو بنحو 1% في 2025. ويُعزى هذا التحول الإيجابي جزئيًا إلى قرار رفع العقوبات المفروضة على سوريا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة خلال شهري مايو ويونيو 2025، مما أتاح تدفق استثمارات خليجية وتركية، أبرزها اتفاقية موانئ مع شركة “دي بي وورلد” بقيمة 800 مليون دولار، ومساهمة قطرية في تغطية رواتب القطاع الحكومي.
مكافحة الفساد وسط أزمة إنسانية مزمنة
شرعت السلطات الانتقالية في حملة ضد فساد مسؤولي النظام السابق، إلى جانب تشكيل لجنة للعدالة الانتقالية وتفكيك بعض الأجهزة الأمنية. ورغم ذلك، ما تزال سوريا تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، مع نزوح داخلي يتجاوز سبعة ملايين شخص، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية، وانقطاعات متكررة للكهرباء، وبطالة تفوق 24%، ونسبة فقر تتخطى 90%.
استشراف المستقبل: سيناريوهات ومخاطر
على الصعيد الاقتصادي، يبدو أن البلاد ماضية نحو تعافٍ بطيء بفضل انفتاح خارجي جزئي، لكن التعويل على الاستثمارات الخليجية والتركية قد يفرض أثمانًا سياسية ويؤدي إلى نوع من التبعية الاقتصادية.
أمنيًا، لا تزال احتمالات تجدد النزاعات قائمة بفعل وجود جماعات مسلحة غير مندمجة ومقاتلين أجانب، إضافة إلى التوترات المزمنة مع حزب الله وإسرائيل.
سياسيًا، من شأن الدعم الخليجي والتركي والغربي أن يمنح الحكومة الانتقالية شرعية دولية نسبية، شريطة الوفاء بتعهداتها نحو انتخابات شاملة خلال أربع سنوات. غير أن تبني دستور إسلامي لا يحظى بإجماع داخلي قد يثير احتجاجات من مكونات مجتمعية بارزة، مثل الأكراد والدروز والعلويين.
الحالة الراهنة التحدي المستقبلي
الاقتصاد انتعاش محدود إصلاحات هيكلية وتخفيف الاعتماد على التمويل الخارجي
الأمن اشتباكات حدودية وغارات إسرائيلية دمج الفصائل وتقليل التدخلات الخارجية
الحوكمة انتقال سياسي ودستور مؤقت تعزيز التوافق الداخلي وإشراك كافة الأطراف
الفرص دعم دولي مبدئي بناء شرعية، وإعادة اللاجئين
1. الضغط الدبلوماسي لاستكمال رفع العقوبات، بما يسمح بتدفق الاستثمار والمساعدات.
2. دعم برامج دمج المقاتلين وتسريح الجماعات المسلحة.
3. ضمان نزاهة الانتخابات المرتقبة، وتعزيز المشاركة الحزبية والمجتمعية.
4. تنويع الشركاء الاقتصاديين لتقليل التبعية السياسية.
5. إعطاء أولوية قصوى لإعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية.
تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق حساس. ففي حال استمرار الدعم الخارجي، وتحقيق الاستقرار الأمني، وتنفيذ الانتخابات ضمن الإطار الزمني المحدد، يمكن للبلاد أن تدخل مسارًا تدريجيًا نحو إعادة بناء الدولة خلال خمس إلى سبع سنوات. أما في حال تعثّر هذه المسارات، أو حدوث انتكاسات أمنية جديدة، فقد تدخل البلاد مجددًا في دوامة الانقسام والنزوح.


