رامي زُهدي يكتب.. «منتدى فالداي الروسي–الأفريقي في نسخته الثالثة: السياسة الواقعية… ونهاية مركزية الغرب»
- خبير في الشؤون الأفريقية – مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية
في عالمٍ تزداد فيه مؤشرات الانقسام بين مراكز القوى الكبرى، وتتصاعد فيه تحولات غير مسبوقة في موازين العلاقات الدولية، ينطلق اليوم 28 يوليو 2026، من العاصمة الجنوب أفريقية بريتوريا المنتدى الثالث لمنتدى “فالداي” الروسي–الأفريقي، تحت عنوان لافت وهو “السياسة الواقعية في عالم منقسم: إعادة التفكير في العلاقات بين روسيا وجنوب أفريقيا”.
هذا العنوان لم يأتِ من فراغ؛ بل هو انعكاس دقيق لعقيدة روسية آخذة في التشكل، ترى أن زمن القطبية الواحدة قد انقضى، وأن العالم لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى واقعية جديدة… واقعية تعترف بتعدد الأقطاب، وبتقدم الجنوب العالمي كمحور مستقل للقرار والتأثير.
اقرأ أيضا: فلسطين في أسبوع.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة “زاد العزة” واليونسيف تحذر من خطر المجاعة على الأطفال
اختيار جنوب أفريقيا كموقع لانعقاد النسخة الثالثة ليس فقط خيارًا لوجستيًا؛ بل هو بيان جيوسياسي صريح. فالدولة الأفريقية الكبيرة عضو مجموعة “بريكس” وصاحبة التاريخ العريق في مقاومة الهيمنة الغربية، باتت تمثل اليوم أحد أعمدة النظام المتعدد الذي تحلم به موسكو، وتحلم به معها شعوب كثيرة في الجنوب العالمي.
إن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت بالذات، ومع التصاعد الحاد في الانقسامات الغربية–الشرقية، يكشف رغبة روسية في إعادة إنتاج نفسها كشريك بديل غير استعماري، بل وكصانع لسردية عالمية جديدة، تتجاوز الثنائية الكلاسيكية شرق–غرب، لتؤسس لما يمكن تسميته بـ”تعدد الجنوب”.
العلاقات الروسية–الأفريقية تتميز بخصوصية قلّما توجد في علاقات القارة مع قوى كبرى أخرى، فلا تحكمها ذاكرة استعمار، ولا تفرض وصاية سياسية أو مشروطية اقتصادي، ولا تنطلق من دوافع إملائية كما تفعل بعض المؤسسات الغربية.
هذه المعادلة تجعل من المشروع الروسي أكثر جاذبية للنخب الأفريقية، خاصة تلك التي تبحث عن استقلال القرار الوطني، وتحرر اقتصادها من مشروطيات “المانحين” التقليديين. وفي هذا الإطار، يبدو منتدى فالداي منصة استراتيجية لإعادة تعريف الشراكة وفق منطق جديد: شراكة العقل، لا شراكة التبعية.
وواحدة من أهم أهداف المنتدى، والتي يجب التوقف عندها مليًا، هي تعزيز شبكات التواصل بين الخبراء والمفكرين الروس والأفارقة.
هذه الخطوة تتجاوز الطابع الأكاديمي لتُبشّر بولادة ما يمكن تسميته بـ”التحالف المعرفي الجنوبي”، تحالف يكتب روايته الخاصة، ويفسر الأحداث الدولية من منطلقاته هو، وليس عبر عدسات النخب الغربية التي طالما احتكرت إنتاج “المعرفة الجيوسياسية”.
نحن أمام إرهاصات نخبة فكرية جديدة روسية أفريقية تملك الجرأة على نقد المركزية الغربية، وتطمح إلى صياغة خطاب سياسي مستقل، يُنتج رأيًا عامًا مغايرًا، ويطرح توصيات قابلة للتطبيق في ملفات الأمن، والتنمية، والاقتصاد، والثقافة.
ويحمل جدول أعمال النسخة الثالثة من المنتدى مجموعة من المحاور الحيوية، أبرزها، دور “بريكس” ومجموعة العشرين في النظام العالمي الجديد، والتحديات التي تواجه عملية الإصلاح المؤسسي الدولي.
وكذلك، الذاكرة التاريخية والتعاون الإنساني كجسر إنساني لبناء شراكات عميقة خارج إطار المصالح الضيقة.
والعلاقات الثنائية بين موسكو وبريتوريا، إلى أين وصلت، وما ملامح المرحلة القادمة.
إضافة إلي تناول السياسات الأمريكية في ظل صعود التيارات الانعزالية بقيادة دونالد ترامب، وانعكاسات ذلك على مستقبل التعددية الدولية.
ما يُثير الاهتمام أن هذه القضايا تكاد تكون مغفلة أو مُصادرة في المنتديات الغربية، التي تركز فقط على مفاهيم “الديمقراطية الشكلية” و”حقوق الإنسان الانتقائية”، وتتجنب الحديث عن العدالة الاقتصادية، ومقاومة التبعية، وتعدد مسارات التنمية.
ومع التوسع الأخير في عضوية مجموعة “بريكس”، باتت الكتلة تضم دولاً تمثل أكثر من 40٪ من سكان العالم، وتشكل قوة شرائية هائلة، وخزانًا لموارد الطاقة والموارد الخام.
الدور الروسي داخل هذا التكتل يتجاوز البعد الاقتصادي، ليأخذ بعدًا إيديولوجيًا استراتيجيًا؛ فروسيا تسعى لأن تكون رأس حربة في إطلاق عملة تبادلية جديدة تقلص هيمنة الدولار.، ودعم شبكات التمويل التنموية البديلة عن صندوق النقد والبنك الدول، وكذلك بناء تحالفات جنوبية–جنوبية تصوغ نظامًا تجاريًا أكثر عدالة.
وأفريقيا، في هذا السياق، ليست مجرد ساحة، بل شريك مؤسس لهذا المشروع الدولي البديل.
بعكس الدول الغربية، لا تحمل روسيا في سجلها مع أفريقيا أي إرث استعماري. بل على العكس، كانت موسكو حاضرة بقوة في دعم حركات التحرر الأفريقية، من الجزائر إلى أنجولا.
هذا الإرث الإيجابي يمكن أن يتحول إلى مشروع إنساني طويل الأمد، عبر تبادل ثقافي عميق ومؤسساتي، وإطلاق فضائيات ناطقة باللغات الأفريقية، وربما تقديم منح تعليمية وإعلامية، وكذلك استثمار الفن والتراث في صناعة خطاب مشترك.
لإن الذاكرة ليست فقط شأنًا تاريخيًا؛ بل يمكن أن تكون أداة استراتيجية لبناء الجسور في عالم مقطّع الأوصال.
كذلك، يمكن توصيف العلاقات بين موسكو وبريتوريا اليوم بأنها تسير بثبات نحو التحول إلى نموذج شراكة استراتيجية متكاملة، خاصة في مجالات الطاقة النووية، التجارة والبتروكيماويات، التعاون البرلماني والدبلوماسي.
لكن تبقى هناك فجوات خصوصًا في مجالات الإعلام والدفاع والابتكار تتطلب إرادة سياسية للانتقال من التنسيق إلى التكامل.
ومن منظور روسي، هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة لمستقبل النظام العالمي، الأول هو تعددية قطبية حقيقية تقودها تكتلات مثل بريكس.
والثاني، انسحاب تدريجي أمريكي من مناطق النفوذ العالمية، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط، وعودة إلى “أمريكا أولاً”.
والثالث، انقسام حاد بين عالم ليبرالي غربي وآخر محافظ متعدد.
في جميع الحالات، تراهن موسكو على إعادة توزيع مراكز القرار، وتفكيك احتكار المؤسسات الغربية، وبناء نظام عالمي جديد، لا يفرض القيم، بل يحترم الخصوصيات.
منتدى فالداي ليس فعالية سياسية عابرة. إنه جزء من هندسة استراتيجية أعمق، تحاول روسيا من خلالها خلق فضاء فكري واقتصادي وثقافي مستقل مع القارة الأفريقية.
إنه مشروع يتجاوز العلاقات الثنائية ليطرح سؤالاً كبيرًا هل يمكن للعالم أن يتحرر من “الهيمنة الناعمة” كما تحرر من الاحتلال العسكري؟
الإجابة بدأت تُكتب من هناك وهنا، من الجنوب-جنوب.



