رأي

رامي زهدي يكتب.. “إيران – أمريكا – إسرائيل”«ابطال من ورق»

“حين يسقط وهم الحماية: كيف كشفت الحرب الايرانية الامريكية الاسرائيلية هشاشة الجميع ودفعت العرب مجددا نحو ضرورة القوة الذاتية”

لم تكن الحرب الايرانية الامريكية الاسرائيلية مجرد جولة جديدة من جولات الاشتعال العسكري في اقليم اعتاد الازمات، بل كانت لحظة فرز كبرى، ولحظة كشف سياسي واستراتيجي نادرة القسوة والوضوح في آن واحد.

في غضون ايام قليلة فقط، تهاوت سرديات كثيرة جرى تسويقها طويلا بوصفها حقائق نهائية، وانكشفت طبقات كثيفة من الايهام الاستراتيجي الذي حكم وعي المنطقة لعقود، وما بدا في ظاهره صداما عسكريا بين قوى تمتلك السلاح والتكنولوجيا والقدرة على الايذاء، انتهى في عمقه الى نتيجة مختلفة تماما وهي أن الجميع انكشف، والجميع سقطت عنه مساحيق الهيبة المصطنعة، والجميع بدا، بدرجات متفاوتة، اقرب الى ابطال من ورق.

فامريكا التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها الضامن الاعلى لامن المنطقة، والراعي القادر على ضبط الايقاع ومنع الانفجار، ظهرت في هذه الحرب وقد عجزت عن تقديم نموذج حقيقي للحماية بقدر ما قدمت نموذجا جديدا لاستجلاب الخطر، واسرائيل التي صدرت نفسها لعقود باعتبارها القوة التي لا تقهر، والقادرة على الحسم السريع وفرض الوقائع من الجو والنار والتفوق التكنولوجي، اكتشفت مرة اخرى ان امتلاك فائض القوة لا يعني امتلاك القدرة على انهاء الصراع او احتواء تداعياته، اما ايران، التي بنت لنفسها صورة القوة الصلبة الصابرة، والدولة القادرة على ادارة الاشتباك الطويل وتوسيع ساحات الضغط، فقد تكشفت هي الاخرى باعتبارها قوة قادرة على التخريب والازعاج ورفع الكلفة، لكنها ليست قادرة على تحويل هذا كله الى معادلة استقرار او مشروع اقليمي مطمئن للجوار، وبهذا المعنى، لم تكن هذه الحرب لحظة انكشاف طرف واحد، بل لحظة انكشاف ثلاثي كامل، ايران وامريكا واسرائيل، كل منهم بطريقته الخاصة، وكل منهم سقطت عنه اسطورة كان يحرص على تسويقها.

ومنذ اندلاع الضربات المشتركة الامريكية الاسرائيلية ضد ايران، لم يكن المشهد العسكري وحده هو ما يستحق التوقف، بل ما رافقه من انهيار سريع في الثقة بالمقولات القديمة، اذ ثبت ان القوة الغربية ليست مطلقة، وان التفوق الاسرائيلي مهما بلغ لا يصنع نصرا سياسيا تلقائيا، كما ثبت في المقابل ان ايران، رغم قدرتها على الرد وامتلاك ادوات ضغط متعددة، ليست هي الاخرى قوة قادرة على فرض معادلة ردع مستقر او تقديم نموذج اقليمي جاذب.

لقد بدا المشهد كله كما لو ان المنطقة تخوض حربا بين قوى تملك القدرة على الايذاء، لكنها تفتقر جميعا الى القدرة على انتاج امن حقيقي، وهذه واحدة من اخطر نتائج الحرب: انها اعادت تعريف القوة لا باعتبارها ما تملكه الدول من صواريخ وطائرات وقواعد، بل باعتبارها ما تستطيع ان تبنيه من استقرار ومصداقية واطمئنان طويل المدى.

لقد قامت العقيدة الامنية الامريكية في الخليج طوال عقود على فكرة بسيطة لكنها شديدة النفاذ: ان وجود القواعد العسكرية الامريكية كفيل بردع الخصوم وطمأنة الحلفاء، وان استضافة الحضور العسكري الامريكي تمنح الدول المضيفة نوعا من الحماية المسبقة، لكن ما جرى في هذه الحرب اسقط هذه الفرضية من جذورها، فبدلا من ان تبدو القواعد جدارا يحمي محيطه، بدت وكأنها اهداف كامنة، ونقاط جذب للخطر، ومفاتيح لاستدعاء الردود والتهديدات.

وفجأة، وجدت بعض الدول نفسها امام مفارقة موجعة: لم تعد القواعد الامريكية على اراضيها تبدو كما لو كانت تحميها، بل بدا الامر كما لو ان هذه الدول هي التي تحمي تلك القواعد، وتتحمل كلفة وجودها، وتدفع ثمن تموضعها، وتدير ارتداداتها السياسية والامنية والسيادية.

وهنا تتكشف المعضلة الحقيقية، فالمشكلة لم تكن يوما في مبدأ الشراكة الدفاعية بحد ذاته، ولا في حق الدول ذات السيادة في بناء تحالفات عسكرية او ترتيبات امنية تحقق مصالحها، وانما كانت دائما في الوهم المصاحب لهذه الشراكات حين تتحول من اداة مساعدة الى بديل كامل عن بناء الذات.

وهذا الوهم هو الذي تلقى ضربة قاسية في الحرب الحالية، فالجغرافيا لا تلغى، والموقع لا يعطل، والقرب من بؤر التوتر لا يمكن تعويضه بتعاقدات امنية او مظلات خارجية مهما كان بريقها، ومن يعيش على ضفاف الخليج وبالقرب من مضيق هرمز لا يمكنه ان يستورد امنا جاهزا من الخارج، لان الامن في هذه المنطقة لا ينفصل عن توازناتها المحلية والاقليمية، ولا ينشأ من قواعد عسكرية بقدر ما ينشأ من تفاهمات واقعية وقوة ذاتية وشبكات ردع متبادلة.

ولذلك لم يكن مستغربا ان تكشف الحرب ايضا هشاشة الفكرة التي باعتها واشنطن طويلا عن نفسها باعتبارها اللاعب القادر على ادارة المنطقة من فوق.

القوة الامريكية، رغم ضخامتها، لم تمنع تمدد الخطر، ولم تحسم الصراع بسرعة، ولم توفر لحلفائها طمأنينة نهائية، بل على العكس، بدا انها اوقعتهم في دوائر توتر اضافية، وبهذا المعنى ظهرت واشنطن هي الاخرى بطلا من ورق: ضخمة في الصورة، مرعبة في الدعاية، لكنها حين توضع امام حرب مفتوحة متعددة الجبهات ومركبة الارتدادات، تبدو اقل قدرة بكثير على انتاج الحسم مما تروج له.

والامر ذاته ينسحب على اسرائيل، فمنذ سنوات وهي تحاول تكريس صورة ذهنية عن نفسها باعتبارها القوة الاكثر تفوقا في الشرق الاوسط، والقادرة على فرض قواعد الاشتباك وحدها، وعلى تحويل تفوقها التقني والعسكري الى تفوق سياسي دائم، لكن هذه الحرب عرت حدود هذا التفوق، فاسرائيل تستطيع ان تضرب، نعم، وتستطيع ان تدمر، نعم، وتستطيع ان ترفع كلفة الحرب على خصومها، لكن ذلك كله لا يعني انها تستطيع ان تضمن نهاية الصراع، او ان تمنع توسعه، او ان تجنب نفسها وحلفاءها الانكشاف.

لقد بدت اسرائيل، في عمق هذه الحرب، قوة شرسة نعم، لكنها قلقة، متوترة، محتاجة دوما الى الاسناد الامريكي، وعاجزة عن ادارة مشهد اقليمي واسع بمفردها، وهذه ليست صورة قوة مطلقة، بل صورة كيان يبالغ في تسويق جبروته فيما تكشفه الحروب الممتدة بوصفه بطلا من ورق حين يخرج من نطاق الضربات الخاطفة الى فضاء المواجهات المركبة.

لكن الاهم من ذلك كله ان ايران هي الاخرى لا يجوز اعفاؤها من ميزان الانكشاف ذاته، فثمة ميل لدى بعض المتابعين الى قراءة المشهد وكأن مجرد صمود ايران او قدرتها على الرد يعني انتصارها الاستراتيجي وهذا تبسيط مضلل، فطهران، رغم ما راكمته من ادوات ضغط ونفوذ وصواريخ ومسيرات وشبكات اقليمية، لم تستطع ان تقدم نفسها لجوارها العربي بوصفها قوة طمأنينة، بل ظلت بالنسبة لكثيرين مصدرا دائما للقلق وعدم اليقين، وهي، رغم خطابها العالي عن الاستقلال والندية ومقاومة الهيمنة، اسهمت بسياساتها الاقليمية، وتدخلاتها، واذرعها، ومنهجها القائم على ادارة التوتر لا انهائه، في منح امريكا الذرائع، وفي تسهيل تكريس القواعد الاجنبية على الارض العربية.

لذلك فإن ايران، هي الاخرى، ظهرت في هذه الحرب بطلا من ورق: تستطيع ان تشعل، لكنها لا تستطيع ان تطفئ، وتقدر على ارباك خصومها، لكنها لا تقدم بديلا اقليميا مستقرا، وتمتلك خطاب تحد، لكنها لم تنجح في تحويله الى مشروع حسن جوار يبدد المخاوف ويغلق ابواب التدويل.

ولهذا يصبح من الضروري القول بوضوح ان الحرب لم تكشف فقط حدود القوة الامريكية والاسرائيلية، بل كشفت ايضا قصور المقاربة الايرانية نفسها.

فالقوة التي لا تنتج استقرارا هي قوة منقوصة، والردع الذي لا يتحول الى امان اقليمي يظل ردعا ناقصا، والنفوذ الذي يزرع المخاوف اكثر مما يزرع الثقة يظل نفوذا قابلا للانفجار في اي لحظة.

ومن هنا، فإن توصيف ايران وامريكا واسرائيل جميعا بوصفهم ابطالا من ورق ليس توصيفا دعائيا او انفعاليا، بل قراءة لجوهر ما جرى: ثلاث قوى كبرى او طامحة الى الكبرياء، امتلكت ادوات النار، لكنها لم تمتلك ادوات الطمأنة، ورفعت شعارات الردع، لكنها عجزت عن انتاج السكينة، وادعت القدرة على صناعة النظام، بينما اثبتت الوقائع انها لا تجيد الا توسيع الفوضى.

في المقابل، برز الموقف الخليجي في هذه الازمة بوصفه احد اكثر المواقف اتزانا ونضجا، فقد ادركت دول الخليج، تحت ضغط النار وضباب التهديد، ان اخطر ما يمكن الوقوع فيه هو التحول الى طرف مباشر في حرب لا تخدم استقرارها ولا مستقبلها، ولذلك تمسكت، بدرجات متفاوتة، برفض الانزلاق، ورفضت ان تكون اراضيها مجرد ساحات مفتوحة او منصات اضافية لاشعال المنطقة، وهذا موقف يستحق التقدير لا لانه تعبير عن الحذر فقط، بل لانه يكشف عن مراجعة عميقة لفكرة الامن نفسها، فالامن الحقيقي لا يتحقق بالاندفاع خلف حروب الآخرين، ولا بتوسيع الخرائط المشتعلة، بل بضبط النفس، وتحصين الجبهة الداخلية، وتقديم المصلحة الوطنية على غواية الاصطفاف.

غير ان هذه اللحظة الكاشفة لا ينبغي ان تنتهي عند حدود التشخيص، بل يجب ان تتحول الى نقطة انعطاف في التفكير العربي كله، فالدرس الاكبر الذي تفرضه الحرب ليس فقط ان الاعتماد على الخارج لم يعد كافيا، بل ان الاعتماد على الخارج قد يتحول في بعض الاحيان الى ثغرة استراتيجية.

ومن هنا فإن العرب، اذا ارادوا حماية اوطانهم وممراتهم ومجالاتهم الحيوية، لا بد ان يعيدوا بناء مفهوم الامن الاقليمي على اسس جديدة، لا مكان فيها للوهم، ولا متسع فيها للارتهان، ولا قبول فيها باستمرار الفراغ الاستراتيجي العربي.

وفي هذا السياق، يبرز مجددا مقترح القوة العربية المشتركة باعتباره ليس ترفا فكريا، ولا امنية خطابية، بل ضرورة استراتيجية تاخر العرب كثيرا في الاقتراب الجاد منها. ومن الزاوية المصرية تحديدا، يبدو هذا المقترح امتدادا طبيعيا لرؤية الدولة الوطنية المصرية التي طالما فهمت ان الامن القومي لا يمكن صونه بالكامل عبر الترتيبات الفردية المنعزلة، ولا عبر الاستدعاء الدائم للحماية الخارجية، بل عبر بناء صيغة عربية قادرة على الردع الجماعي، والتدخل الوقائي، وتأمين الممرات البحرية، وحماية المجالين البري والجوي العربيين من اي اختراقات او ابتزازات او محاولات فرض امر واقع من قوى غير عربية.

القوة العربية المشتركة، في جوهرها، لا تعني بالضرورة استنساخا ميكانيكيا لتحالفات عسكرية تقليدية، ولا تعني الغاء الجيوش الوطنية او تذويب خصوصيات الدول، بل تعني بناء اطار عملي مرن يبدأ بما هو ممكن ومباشر: غرفة عمليات عربية للتنسيق الاستراتيجي، منظومات انذار مبكر وتبادل معلومات، وحدات تدخل سريع للمهام المحددة، قيادة بحرية مشتركة لحماية البحر الاحمر والخليج العربي والممرات المرتبطة بهما، تعاون دفاعي في مجالات الطائرات المسيرة والامن السيبراني والدفاع الجوي، وتوافق سياسي واضح على ان اي اعتداء يهدد امن دولة عربية اساسية او ممر مائي عربي حيوي هو مسألة تتجاوز حدود الدولة المعتدى عليها وتمس الامن القومي العربي ككل.

هذا الطرح لا يبدو مثاليا بقدر ما يبدو عمليا اذا ما قورن بحجم الاخطار المحيطة، فالعرب يمتلكون الجغرافيا، ويمتلكون الثقل المالي، ويمتلكون الجيوش والخبرات، ويمتلكون المصلحة المشتركة، لكن ما ينقصهم هو القرار السياسي الذي يحول هذا الرصيد المبعثر الى معادلة قوة متماسكة.

ومن الطبيعي ان تكون مصر مؤهلة لطرح مثل هذا التصور ودفعه الى الامام، لا من باب الهيمنة، بل من باب المسؤولية التاريخية.

مصر بحجمها العسكري والبشري والسياسي، وبموقعها المركزي الرابط بين المشرق والخليج والبحر الاحمر وافريقيا والمتوسط، تملك من عناصر الثقل ما يجعلها قادرة على بلورة مبادرة عربية واقعية للامن المشترك، تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وربط القوة دائما بهدف الاستقرار لا المغامرة. ولعل اخطر ما اثبتته الحرب الراهنة هو ان الفراغ العربي لا يبقى فراغا، بل تملؤه فورا قوى غير عربية، كل منها يدعي الحماية او المقاومة او الردع، بينما يدفع العرب وحدهم ثمن الجغرافيا والاقتصاد والسيادة.

ان التنمية ذاتها لم تعد ممكنة بمعزل عن هذا الفهم الجديد للامن، فلا رؤى اقتصادية كبرى، ولا مشروعات تنويع، ولا ممرات تجارة، ولا استثمارات عابرة للحدود، يمكن ان تزدهر في بيئة يظل فيها الخليج مهددا، والبحر الاحمر قابلا للاشتعال، والممرات المائية رهينة للمساومات، والدول العربية معلقة بين خوف من القواعد الاجنبية وخوف من الصواريخ العابرة والطائرات المسيرة وحروب الوكالة.

ومن ثم فإن معركة بناء القوة العربية ليست معركة ضد احد، بل معركة من اجل المستقبل العربي نفسه، ومن اجل تحرير القرار العربي من الارتهان، وحماية التنمية من الابتزاز، وصيانة السيادة من ان تتحول الى مجرد عنوان قانوني فاقد للمضمون.

ومن هنا، فإن الخلاصة الاكثر صدقا وصرامة في آن واحد، هي ان هذه الحرب قالت للعرب ما كان يجب ان يسمعوه منذ زمن: لا امريكا قادرة على منحكم امانا كاملا، ولا اسرائيل تملك اسطورة الحسم التي تروج لها، ولا ايران تملك مشروع الاستقرار الذي تدعيه. الجميع، عند لحظة الاختبار الكبرى، بدا اقل مما يقول عن نفسه، واظهر حدود قوته، وانكشفت هشاشة منطقه، وبدا اقرب الى ابطال من ورق يتبادلون النار فوق ارض ليست لهم، بينما يدفع اهل المنطقة الحقيقيون الكلفة الاعلى.

لهذا لم يعد امام العرب الا طريق واحد اذا ارادوا تجنب تكرار المشهد نفسه مرة بعد اخرى: ان يعودوا الى انفسهم، لا بانكفاء ضيق، بل باستعادة الارادة وصناعة التوازن.

نحمي انفسنا بانفسنا، نعم، ولكن ايضا نبني قوة عربية مشتركة، ونصوغ عقيدة امن جماعي، ونعيد تعريف الشراكات الخارجية من موقع الندية لا التبعية، ونفتح بابا جديدا لعلاقات اقليمية قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل لا على تصدير التهديدات او استيراد الحروب. تلك ليست رومانسية سياسية، بل خلاصة واقعية فرضتها النار، فالاوطان التي لا تبني درعها بيدها، ستظل دائما عارية ولو احاطتها القواعد من كل جانب، والاقاليم التي لا تنتج توازنها بنفسها، ستظل حقولا مفتوحة لتجارب الآخرين ومغامراتهم وخيباتهم.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى