رأي

د. أحمد عبد العزيز بكـير يكتب: أ ين الله،، ولماذا لم ينتصر لغزة؟!

من يمر بنظره على عنوان المقال فللوهلة الأولي تبدو دعوة للإلحاد والتشكيك في يقين العبد بربه، ونزع الثقة من قلبه. لكن علي العكس، هذا الكلام أكتبه لأُثَبِّتَ به نفسي وأُقَوِّم حالي أولاً، وأقنع به غيري ولا أدع فُرُجَاتِ لشياطين الإنس قبل الجن يتسللون إلي قلوبنا، مزعزعين بذلك رباط اليقين الغليظ بيننا وبين الله عز وجل.

الأزماتُ والفِتنُ ملعبُ الشّيطان، وفُرصتُه السّانحة ليُفسدَ على المُؤمنِ إيمانه، ويعبثُ بمقامِ اللهِ في قلبه، ونحن بشرٌ نهاية المطاف. كثيراً تخفى علينا حكمة الله تارة وتتضح تارة أخري، وتدور في العقل أسئلة، أخاف ويخاف غيري أن يتحدّث بها، نمر بلحظات يأس شديد من طول الانتكاس وتدارك الهزائم ومرارة الخذلان، فهل هذا من نواقض الإيمان؟!! لا بل من كماله، فكلما غابتْ عنَّا حكمتهُ فلا مناص من التسلِّيمِ لأمره، فهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين، لا يُسأل عمّا قدَّره في ملكه، وكُلنَّا عبيدٌ في مُلكه.

سيوسوسُ الشيطانُ: أين اللهُ عمّا يجري في غزّة، ألا يغضبُ للأطفال تحت الأنقاض؟ ألا ينتقمُ للنساء تُبعثر الصواريخ أجسادهُنَّ؟! ما ذنبُ العجائز أن يُقتلنَ، أين الله من الجوع الذي أكل أجسادهم ونخر عظامهم، يقضم أجسادهم المتعبة ويقربهم إلي الموت زلفي، حتي صار للموت في غزة ألف وجه ووجه، لكن أعتاه يأتي اليوم عبر صرصر الأمعاء الفارغة.

لم يفلت سهام الجوع أي روح في غزة، حتى الذين تدثروا بالصبر، وكانوا صوت غزة وبسمتها هم اليوم في بحر من اللهب والدموع، بدأت قواهم تخور، وبدأ الجوع ينحت أجسادهم الضعيفة. أصبح الجوع هو عدالة الموت القذر، ونحن نجلس متفرجين لا حيلة لنا، و أ قصي ما نفعله الدعاء أو البكاء!!

أليس الله قادراً على تعطيل الطائرات، وتفجير المدافع، وهدم الأسوار وفتح أبواب المعابر؟! لقد أصابنا الشيطان بسهامه في قلب العقيدة، وهم بنا ليخرجنا من نور اليقين في الله إلي ظلمات وساوس شكوكه، لكن فلنتأدّبْ الله، فإن التأدب مع الإله درع يقي صاحبه من الزيغ والانحراف والضلال، وقد قال بعض السلف ” ما عبدت الله بشيء أنفع لي من أدبي معه”. فوجوب الأدب مع الله هو أصل من أصول العقيدة، وباب الإحسان الرئيس، فهو التعامل مع الله سبحانه وتعالي علي وجه يُراعي عظمته وحقه، ويجمع بين خشيته ورجائه ويبدي الخضوع له في كل حال.

فلنتأدب مع الله، فإن له أمور يبديها ولا يبتديها، لذا فالتسليم لأمره أعظم أسباب قبول الغيب في الأمور غير المعقولة المبهمة.

أولاً: هذه الدُّنيا دار امتحانٍ لا دار جزاء، واللهُ هو الذي يسألُ عبده عمّا فعلَ فيما امتحنه به، لا العبدُ هو الذي يسألُ ربّه: لِمَ امتحنتني في هذا؟!

ثانياً: إنَّ الأشياء تُؤخذُ بمحصّلتها النهائية وليس بظرفها المؤقت، فلو رأيت فرعون حين يُلقي أبناء الماشطة في الزيت المغلي حتى تطفو عظامهم، ثم يُلقيها معهم حتى تطفو عظامها أيضاً، لسألتَ سُؤال العبد المُتلهّف للانتقام: أين الله؟! ما ذنبُ الأطفال أن يُقتلوا بهذه البشاعة؟ ولمَ لا يدفَعُ بلاءُ هذه المسكينة؟!

ثم ما الذي حدثَ بعدها؟

فرعون أطبقَ الله تعالى عليه البحر وهو خالدٌ مُخلّد في النّار، والماشطة وأولادها شمَّ النبيُ صل الله عليه وسلم ريحهم الطيب في الجنة ليلة المعراج.

ثالثاً: إنَّ أْخذ الله تعالي أليمُ مَتين، يُملي للظالم ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولكن من قال لكَ أن كلّ الظلم موعده الدُّنيا! وما فائدة يومُ القيامة إذاً، ولأيِّ شيءٍ كان الصراط والميزان والحساب، ولأيِّ شيءٍ خُلقتِ الجنّة والنّار!

ألا تعلم أن أصحاب الأخدود حُرِّقوا جميعاً في الدُّنيا، وأنطقَ اللهُ تعالى الرّضيع ليقول لأمه: إثبتِ يا أُماهُ فإنّكِ على الحق المُبين! فانطلقت وسط جحيم النّار ولم تترد!

ومع ذلك: لم يُحدّثنا اللهُ تعالى أنه انتقمَ لهم في الدُّنيا، ولكنه أجَّل الانتقام لهم والزود عنهم ليوم القيامة.

رابعا:ً لو أنفذَ اللهُ تعالى انتقامه عند كلّ ظلمٍ لانتفى مبدأ الامتحان والاختبار في الدُّنيا من أساسه، ولا ما كان للابتلاء معني، ولو ربحَ الحقُّ كلّ جولاته في صراعه مع الباطل لاندمج أهل الحق والباطل وما مُيِّز الغث والثمين، ولا الزيغ ولا اليقين.

فإنْ لم يكُنْ عدوانٌ وإجرامٌ فكيفَ سيُمتحنُ العبادُ بالجهاد، ثمّ ينقسمون إلى مجاهدين ومتخلّفين قاعدين، وإلى مُناصرين ومثبطين، وإلى مُنفقين ومُقتِرين.

خامسا:ً إنَّ لكل ميلاد مخاضَ، ولكل مخاض ألم، ومن جَوف الألم تولد الأمم. فلو كنتَ في قريشٍ، ورأيتَ بلالاً عاري الجسد مُلقَي علي لهيب رمال مكّة والصخرة على صدره، وأميّة بن خلفٍ يأمره ويُجبِرُه علي عبادة الأوثان، والثناء عليها وتعظيمها، وهو يُرددُّ بما بقي فيه من نفسٍ: أحدٌ، أحد!

لقلتَ: أين الله الأحد؟!

ثم عُد من عبق التاريخ وأسأل: أين بلالٌ اليوم وأين أُميّة؟!

وتذكر أنّ مكّة قد فُتحت، ودخلها الذين كانوا يُعذّبون فيها في وضح النّهار، وأمام أعين الجميع.

وتذكر يوم أوتَدَ أبو جهلِ لسمية وربطها وأنفذ حربته في موضع كرامتها، واسأل نفسك: أين سمية وأين أبو جهل اليوم؟!، فالعبر بخواتيمها فاصبر.

وختاماً: إنَّ للرّب الحكيم توقيته في حوادث الدنيا وأهوال الأيام، فإن فهمتَ فالزَمْ، وإن لم تفهَمْ فسلِّمْ!

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى