الرئيسيةتقدير موقف

«حين تتكلم إفريقيا من أسوان» قراءة في انعقاد النسخة الخامسة منتدى أسوان للسلم والتنمية المستدامة

رامي زُهدي – خبير الشؤون الإفريقية

في الجنوب المصري، حيث يلتقي النيل بالحجر وينعكس التاريخ على الماء، تعود أسوان لتستقبل قادة القارة وسفراء العالم في النسخة الخامسة من منتدى أسوان للسلم والتنمية المستدامة، تحت عنوان يحمل من العمق ما يليق بزمانه ومكانه وهو “عالم في تغير، وقارة في حراك.”

العنوان يختصر حالة إفريقيا اليوم، تلك القارة التي لم تعد تنتظر أن يُكتب مستقبلها من خارجها، بل تسعى لأن تكتبه بنفسها وبصوتها، يأتي المنتدى ليؤكد من جديد أن مصر لا تكتفي بأن تكون صاحبة المبادرة في تأسيس هذا المنبر القاري، بل تواصل دورها كجسر بين إفريقيا والعالم، تستضيف على أرضها الحوار، وتُعيد عبره التأكيد على المعادلة التي طالما آمنت بها القاهرة حيث لا سلام بلا تنمية، ولا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا رؤية إفريقية خالصة.

في هذا العام، وبينما تتقاطع التحولات العالمية بسرعة غير مسبوقة، تصبح أهمية المنتدى مضاعفة، فالعالم مُهتز بين أزمات المناخ والطاقة والغذاء والحروب، بينما تسعى إفريقيا لأن تجد موطئ قدم ثابتا وسط هذا الاضطراب والاستقطاب، لا بوصفها ساحة لتداعيات تلك الأزمات، بل باعتبارها طرفا فاعلا يمتلك الموارد والفرص والرؤية والقوة البشرية الهائلة.

المنتدى الذي يجمع رؤساء دول وحكومات، ومؤسسات دولية وإقليمية، وقطاع خاص يتطلع إلى آفاق الاستثمار المسؤول، يأتي هذه المرة ليعيد رسم ملامح التكامل بين الأمن والتنمية، وليفتح نقاشا صريحا حول إصلاح الحوكمة العالمية، وإعادة بناء الثقة بين الشعوب ومؤسساتها، وتطوير أدوات العمل الإفريقي المشترك بما يواكب التحولات التكنولوجية والاقتصادية الكبرى.

من المنتظر أن تحتضن الجلسات حوارات حول الأزمات الممتدة في السودان والساحل الإفريقي والقرن الإفريقي، وهي ملفات ترتبط مباشرة بمستقبل الأمن الإقليمي، كما تتناول جلسات أخرى قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ودورهما في تعزيز الاستقرار والتنمية، إلى جانب محاور متعلقة بالمناخ والمياه والغذاء، والربط بين إعادة الإعمار بعد النزاعات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

إن ما يميز منتدى أسوان أنه لا يكتفي بالتحليل ولا يتوقف عند إصدار البيانات، بل يُؤسس لمسار مستمر من العمل عبر ما يُعرف بـ “دورة أسوان” التي تبدأ قبل انعقاده بورش تحضيرية وتستمر بعده بمتابعة تنفيذ التوصيات والمبادرات، وهذا ما يمنحه خصوصية حقيقية بين المنتديات الإفريقية والدولية، إذ يتحول من مجرد حدث سنوي إلى عملية ديناميكية متواصلة، تربط الفكر بالفعل، والسياسة بالتنمية، والنقاش بالنتائج.

اختيار مدينة أسوان بالذات ليس مجرد دلالة رمزية، بل يحمل معنى سياسيا وحضاريا في آن واحد، فهي بوابة الجنوب وملتقى الثقافات، المدينة التي احتضنت عبر تاريخها جسور التواصل بين مصر وإفريقيا، عودتها لاستضافة المنتدى بعد أن انعقدت النسخة السابقة في القاهرة، تمثل عودة الروح إلى المكان الذي انطلقت منه الفكرة، وتجسيدا لإرادة أن يظل صوت الجنوب حاضرا في صياغة مستقبل القارة.

في ظل المتغيرات المتلاحقة التي تشهدها الساحة الدولية، يأتي المنتدى الخامس ليطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للقارة أن تتحول من ضحية للأزمات العالمية إلى صانعة للحلول؟ والإجابة التي يترجمها المنتدى عمليا هي أن إفريقيا تملك من الطاقات البشرية، والموارد الطبيعية، والقدرة المؤسسية المتنامية، ما يؤهلها لتكون شريكا حقيقيا في إدارة التحديات العالمية، لا تابعا لها.

من هنا، فإن مخرجات المنتدى المنتظرة ليست مجرد توصيات شكلية، بل تعهدات عملية تُصاغ في وثيقة “استنتاجات أسوان” التي باتت مرجعا معتمدا للسياسات الإفريقية في الربط بين السلم والتنمية.

كما يُنتظر أن تشهد النسخة الخامسة إطلاق مبادرات تنفيذية ضمن برنامج “أسوان في التطبيق”، لتعزيز مساهمة القطاع الخاص والمجتمع المدني في مشروعات السلام والتنمية المستدامة، وربطها بجهود إعادة الإعمار بعد النزاعات في عدد من الدول الإفريقية.

إن منتدى أسوان يعكس جوهر الرؤية المصرية تجاه القارة، رؤية تقوم على دعم التنمية الشاملة باعتبارها السبيل الحقيقي لتحقيق السلم الدائم، وعلى تعزيز التكامل الإقليمي كضمانة للاستقرار السياسي والأمني. ومن خلال قيادتها لهذا المنتدى، تثبت مصر مجددا أنها لا تتحدث عن إفريقيا من الخارج، بل من الداخل، وأنها ترى في القارة مستقبلها كما ترى القارة فيها سندها.

ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها المنتدى الخامس هي أن السلام لم يعد ملفا دبلوماسيا فحسب، بل أصبح قضية اقتصادية وتنموية بامتياز، تتقاطع فيها مصالح الشعوب وإرادات الحكومات وأدوار الفاعلين من القطاع الخاص والمجتمع المدني، وهو ما يجعل من أسوان منصة عالمية بنكهة إفريقية، تعيد صياغة مفاهيم الأمن والتنمية في عصر تتغير فيه قواعد اللعبة الدولية.

إن انعقاد المنتدى في هذا التوقيت ليس مجرد حدث سنوي، بل إعلان متجدد بأن القارة الإفريقية ماضية في طريقها بثقة، رغم ما يحيط بها من صراعات وضغوط. فكل نقاش يُدار في أسوان، وكل فكرة تُطرح فيها، هي خطوة في رحلة طويلة نحو قارة أكثر استقرارا وإنصافا وعدلا.

وفي النهاية، تظل أسوان بأحجارها الصامتة ونيلها المتدفق ودفئها الإنساني، الشاهد الأجمل على أن صوت إفريقيا حين ينبع من ضفاف النيل، يسمعه العالم كله، ويستجيب له التاريخ.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى