جمال المحلاوي يكتب : حرب اليمن في ميزان التاريخ :حلم زعامة ناصرية أم مسؤولية قومية غيرت وجه المنطقة الحلقة الأولى

في ظل تضارب الأقوال والتي في نظري كلها بلا استثناء لاقت هوى في نفوس كل من يضرب بتجربة مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بعرض الحائط وأنها كانت مجرد حلم زعامة وانتفاخ الذات لمن حكم مصر في تلك الفترة أردت بكتابة ما أراه مستندا إلى وقائع تنفي ذلك كله . إن الدور الذي قامت به مصر كان نابعا من المسؤولية التي حملتها مصر منذ ثورة يوليو 1952 على عاتقها لتصفية الوجود الاستعماري في المنطقة العربية ذلك الوطن الذي يجمعه ويوجده أكثر بكثير مما يفرقه , أرادت مصر خلق قدم لذلك الوطن راسخا بين تلك القوى التي طالما اعتبرته بابا خلفيا لمصالحها على حساب مصالح ومستقبل شعوب تلك المنطقة الهامة من العالم . وأستعرض هنا أبعاد الدور المصري في اليمن منذ العام 1962 ومآلات هذا الدور ونتائجه السياسية والذي كان له آثارا يغفل الجميع عن ذكرها .
* كان نظام الحكم في اليمن نظاما منعزلا حيث اتخذ نظام الأئمة في اليمن نهجا متخلفا يسوده الفساد والذي كان سببا لنقمة الشعب اليمني ونفوره عن تأييد ذلك النظام الجامد الذي عانى فيه الشعب اليمني من المرض والجهل والتخلف في كل مناحي الحياة ونردي الأوضاع الاقتصادية والتعليم والاتصالات والمواصلات .ولانتجاوز الحقيقة لو قلنا أن نظام حكم الإمامة في اليمن كان يشبه الحق الإلهي للحكم فقد كان الإمام المسيطر على الحكم بالإضافة لكونه الزعيم الديني هذا وقد انتقلت الإمامة في اليمن بين أكثر من أسرة حيث كان هناك شروط عديدة لاختيار الإمام أهمها أن يكون من السادة الهاشميون والذين قدر عددهم بحوالي 300 ألف من مجموع السكان البالغ 4 ونصف المليون آنذاك .فلم يكن الحكم عادة وراثيا ولهذا قياام الإمام يحي بتعيين ابنه الإمام أحمد وليا للعهد يعد سابقة أدت إلى إستياء السادة ثم تكرر نفس الموقف عندما قام الإمام أحمد بتعيين ابنه الدر وليا للعهد . وقد كان نظام الحكم مركزيا شديدا ليس فقط في الأمور السياسية بل كان يعرض على الإمام كل المسائل بداية مت تنظيف السجاجيد حنى الشئون الدولية ونرتب على ذلك أن دولاب العمل في البلاد يمكن أن يتوقف إذا اعترض الإمام مرض أو أي عائق شخصي أو إدمانه للمورفين , وقد خلا نظام الحكم من أي مؤسسة تشريعية وكانت السلطة التنفيذية مكونة من عدة وزارات وهمية يتولاها أخوة الإمام أحمد وابنه البدر وكن الإمام يعين أعضاء القضاء ويستطيع لسلطته الدينية أن ينقض أي حكم وشاعت الرشوة بينهم .واستخدمهم الإمام كإداريين للإشراف على جمع الضرائب التي أرهقت الشعب خاصة المزارعين الذين كان يتوجب عليهم دفع نسبة كبيرة من المحصول كضريبة الأمر الذ أدى إلى انتفاء الحافز للفلاح لزيادة الإنتاج وتحول الفلاحون من زراعة البن إلى زراعة القات الأكثر ربحية وتحولت اليمن إلى دولة مستوردة للحاصلات الغذائية بداية من عام 1960 , كذلك تدهور الصناعة والتجارة الداخلية والخارجية أما الناحية المالية فقد كانت ميزانية الدولة تدار كأملاك شخصية للإمام. وفي مجال الخدمات كانت حالة التعليم مزرية وتتعدى الأمية نسبة 85% ولم تكن الصحة أسعد حالا حيث لايوجد في اليمن إلا ثلاث مستشفيات في صنعاء وتعز والحديدة يعمل بها 25 طبيبا فقط وعدد قليل من التمريض . وفي مجال اطرق لم تكن هناك طرق صالحة للسير ولا مواني صالحة لاستقبال السفن حتى أتم السوفييت بناء ميناء الحديدة 1961 ولم يكن هناك شبكة اتصال سوى نظام التلغراف الذي احتفظ به الإمام وورثه عن العثمانيون والذي تدهور بشكل كبير ولم تعرف اليمن شبكات المياه الصالحة للشرب .
* اليمن وثورة يوليو 1952 : في أعقاب قيام الثورة في مصر ووجود زعماء المعارضة اليمنية والمقيمين في القاهرة وتحقيق نجاحاته المختلفة وانتشار أخبارها عبر المذياع قرر الإمام منع المذياع من القهاوي في المدن بل أصدر قرارا بمنع دخول المذياع من أي ميناء يمني إلا برخصة خاصة منه شخصيا ولم يمنع ذلك من دخول الراديوهات المهربة وكان يسمح لبعض زعماء المعارضة باستخدام صوت العرب لعرض أفكارهم المعارضة وضرورة الإصلاح وإدخال الأساليب العصرية منذ عام 1955 الأمر الذي أدى إلى تحلل سياسة العزلة التي فرضت على اليمنيين .وقد تورت المعارضة إلى أن شهدت اليمن ابتداءا من 1960 أعمال عصيان مدني واسعة النطاق .وفي عام 1962 في 18 سبتمبر من ذلك العام توفي الإمام أحمد وأعلن ابنه البدر نفسه إماما خلفا لأبيه ولم يمض أسبوع واحد حتى قامت الثورة اليمنية والتي قابلها الإمام الجديد بمقاومة استمرت طوال ليلة الثورة وانتهت بهروبه . ووفقا للأوضاع في اليمن كان الثوار واعين منذ فترة الإعداد للثورة بالأخطار التي تواجههم متيقنين بأنه لابد لهم من دعم خارجي وحدد الثوار مصر واتجهوا إليها لطلب ذلك الدعم فلم تتدخل مصر من تلقاء نفسها بل كان طلب الثوار هو الدافع الرئيس لقرار التدخل المصري.بعد أن اتخذت مصر موقفا محايدا منذ 25 سبتمبر 1962 .ولم يكن في الحسبان أن حجم الثورة المضادة قد يكون معوقا كبيرا لاكتمال نجاح الثورة في اليمن فبادرت مصر بإرسال قوة رمزية.
* تطور التدخل المصري في اليمن : مر تطور ذلك التدخل بثلاثة مراحل بداية من أكتوبر 1962و حتى ديسمبر 1967 , أولها التصعيد العسكري ثم التسوية السياسية واخيرا انتهاء التدخل.
أما المرحلة الأولى: فتمثلت في أسلوب حرب العصابات والتي قام بها أنصار الإمام ضد الجمهوريين وكانت معظمها من قوات مرتزقة من القبائل اليمنية في شكل ميليشيات قبلية حدد سلوكها وانتماءها الدافع الاقتصادي وأطلقوا على أنفسهم جيوش فقد كانت قدرتهم على التكيف مع التكتيكات الحديثة للقتال منعدمة خاصة في المراحل الأولى للقتال وقد انبرت تلك المواجهات على تقسيم النفوذ في اليمن مابين شمال للملكيين وجنوب للجمهوريين والوسط شرقه ملكيا وغربه جمهوريا .
دور الجيش المصري في تلك المواجهات:بدأت استجابة القيادة المصرية لنداءات الثوار اليمنيين بإرسال سرية صاعقة مصرية بملابس مدنية حاملين أسلحة خفيفة مكونة من 100 جندي وضابط .يوم 2 أكتوبر مستقلين السفينة السودان تعاونهم طائرتين إلياك بأطقم مصرية .ومن الأخطاء التي ارتكبها زعيم الثورة السلال بأنه دفع بتلك القوة إلى أتون الحرب مع إنسحاب اليمنيين منها إلى قبائلهم .وبدأت مطالبة الجمهوريين تزيد بحجة مواجهة الموقف عالمة بحرص مصر على عدم التخلي عن دورها العربي والقومي وتطور الأمر إلى وصول عدد الجنود المصريين إلى أكثر من 50 ألف جندي يواجهون مسرحا صعبا على المستوى الجغرافي وتغير ولاءات القبائل أمام بريق الذهب . واستمر ذلك حتى مؤتمر القمة العربي في الخرطوم أغسطس 1967 وعقد المصالحة العربية ونزول مصر على طلب المملكة العربية السعودية بسحب القوات المصرية من اليمن وموافقة مصر رغم أن القوات المصرية لم تخسر معركة واحدة في اليمن .
المرحلة الثانية :فتمثلت في مرحلة التسوية السياسية والتي بدأت بوقف إطلاق النار في الثمن من نوفمبر 1964 بين أطراف النزاع الملكيين والجمهوريين ومطالبة كل من مصر والسعودية بالمساعدة في تنفيذ الاتفاق الأمر الذي أدى إلى تشكيل لجان سلام مصرية سعودية لمراقبة وقف إطلاق النار مع التمسك بالنظام الجمهري ومنح الملكيين باستثناء أسرة حميد الدين بعض المناصب السياسية إلا أن الموقف تدهور بعد انتهاك الملكيين لوقف إطلاق النار مع استمرار رغبة القيادة المصرية في التسوية السلمية وأفضى ذلك إلى إتفاقية جدة والتي تم التوصل إليها بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل وكان من أهم بنودها تعاون المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة في تشكيل مؤتمر انتقالي يضم كل الطوائف و نجحت مصر في أن يكون الاستفتاء الشعبي هو السبيل لتقرير مصير اليمن بديلا عن فكرة أهل الحل والعقد وقيام الجمهورية العربية المتحدة بسحب قواتها خلال 10 شهور ابتداءا من 23 نوفمبر 1965 ثم يبدأ الاستفتاء بعد ذلك ولاقى ذلك تأييدا من الجمهوريين المعتدلين مقابل معارضة من الجمهوريين المتشددين ولم يلبث أن ينهار الاتفاق بإعلان الملكيين أيضا باستئناف القتال اعتبار من أكتوبر 1966 غير أن الموقف ظل هادئا إلا من مناوشات قليلة .وقد سبق ذلك بشهور قليلة صدور قرار بريطانيا بأنها تنوي الانسحاب من عدن في موعد أقصاه 1968 بعد معاونة من مصر للمقاومة في عدن الأمر الذي اعتبرته مصر إنسحابا صوريا في حقيقته مع بقاء السيطرة البريطانية من خلال مايعرف بإتحاد الجنوب العربي الذي يضم عدن والسلطنات والإمارات والمشيخات الخاضعة للحماية البريطانية .فكانت تلك العوامل مؤدية إلى قرار بقاء مصر في اليمن حتى بعد العام 1968 وهو التوقيت الذي حددته بريطانيا للجلاء التام عن عدن بالتحديد .



