رأي

جمال المحلاوي يكتب.. أباطرة الطعام : كيف تنهش كارتيلات البروتين جيوب المصريين؟

إن تشريح البيئة الداخلية لسوق البروتين الحيواني في مصر يكشف عن أزمة أعمق جذوراً تتلخص في نمو وتوحش ما يعرف بـ”كارتيلات الطعام” أو “احتكارات القلة”. وقد نجحت مجموعات استثمارية محدودة ، ترتبط بروابط مصلحية وشبكات توزيع ومصانع أعلاف موحدة، في فرض سيطرة رأسية كاملة على مفاصل الصناعة من “المنبع إلى المصب”. وتجلت هذه السيطرة في التحكم المطلق بمدخلات الإنتاج الأساسية كأعلاف الماشية ، والتوكيلات الحصرية لسلالات جدود وأمهات الدواجن فضلا عن بروز ظاهرة “التسيير الهاتفي المتواطيء”عبر شبكات سماسرة بورصات البيض والدواجن غير الرسمية هذا الواقع الاحتكاري لم يؤد فقط إلى فرض أسعار جزافية وتدمير آليات السوق الحر القائمة على العرض والطلب ، بل تسبب في ممارسة سياسة “خنق وإقصاء صغار المربين والفلاحين” مما كان له دور أصيل في توقف المنافسة الشعبية وإفراغ السوق لصالح الكيانات الكبرى لتعيد صياغة الأسعار بما يضمن لها أرباحاً مركبة أمام هذا المشهد المعقد غدت الاحتكارات الغذائية بمثابة ” سلاح غير مباشر” ينهش في جيوب المواطنين ويهدد شبكة الأمان الاجتماعي . وهو ما استدعى تحركا استثنائيا ًمن أجهزة الرقابة والقضاء بالدولة ، متمثلاً في قضايا جهاز حماية المنافسة، تلك القضايا التاريخية ضد عشرات من الشركات والسماسرة المتلاعبين ، وتدخل الدولة كـ ” منتج ومنافس موازي ” عبر مشروعات الإنتاج الحيواني بجهاز مستقبل مصر لمنع تلك الظواهر. بناء على ما تقدم ،تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال جوهري : كيف تساهم تحالفات القلة في سوق البروتين المصري في تعميق أزمة التضخم الغذائي ؟ وماهي التداعيات الاستراتيجية والاجتماعية لهذه الاحتكارات على أمن الدولة واستقرارها ؟ وماهي حدود نجاح آليات المواجهة الحكومية في فرض سعر التوازن العادل؟

ولنبدأ بالتساؤل الأول وهو كيف تساهم تحالفات القلة في سوق البروتين المصري في تعميق أزمة التضخم الغذائي ؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من القيام بعملية تشريح هيكل سوق البروتين في مصرأو ما يعرف( بالنفوذ التكتلي) يتطلب فهم آليات حركة الأسعار في مصر تجاوز التحليلات السطحية التي تحصر الأزمة في جشع صغار التجار أو سماسرة التجزئة ، والنزول عميقا لتفكيك البنية الهيكلية لإنتاج واستيراد البروتين ( الداجني ، والحيواني، والألبان ) حيث يتصف هذا السوق بظاهرة اقتصادية تسمى ” احتكار القلة المتكامل رأسيا ً” ، حيث تسيطر مجموعات استثمارية كبرى على كافة مراحل الإنتاج بدءا ً من المواد الخام والتوكيلات الجينية وصولا ً إلى المنتج النهائي المطروح للمستهلك. وتتمثل في السيطرة الرأسية لشركات الدواجن الكبرى عبر ” مدخلات الإنتاج” حيث تعتبر صناعة الدواجن في مصر نموذجا ً كلاسيكيا ً لتركز نفوذ السوق ,فالصناعة محلية التنفيذ لكنها “أجنبية المكونات” وتعتمد كليا ً على ركيزتين تتحكم فيهما كيانات محددة وأولى تلك الركائز هي احتكار السلالات الجينية ( الجدود والأمهات )، حيث تمتلك مجموعات استثمارية كبرى ، مثل ” مجموعة الشركات الدواجن الوطنية” “وشركة القاهرة للدواجن ” ، التوكيلات الحصرية لأقوى السلالات الجينية العالمية مثل سلالات ( كاب وروص ) . هذا الامتياز الحصري يجعل آلاف المزارع الصغيرة والمتوسطة تابعة بالكامل لهذه الشركات للحصول على ” كتكوت تسمين ” ، مما يمنح هذه الكيانات قوة سوقية هائلة في تحديد التكلفة المبدئية للصناعة بأكملها ). أما ثاني تلك الركائز فيتمثل في عملية صناعة وطحن الأعلاف ، حيث تمثل الأعلاف الكتلة الحرجة والأساسية من التكلفة الإجمالية لإنتاج الدواجن واللحوم . وتستأثر مجموعات كبرى ، بالحصة الحاكمة في استيراد خامات الأعلاف وتتمثل في ( الصويا والذرة الصفراء ) وتصنيعها . هذا التركيز يتيح للشركات الكبرى ما يعرف اقتصاديا ً بـ”الأرباح المركبة “.

حيث تبيع الأعلاف للمربين الصغار بهوامش ربح مرتفعة ، بينما تستخدم نفس الأعلاف داخل مزارعها بسعر التكلفة الأصلي ، مما يضعف القدرة التنافسية للمربين ويجبرهم على الخروج القسري من السوق في أوقات الأزمات الاقتصادية ومع تشابك المصالح والروابط البينية بين أباطرة اللحوم الحمراء والألبان تتفاقم المشكلة حيث لا تتواجد قطاعات الثروة الحيوانية والألبان بشكل منفصل عن قطاع الدواجن ، بل يجمعها نسيج معقد تديره شركات الأغذية القابضة ومتعددة الجنسيات وتتمثل في عدد من الشركات التي تقوم بدورها كلاعب أساسي يدمج بين إنتاج الدواجن واستيراد وتصنيع اللحوم البقري والجاموسي المجمدة والمبردة من كبرى مجازر البرازيل والهند . وهذا الدمج يظهر تحت مظلة تمويلية ضخمة مدعومة بصناديق سيادية إقليمية ، يتيح للشركات التحكم في “البدائل الغذائية ؛ فإذا ارتفعت أسعار اللحوم ، يتم توجيه المستهلك نحو مصنعات الدواجن والمجمدات التي تصنعها ذات الشركات بأسعار تضمن أعلى ربحية ممكنة لتلك الشركات لحاجة المستهلك لها وتعتمد تعتمد كبرى مزارع إنتاج الألبان وتسمين الماشية الحية المستوردة على مصانع الأعلاف التابعة لأباطرة الدواجن لتغذية قطعانها الحلابة وكذلك العجول ، هذا الترابط العضوي يعني أن أي تحالف سعري أو أزمة جمركية في قطاع الحبوب يمتد أثرها فورا وبشكل متزامن ليشمل أسعار الدواجن ، واللحوم المذبوحة ، ومنتجات الألبان ، والأجبان ، مما يعطل ميكانيزم ” البديل الأرخص ” أمام المواطن .

ثم لاتقف المشكلة عند ذلك الحد بل يمتد الأثر إلى آليات عمل ما يعرف بالبورصات الموازية أو ” التسعير الهاتفي ” وطبقا لما رصده جهاز حماية المنافسة فيما بين عامي 2024 و2025 نجد أن قطاع التوزيع والوساطة الميدانية الحلقة الأكثر إثارة للشبهات الإحتكارية في السوق المصري ، وتتمثل خطورته في البورصات الإفتراضية غير الرسمية وكارتيلات السماسرة الكبار، وقد كشفت تحقيقات النيابة العامة والأجهزة الرقابية أن تسعير لحم الدجاج الحي وبيض المائدة في مصر خالف آليات العرض والطلب الحر لثبوت قيام الشركات الكبرى والسماسرة بـ “عقد تحالفات أفقية ، كارتلات” و “تبادل معلومات تجارية سرية وحساسة للغاية ” لإعلان تسعيرة موحدة قسرا حيث يمارس هؤلاء السماسرة “جريمة الاتفاق الأفقي المحظور لفرض الأسعار” من خلال اتصالات هاتفية منسقة ومجموعات مغلقة على وسائل التواصل الاجتماعي تتم فجرا ً لتثبيت سعر كرتونة البيض أو كيلو الدجاج على مستوى الجمهورية .

هذا التنسيق السري يتعمد تجاهل تكاليف الإنتاج الفعلية لكل محافظة ، ويقوض المبادرات الحكومية لخفض الأسعار عبر إجبار المنتجين على الالتزام بالسعر المرتفع المتفق عليه مما يضيف حلقات وساطة تزيد من معاناة المستهلك النهائي دون وجود أي قيمة مضافة حقيقية ، وهوما قضت بسببه المحكمة الاقتصادية بالقاهرة بإدانة المتهمين بناء على أدلة تقنية شملت تفريغ سجلات الهاتف والرسائل الفورية للمتلاعبين المتورطين وقد ” جاءت كوحدة واجدة مترابطة متماسكة ينتهي بها المطاف إلى بث الاطمئنان في وجدان عقيدة المحكمة ” بثبوت الاتهامات .

وتأسيسا على ما تقدم ، يتضح أن “كارتيلات الطعام” واحتكار القلة لسوق البروتين في مصر لم تعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة أو تشوه سوقي ناتج عن التضخم ، بل تحولت إلى مهدد حقيقي ومباشر لبنية الأمن القومي واستدامة السلام الاجتماعي . إن استمرار تلك الكارتيلات في التهام القدرة الشرائية للمواطنين وفرض حالة” من الجوع المخفي ” يعيد صياغة الهيكل الصحي للأجيال القادمة ويزيد من وتيرة الاحتقان الطبقي . وبناء عليه ، فإن مواجهة حيتان الاستيراد ومحتكري الأعلاف والبروتين ليست مجرد خطوة لتنظيم الأسواق ، بل هي معركة سيادية بامتياز لحماية الجبهة الداخلية وصون القرار الاقتصادي للدولة المصرية . ولن يتحقق ذلك إلا بعدة إجراءات . نقدمه للقاريء الحلقة القادمة إن شاء الله .

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى