تحولات المغرب العربي بين التحديات الأمنية والتوازنات الجيوسياسية

إعداد: علي فوزي الباحث في الشؤون العربية و الإفريقية
تشهد منطقة المغرب العربي في الآونة الأخيرة موجة من التحولات المعقدة التي تجمع بين التحديات الأمنية الداخلية والتقلبات الجيوسياسية الإقليمية والدولية. ورغم الإرث الطويل من الانقسام السياسي وركود مؤسسات التكامل، بدأت بعض دول المنطقة في إعادة صياغة مواقفها وتحالفاتها على نحو يعكس سعيها لتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والتعاون الاقتصادي. يستعرض هذا التقرير أبرز التطورات في المشهد المغاربي، ويحلل أبعادها الاستراتيجية على المستويين الداخلي والإقليمي.
في تطور لافت، كُشف مؤخرًا عن قضية هروب مواطن فرنسي-تونسي متورط في عملية احتيال مالي تجاوزت قيمتها 94 مليون دولار، تنقّل عبر المغرب والجزائر وموريتانيا مستخدمًا وثائق مزورة لأكثر من اثني عشر عامًا. هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة إشكالية غياب التنسيق القضائي بين الدول المغاربية، وضعف الرقابة على الحدود، فضلاً عن استمرار استغلال ثغرات الهوية والإقامة في الإقليم. وهي قضية تضع تحديات أمنية وقانونية أمام أجهزة الدولة في هذه البلدان، خصوصًا في ظل تصاعد الجرائم العابرة للحدود.
اقرأ أيضا: المغرب العربي في أسبوع.. تحولات تنموية وتحالفات إقليمية تعيد رسم المشهد وتونس تنضم لمجموعة G3
سياسيًا، تسعى دول المغرب العربي إلى الحفاظ على توازن حذر في علاقاتها مع القوى الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والصين. وبينما تمضي بعض هذه الدول في توسيع شراكاتها ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، تستمر في الوقت نفسه بالاستفادة من المساعدات الأمنية والعلاقات الاقتصادية مع واشنطن. هذا التوجه يعكس استراتيجية مزيج من الانفتاح والانتباه، تحاول من خلاله العواصم المغاربية تفادي الاصطفاف الكامل مع أي من القوتين العظميين، مع الحفاظ على هامش من الاستقلالية السياسية والاقتصادية.
على مستوى الإقليم، عادت بعض محاولات التكامل لتأخذ طابعًا عمليًا، وإن كان محدودًا، بعيدًا عن مؤسسات الاتحاد المغاربي التي تعاني الجمود منذ سنوات. الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا شرعت مؤخرًا في عقد اتفاقيات ثنائية ومتعددة حول الربط الكهربائي، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتنظيم المعابر، في خطوة تهدف إلى بناء شراكة وظيفية تستند إلى المصالح المشتركة بدلًا من الشعارات الإقليمية الكبرى.
في ليبيا، لا تزال التعقيدات الداخلية تعرقل أي مسار توافقي شامل. ورغم ظهور بعض المبادرات الرمزية مثل حوارات طرابلس وبوزنيقة، فإن الانقسام السياسي والتداخلات القبلية والأمنية يبقيان عائقين رئيسيين. وتتزايد المخاوف من تدخلات خارجية مستمرة تغذي الانقسامات، ما يجعل الملف الليبي أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
في سياق متصل، شهدت الحدود الليبية توقف قافلة تضامنية مع قطاع غزة، كانت قد انطلقت من تونس مرورًا بالأراضي الليبية. ورغم طابعها الإنساني، فإن القافلة واجهت عراقيل سياسية وأمنية عند مدينة سرت، ما يبرز تعقيدات المشهد الليبي، حتى في القضايا العابرة للحدود مثل التضامن الإقليمي.
أما موريتانيا، فقد استطاعت حتى الآن الحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي، لا سيما بعد إعادة انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في 2024. في الوقت نفسه، سجلت البلاد انخفاضًا ملحوظًا في أعداد المهاجرين غير النظاميين المتجهين إلى أوروبا، بعد توقيع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بمئات ملايين اليورو، يُعتقد أنه ساهم في تعزيز قدرات الرقابة الحدودية والبنية التحتية المتعلقة بالهجرة.
ختامًا: تبدو منطقة المغرب العربي أمام لحظة تحول دقيقة. فبينما تفرض التهديدات الأمنية وتنامي النفوذ الخارجي واقعًا معقدًا، تظهر في المقابل مؤشرات على وعي سياسي متجدد بأهمية التعاون العملي والتكامل الجزئي، لا سيما في مجالات الطاقة والاتصال ومكافحة الهجرة. ويظل التحدي الأكبر في قدرة هذه الدول على تحويل التفاهمات الثنائية إلى مشاريع إقليمية متماسكة تعزز الاستقرار والتنمية في المدى المتوسط.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



