الرئيسيةتقدير موقف

بين العنف والفقدان: الأزمة الإنسانية تتفاقم في السودان والمراهقون في طليعة الضحايا

القاهرة- منه الله أسامة 

الوضع الإنساني في السودان يتسم بأنه كارثي ، ووصفته الأمم المتحدة ومنظمات دولية بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم ، حيث تشمل التطورات الأخيرة تفاقم الأوضاع في الفاشر ، وزيادة النزوح الجماعي ، وارتفاع حدة المجاعة .

والحرب ينظر إليها ايضاً علي انها “الحرب المنسية ” حيث تعاني من نقص في تمويل الاغاثة ، وتتزايد المخاوف من انعدام الامن واستخدام اسلحة كيماوية ، وتدمير البنية التحتية ، وصعوبة وصول المساعدات ، بالإضافة إلي العنف المروع ضد المدنيين وخاصة النساء والأطفال ، فالأزمة ليست مادية فحسب ، بل نفسية ايضاً.

 

حيث قالت منظمة هيومان أبيل إن السودان يواجه واحدة من اعقد وأقسي الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث ، وسط شح غير مسبوق في العمل الانساني وتراجع قدرة المجتمع الدولي علي الاستجابة للكارثة ، مؤكدة أنها تواصل تعزيز حضورها الميداني وتكثيف جهودها لتوفير شريان الحياة لملايين السودانيين المتضررين.

وأوضحت المنظمة البريطانية في بيان للجزيرة نت أن أكثر من 25 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تقترب ملايين الأسر من حافة المجاعة، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها البلد.

وأشارت المنظمة إلى أن مساحات واسعة من السودان تعيش فراغاً إنسانياً حاداً، بفعل تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة القتال، ما جعل وصول فرق الإغاثة إلى المناطق المنكوبة مهمة شديدة الصعوبة. كما تسببت القيود الإدارية وتعطّل مؤسسات الدولة وتدمير البنية التحتية في إبطاء تدفق الإمدادات الحيوية ورفع تكلفتها، وسط فجوة تمويلية تُعد من بين الأكبر عالمياً مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.

وأوضحت هيومان أبيل أن تفاقم موجات النزوح الجماعي، والانقطاعات المتكررة في خدمات الاتصال، وتعطل سلاسل الإمداد، كلها عوامل زادت المشهد تعقيداً، وجعلت إيصال المساعدات مهمة بالغة الصعوبة. وأكدت أن مواجهة هذه التحديات تتطلب وجود جهات قادرة على العمل الميداني المستمر رغم المخاطر والظروف القاسية.

كما كشفت منظمة هيومان أبيل عن إطلاق صندوق طوارئ السودان، في خطوة عاجلة تستهدف دعم ملايين المدنيين المتضررين من الصراع المستمر للعام الثالث على التوالي، وذلك في ظل تفاقم الكارثة الإنسانية والانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي في البلاد.

السودان الدعم السريع الفاشر

ويهدف الصندوق إلى تأمين احتياجات عاجلة للسكان، تشمل توفير الغذاء ومياه الشرب والرعاية الطبية وتجهيزاتها، إضافة إلى احتياجات أساسية أخرى لضمان الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وشددت المنظمة على استمرارها في تنفيذ عمليات إغاثية واسعة النطاق عبر عدة ولايات، معتمدة على فرق ميدانية متخصصة تعمل يومياً في أصعب الظروف لتقديم الدعم للأسر الأكثر تضرراً.

و تفاقم المعاناة الإنسانية بالسودان جراء استمرار حرب دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل ٢٠٢٣ ، أدت إلي مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو ١٣ مليون شخص .

وقالت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، ليني كنزلي، إن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح إنسانية على مستوى العالم، مع تجاوز عدد النازحين 10 ملايين شخص. وأكدت أن المساعدات الغذائية الحالية غير كافية لتغطية الاحتياجات الهائلة على الأرض، وسط تفاقم الأزمة نتيجة الأحداث المروعة التي شهدتها مدينة الفاشر.

وأضافت كنزلي في تصريح للجزيرة أن الوضع الإنساني في السودان أصبح عاجلاً وحرجاً للغاية، مع وصول موجات جديدة من النازحين إلى المخيمات بلا أي متاع، بعد فرارهم من الفاشر التي كانت تعيش أصلاً ظروفاً كارثية.

السودان قوافل الاغاثة

كما دعت كنزلي المجتمع الدولي إلي التحرك علي مسارين متوازيين.

وأشارت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان إلى أن عمليات قتل المدنيين لا تزال مستمرة في عدد من المدن المحاصرة من قبل قوات الدعم السريع، التي تمنع وصول المساعدات الإنسانية إليها.

وأكدت دينيس براون في مقابلة مع الجزيرة أن عمليات القتل الوحشية التي استهدفت المدنيين في مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر الماضي، تتكرر حالياً في مدينتي بابنوسة وكادوقلي بإقليم كردفان.

وفي الفاشر وكردفان، يضطر السكان للفرار وهم يرتدون ملابسهم فقط، مؤكدة براون أنها شاهدت أشخاصاً قطعوا نحو 20 كيلومتراً خارج المدينة بأحذية متهالكة وفي ظروف قاسية للغاية.

وتطرقت براون إلى معاناة نحو 10 ملايين شخص فرّوا من أعمال القتل، ويحتاجون إلى الغذاء والمياه والمأوى وخدمات للأطفال والأدوية والرعاية الأساسية، إضافة إلى المرافق التي دُمرت بالكامل. وأوضحت أن الأمم المتحدة لا تزال بعيدة عن القدرة على توفير هذه الاحتياجات بسبب نقص التمويل اللازم.

السودان بيان وقف الحرب

وفيما يتعلق بمحاولات دخول الفاشر ، قالت براون أن دور الامم المتحدة يقتصر علي الحديث مع طرفي النزاع ، وهو ما يجري حاليا مع الدعم السريع ، وفق المبادئ الدولية حتي لا تعترض الفرق لهجمات من ميليشات مسلحة.

 

و منذ اندلاع حرب السودان في أبريل ٢٠٢٣ تحول البلد إلي ساحة نزوح جماعي غير مسبوق علي مستوي دول العالم ، إذ يقدر عدد النازحين داخل البلاد بنحو ١٢.٧ مليون شخص معظمهم نزح مرات عدة وبات بلا مأوي.

في حين في أكثر من ٢.٧ مليون إلي خارج الحدود بحثاً عن الأمان والحياة ، منهم أعداد ضخمة لجأت إلي دول الجوار ، بخاصة مصر وأوغندا وتشاد وإثيوبيا.

من بين هؤلاء مراهقون دفعهم الرعب من الحرب وانهيار مؤسسات الدولة إلى ركوب “رحلات الموت” عبر المتوسط أو الصحراء. وخلال عام 2023 وحده، تمكّن نحو 5,887 سودانياً من الوصول إلى السواحل الإيطالية بحراً، في رقم يعكس تزايد موجات الهروب عبر المسارات البحرية، وفق تقارير صادرة عن منظمات دولية.

 

وقال الباحث المتخصص في قضايا النزوح والهجرة، سليم طارق،  أن اندفاع المراهقين السودانيين إلى سلوك طرق الهجرة غير النظامية يعكس بصورة واضحة الانهيار العميق في بيئتهم الحياتية داخل البلاد. فخلال العامين الماضيين تعطلت المنظومة التعليمية في مناطق واسعة من السودان، وتوقفت آلاف المدارس عن العمل تماماً، ما ترك شريحة كبيرة من المراهقين بلا تعليم ولا أي إطار للحماية. كثير من هؤلاء يعيشون اليوم في مخيمات نزوح تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، ويواجهون عنفاً يومياً. ويشير طارق إلى أن هذه الظروف القاسية كفيلة بأن تدفع أي فتى إلى البحث عن منفذ للهروب، حتى لو كان ذلك عبر الصحراء أو البحر.

ويضيف طارق أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى صدمات نفسية عميقة. فالمراهقون الذين قابلناهم يتحدثون عن شعور جارح بالفقد؛ فقدوا منازلهم ومدارسهم وأصدقاءهم، وفي كثير من الحالات فقدوا أحد الوالدين. هذا الإحساس بالانهيار وغياب أي أفق للمستقبل يجعل خيار الهجرة، مهما كان خطراً، يبدو أقل قسوة من البقاء.  فإن الحياة داخل السودان لم تعد تُرى من قبل هؤلاء الفتية كخيار ممكن.

ويتابع أن قصص الهجرة الناجحة رغم قلتها  تلعب دوراً مهماً في تشكيل هذا الاندفاع؛ إذ يتداول الشباب روايات عن أقارب أو أصدقاء وصلوا إلى أوروبا وبدؤوا حياة جديدة، ورغم أن واقع الهجرة بعيد تماماً عن هذه الصورة الوردية، فإن تلك القصص تخلق وهماً جماعياً بأن “الطريق القاتل” قد يكون فرصة ذهبية.

ويشير طارق إلى أن بعض الأسر، تحت وطأة الفقر واليأس، تدفع أبناءها صراحة إلى المغادرة أملاً في مستقبل أفضل.

ويشير ايضاً الخبير في شؤون الهجرة والاتجار بالبشر، هادي بشارة، إلى أن اتساع رقعة الحرب في السودان وتدهور الخدمات دفعا آلاف المراهقين إلى الفرار، لكن الطرق التي يسلكونها ليست مسارات هجرة بالمعنى التقليدي، بل ممرات شديدة الخطورة تختلط فيها أشكال العنف والاستغلال والموت البطئ. ويوضح بشارة أن أغلب المراهقين يغادرون عبر ثلاثة محاور رئيسية: طريق دارفور–ليبيا وصولاً إلى المتوسط، ومسار شرق السودان باتجاه مصر، إضافة إلى خط تشاد–النيجر الذي ازداد نشاطه منذ اندلاع الحرب. وتلتقي هذه المسارات جميعها في مناطق خارجة تماماً عن سلطة الدولة وتخضع لشبكات تهريب متداخلة ومسلحة.

 

من جانبه أوضح الباحث  المتخصص في شؤون الهجرة محمد عبدالهادي يقول إنه ، مع تفاقم الحرب وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من السودان،  ازدهرت شبكات التهريب المنظمة وغير المنظمة ، مستغلة فراغ القانون والفقر واليأس لدي السكان ، خصوصاً المراهقين . فهذه الشبكات تعمل في مناطق معقدة أمنياً.

ورغم تشديد الرقابة على الحدود في كل من مصر وليبيا، وارتفاع وتيرة ترحيل طالبي الهجرة غير النظامية، فإن الواقع يؤكد أن المراهقين ينجحون في إيجاد مسارات بديلة غالباً ما تكون أشد خطراً. ويشدد متخصصون في قضايا الهجرة على أن وقف موجات النزوح لا يمكن أن يتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب معالجة سياسية واقتصادية وإنسانية داخل السودان، تشمل توفير الحماية والتعليم وبيئة مستقرة للأطفال والشباب، باعتبارها الأساس الحقيقي للحد من الهجرة القسرية.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى