
إعداد: د. يسرا محمد مسعود / مدرس مساعد بالجامعة الآفروآسيوية
مقدمة:
تتمتع مصر بتاريخ طويل في توظيف الهجرة كأداة من أدوات القوة الناعمة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، لا سيما من خلال المبادرات التعليمية التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم العربي. وعلى مدار الخمسين عامًا الماضية، أصبحت مصر أيضًا وجهة رئيسية للعديد من المهاجرين العرب والأفارقة، حيث استضافت مئات الآلاف من السودانيين، بالإضافة إلى تدفّق اللاجئين السوريين منذ عام 2011.
كان ارتباط الجالية السودانية في مصر بالتطورات السياسية أمرًا واضحًا؛ فحتى عام 1995، كان المواطنون السودانيون يتمتعون بإعفاء من تأشيرة الدخول إلى مصر، مع إمكانية الوصول غير المقيد إلى الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك التعليم، والعمل، والرعاية الصحية، وحق التملك. وقد أُقرت هذه الامتيازات بموجب اتفاقية وادي النيل الثنائية لعام 1976، التي هدفت إلى تعزيز التعاون بين مصر والسودان.
غير أن محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 1995، والتي نُسبت حينها إلى إسلاميين سودانيين، أدت إلى إلغاء الاتفاقية، ما تسبّب تدريجيًا في تزايد الانتهاكات التي تعرض لها السودانيون في مصر. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن سوى عدد قليل من السودانيين من التسجيل كلاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مما جعل تقدير أعداد الجالية السودانية في مصر أمرًا بالغ الصعوبة، حيث تتراوح التقديرات بين 750 ألفًا و4 ملايين شخص.
وبالإضافة إلى السودانيين، تضم مصر أيضًا مجتمعًا كبيرًا من اللاجئين السوريين. فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، رحّبت حكومة الإخوان المسلمين بالسوريين، ومنحتهم دخولًا دون تأشيرة، وتأشيرات سياحية لمدة ثلاثة أشهر، مع إمكانية التسجيل لدى المفوضية. لكن مع عودة الحكم العسكري في منتصف عام 2013، شددت الدولة المصرية سياستها، وألزمت السوريين بالحصول على تأشيرة مسبقة، والتسجيل لدى الحكومة فور انتهاء صلاحية تأشيرتهم. ووفقًا لإحصاءات أبريل 2018، بلغ عدد السوريين المسجلين في مصر حوالي 130 ألفًا، بينما قدّرت الحكومة العدد الإجمالي بنحو 300 ألف.
اقرأ أيضا: السودان في أسبوع.. جلسة أفريقية طائرة لبحث الأزمة.. ومطالب سياسية بفك الحصار عن الفاشر
المحور الأول: مفهوم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي
يُعد الاندماج الاقتصادي الركيزة الأساسية للاندماج الاجتماعي، وهو الهدف الذي تسعى الدول المستقبلة للمهاجرين إلى تحقيقه، لما يحمله من منافع مشتركة لكل من المهاجرين والدول المضيفة. فالاندماج الاقتصادي الناجح يُسهم في تنمية الأفراد والمجتمعات، ويُعد شرطًا أساسيًا لحصول الفرد على نوعية حياة جيدة ومشاركة فعّالة على جميع المستويات، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية.
يبدأ اندماج المهاجرين بتحقيق المساواة في المكانة الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع المضيف، ويتطلب ذلك توفير الوصول إلى الخدمات، وتمكين الأفراد من المشاركة السياسية والاجتماعية، وتعزيز شعورهم بالانتماء، مما يُساعدهم على التحرر من الاعتماد الكامل على المساعدات الاجتماعية، ويسمح لهم بالإسهام في اقتصاد الدولة المستضيفة.
ومن أجل تسهيل هذا النوع من الاندماج، يجب إزالة العراقيل التي تعترض طريق اللاجئين، بدءًا من الحواجز اللغوية والمهنية، وتيسير الولوج إلى سوق العمل. ووفقًا للاستراتيجية العالمية التي وضعتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للفترة ما بين 2019 و2023، فقد تم التأكيد على دعم الفرص الاقتصادية للمهاجرين، عبر تأمين سبل كسب الرزق وتسهيلها، بما يُعزز إدماجهم الاقتصادي بشكل فعّال.
المحور الثاني: التشريعات والإطار المؤسسي لتحسين إدماج المهاجرين حقوقيًا واجتماعيًا
أكدت اللجنة العليا للتقرير الدولي على ضرورة أن تستند سياسات الهجرة إلى أهداف ورؤى مشتركة، واقترحت ستة مبادئ أساسية للعمل، تناولت ثلاثة منها بشكل مباشر سياسات إدماج المهاجرين .
وتضمنت التوصيات ضرورة إدماج المهاجرين الشرعيين الذين قضوا فترات طويلة في الدول المضيفة بشكل فعّال في مجتمعاتهم الجديدة، مع تعزيز التنوع والتماسك الاجتماعي. كما أكدت على أهمية أن يكون المهاجرون على دراية بحقوقهم، مع التزامهم بواجباتهم القانونية، وعلى أن يتم تطبيق إطار قانوني لحقوق الإنسان يشمل المهاجرين الدوليين ويوفر لهم الحماية. وأوصت بتعزيز سياسات الهجرة الوطنية من خلال التعاون الإقليمي والحوار بين الحكومات والمنظمات الدولية.
يرى بعض الباحثين أن مصر تمر بمرحلة مفصلية في سياستها الخاصة باللجوء، إذ بدأت مؤخرًا بالخروج من سياسة التناقض التي اتبعتها لسنوات طويلة. فقد تبنّت الدولة قانونًا جديدًا للجوء في 19 نوفمبر 2024، استجابة للزيادة الكبيرة والمتسارعة في أعداد اللاجئين. ويهدف هذا القانون إلى حماية حقوق اللاجئين، وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم، وإتاحة فرص أكبر لمساهمتهم في الاقتصاد المصري.
في السابق، أدى غياب قانون محلي واضح ينظم أوضاع اللاجئين إلى معاملتهم كأجانب دون حقوق قانونية مضمونة، ما شكّل خرقًا للمواثيق الدولية. كما مثّلت المتطلبات الإدارية الصارمة، مثل اشتراط جواز سفر ساري المفعول، عائقًا رئيسيًا أمام دخولهم سوق العمل الرسمي، الأمر الذي عرّضهم للاستغلال وأقصاهم فعليًا عن العمل المنظّم.
تجدر الإشارة إلى أن مصر ساهمت تاريخيًا في صياغة اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، وكذلك اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، وصادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان، منها:
- اتفاقية مناهضة الإبادة الجماعية.
- الاتفاقيات الأربع لجنيف.
- اتفاقية مناهضة التمييز العنصري.
- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
- اتفاقية مناهضة التعذيب.
- البروتوكولين الاختياريين الأول والثاني الملحقين باتفاقيات جنيف.
كما تنص المادة 91 من الدستور المصري على أن “للدولة أن تمنح حق اللجوء السياسي لكل أجنبي اضطُهِد بسبب الدفاع عن مصالح الشعوب أو حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة”، وتُحظر تسليم اللاجئين السياسيين.
وفي ضوء تزايد أعداد اللاجئين، أصدرت الحكومة المصرية تشريعًا ينظّم تدفّقاتهم، تضمن إنشاء لجنة دائمة لشؤون اللاجئين تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتكون هي الجهة المختصة بشؤونهم.
وتنص المسودة القانونية على:
- حق الطفل اللاجئ في التعليم الأساسي.
- الاعتراف بالشهادات الدراسية الأجنبية.
- الحق في الرعاية الصحية المناسبة وفقًا لقرارات وزارة الصحة.
- الحق في الانضمام إلى الجمعيات الأهلية أو الترشح لمجالس إدارتها.
كما يُلزم القانون اللاجئ باحترام الدستور المصري، والقوانين واللوائح السارية، وقيم وتقاليد المجتمع، ويُحظر عليه القيام بأي نشاط يمس الأمن القومي أو النظام العام أو يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية.
وينص القانون أيضًا على إسقاط صفة اللاجئ في حال ثبوت حصوله عليها بطريقة احتيالية أو إخفاء معلومات جوهرية، أو ارتكاب أي مخالفات جسيمة.
أخيرًا، يمنح القانون اللاجئ الحق في العمل، سواء لحسابه الخاص، أو من خلال تأسيس شركات أو الانضمام إلى شركات قائمة، دون فرض ضرائب أو رسوم إضافية عليه. كما يمنحه الحق في التقدّم للحصول على الجنسية المصرية وفقًا للإجراءات القانونية.
المحور الثالث: التداعيات الإيجابية والسلبية لدمج المهاجرين في الدولة المضيفة
أولاً: التداعيات الإيجابية لدمج اللاجئين في المجتمعات المضيفة
وفقًا لتعريف الأمم المتحدة، فإن دمج اللاجئين يُعد عملية تفاعلية تشمل اللاجئين وأفراد المجتمع المضيف ومؤسساته. ويُفترض أن يندمج اللاجئون مع سكان الدولة المضيفة في مجتمع واحد يحتضن اختلافاتهم، على أن يكون اللاجئون مستعدين للتأقلم مع أوضاع المجتمع الجديد دون التخلي عن هويتهم الأصلية، وأن تكون الدولة المضيفة قادرة على احتوائهم وتلبية احتياجاتهم.
تنعكس عملية الدمج بشكل إيجابي على الدولة المضيفة من جوانب متعددة، منها:
- اقتصاديًا: يسهم اللاجئون في إنشاء مشاريع خاصة تخلق فرص عمل جديدة، وتُساعد في تنشيط تدفّق رؤوس الأموال والاستثمارات، بالإضافة إلى مساهمتهم في النظام الضريبي، مما يُعزز الاقتصاد الوطني.
- ثقافيًا: يُثري اللاجئون النسيج الثقافي والاجتماعي للدولة المضيفة من خلال التبادل الثقافي، وجلب لغات، وفنون، وعادات، وأفكار جديدة.
- تنمويًا: يؤدي وجود اللاجئين إلى اهتمام المجتمع الدولي بالبلدان المضيفة، مما يجذب مساعدات إنسانية واقتصادية من المنظمات الدولية مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها، وهو ما يُعزز جهود التنمية.
- إعلاميًا ودبلوماسيًا: يُسلّط الإعلام الدولي الضوء على البلدان التي تستضيف اللاجئين، ما يمنحها حضورًا سياسيًا وإنسانيًا في المحافل الدولية، وقد يرفع من مكانتها.
- أمنيًا: يُسهم الدمج في الحد من التحاق اللاجئين بالجماعات الإرهابية مثل داعش أو القاعدة، من خلال منحهم فرصًا للاندماج الاجتماعي والاقتصادي بدلًا من الوقوع في فخ العزلة والتطرف.
ثانيًا: التداعيات السلبية لدمج اللاجئين في المجتمعات المضيفة
على الرغم من الفوائد المتعددة، فإن دمج اللاجئين قد يترتب عليه بعض السلبيات، والتي يمكن حصرها في ثلاثة محاور رئيسية:
- المحور الاقتصادي:
- يُسبب التنافس بين اللاجئين والمواطنين على فرص العمل.
- يُشكّل ضغطًا على البنية التحتية للدولة وخدماتها، مثل التعليم والصحة والمواصلات.
- قد يؤدي إلى تقليص حصة المواطنين من الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة بينهم.
- تُضطر الدولة إلى زيادة الإنفاق الحكومي على قطاعاتها المختلفة لمواجهة التزايد المفاجئ في عدد السكان، مما يرهق ميزانيتها ويُجبرها أحيانًا على طلب المعونة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي.
- المحور الاجتماعي:
- قد يُهدد التوازن الديموغرافي في المجتمعات ذات النسيج السكاني المعقد، ويؤدي إلى تفاقم الانقسامات الطائفية أو العرقية.
- يتجلى هذا بشكل واضح في لبنان، حيث أدى توافد اللاجئين الفلسطينيين (غالبًا من السنة) إلى إحداث اختلال في التوازن الطائفي بين السنة والشيعة والمسيحيين، ما دفع الحكومة اللبنانية إلى فرض قيود صارمة، مثل حرمان الفلسطينيين من حق العمل أو تملك العقارات.
- المشكلة نفسها تتكرر مع تدفق اللاجئين السوريين (أغلبهم من السنة)، حيث تفرض عليهم رسوم إقامة مرتفعة (200 دولار كل ستة أشهر)، ويُمنعون من مزاولة العمل الرسمي، مما يُعيق إدماجهم.
- المحور الأمني:
- في حال عدم دمج اللاجئين بشكل فعّال، وتركهم في حالة تهميش، يصبحون أكثر عرضة للاستقطاب من قبل جماعات متطرفة، ما يشكل تهديدًا أمنيًا للمجتمع المضيف.
وبوجه عام، فإن نجاح الدمج يتوقف على التقارب الثقافي والديني واللغوي بين اللاجئين والمجتمع المضيف. فكلما كانت الخلفيات أكثر تشابهًا، كلما كانت عملية الإدماج أكثر سلاسة وأقل خطورة.
الخاتمة:
لقد بيّنت التجربة المصرية، خصوصًا في تعاملها مع الجالية السودانية، أن مصر سعت بجهود ملحوظة نحو إدماج المهاجرين في المجتمع، سواء عبر تسهيل فرص العمل، أو عبر السماح لهم بفتح مشاريع تجارية خاصة، واستئجار العقارات، والانخراط في الحياة الاقتصادية اليومية.
كما لعبت منظمات المجتمع المدني دورًا بارزًا في هذا السياق، من خلال عقد الأنشطة التوعوية والتعليمية، وتوفير تدريبات مهنية وحرفية تمكّن اللاجئين من الاعتماد على أنفسهم، وتحقيق مستوى من الاستقلال الاقتصادي.
ورغم التحديات والصعوبات التي ما زالت تواجه عملية الدمج، إلا أن مصر تظل من الدول التي تبذل جهدًا متوازنًا بين البعد الإنساني والبعد السيادي في إدارتها لملف الهجرة واللجوء، ما يجعلها نموذجًا مهمًا في المنطقة يمكن البناء عليه وتطويره.
المصادر:
-emerging-transit-country ,-GERASIMOS Tsourapas ,8 August 2018 , Egypt: Migration and Diaspora Politics ,
https://www.migrationpolicy.org/article/egypt-migration-and-diaspora-politics
-Wael Farrag ,Migrants and the Host Society :Partenerships for Success ,https://www.iom.int/sites/g/files/tmzbdl2616/files/2018-07/Egyptian_Work_Paper_Integration_Workshop.pdf
-د.هالة فودة ،ملف الهجرة واللجوء في مصر بين تداعيات الحاضر ومسارات الحل – المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية



