رأي

د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب.. ما وراء الهجوم الأوكراني على القواعد الجوية الروسية- سيبيريا علي موائد اللئام

الكاتب أستاذ الكيمياء – جامعة الملك فيصل بن عبد العزيز – السعودية باحث في الشئون العربية  والشرق أوسطية.

– علي غرار الهجوم الياباني المفاجئ في عام ١٩٤١ علي بيرل هاربر في الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب العالمية الثانية، وعلي غرار ضربة البيجرز الإسرائيلية القاتلة ضد حزب الله عام ٢٠٢٤، أيقظت الضربة الأوكرانية المدعومة أمريكياً، والممثلة ب ماسُمَّي«بهجوم بيت العنكبوت» السيبراني في الأول من يونيو الماضي الذي دمر البنية التحتية لأكثر من ٢٠ قاذفة عسكرية في أربعة مطارات روسية في سيبيريا وشبه جزيرة كولا الروسيتين علي الحدود الفنلندية، والذي نفذته الإستخبارات الأوكرانية علي طول حدودها مع روسيا باستخدام مسيرات من طراز «POV »، إنطلقت كلها من شاحنات يملكها عميل أوكراني صاحب شركة وهمية، لتعود بالأذهان إلي حرب حصان طروادة، التي دارت بين الإغريق وأهل طروادة، علي شرف هيلين ملكة اسبارطة.

اقرأ أيضا: سقوط النظام الإيراني.. هل يقود إلى فوضى شاملة أم شرق أوسط جديد؟

– ثمة إجماع علي أن هذا الهجوم الذي تسبب بصدمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتعجب العالم لقدرته الفائقة، يُعد نجاحاً أمنياً غير مسبوق لكييف، والذي من شأنه أن يترك أثراً يتجاوز الميدان الأوكراني- الروسي ويذهب بعيداً إلي الأطماع الخفية لقائد ميدان الحرب الحقيقي وهو اللاعب الأمريكي، الذي قام بدعم العملية لوجستياً وتقنياً منذ ما يقرب من عام ونصف بحسب المخابرات الأوكرانية، والذي يأتِ ضمن سياقات اعتمدتها القوات الأوكرانية للعمل خلف خطوط جبهة العدو الروسي، تلك التي أثمرت عن نجاح  نوعي ملحوظ، بفضل التفوق الأوكراني بالحرب السيبرانية والحروب الحديثة، والدعم  الأمريكي اللامحدود، بغية وصول أمريكا لهدفها المنشود، والذي تسعي إليه منذ 125 عاماً من الزمان.

– فمنذ أن اشترت أمريكا ولاية آلاسكا من الإمبراطورية الروسية عام ١٨٦٧ وحتي اليوم، تنظر أمريكا بعين لامعة لسيبيريا التي تمثل كنز روسيا الإستراتيجي، بل ربما كنز الأرض المتفرد. فسيبيريا تمثل٧٠٪ من اقتصاد روسيا و٧٧٪ من مساحتها الكلية.

– وتري أمريكا أنها تفوق حدود وإمكانات الإمبراطورية الروسية، فسيبيريا التي مازالت أكبر دولة في العالم بمساحة تبلغ ١٣.١ مليون كم٢، وتحتوي علي أكبر احتياطات الغاز في الأرض في حقل يامال، وبها إثنين من أكبر حقول النفط العالمية وهما حقلي سخالين، وبخاروڤ، وبها خط أنبوب السيل الشمالي العملاق الذي يمد أوربا بالغاز الروسي، وحيث الثروات المعدنية، تُعد ياقوتيا وهي أحد جمهوريات سيبيريا أكبر منتج للياقوت والذهب والماس في العالم، كما أنا مدينة نوريلسك الصناعية التي تقع في أقصي الشمال السيبيري والمعروفه بعاصمة التعدين الروسية، حيث تشتهر بإنتاج ٤٠٪ من الأنتاج العالمي من البلاديوم والنحاس والنيكل والبلاتين. كما أن سيبيريا قلب تعدين وصناعة الألمونيوم عالمياً من خلال شركة Rusal التابعة لمجموعةPositive  Energy Russia

– ومع ضخامة الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي الإستراتيجي لسيبيريا الروسية، فصانع السياسات الأمريكي يضعها محل اهتماماته علي الدوام،  ويري  أنه يجب علي الأمريكان أخذ أكبر قدر ممكن من جغرافيا تلك الأراضي التي لا تستحقها روسيا علي حد قوله. لذا فسيبيريا ستبقي ساحة خفية للصراع بين الولايات المتحدة وروسيا، بسبب ثرواتها وموقعها الاستراتيجي.

–  وبينما تركز واشنطن على خنق الاقتصاد الروسي عبر العقوبات، فإنها تتابع عن كثب أي فرص لتعزيز نفوذها في المنطقة، سواء عبر الشركات أو الضغوط السياسية. ومع استمرار الأزمة الأوكرانية، قد تزداد أهمية سيبيريا في الاستراتيجية الأمريكية، التي بذلت وعلي مايقرب من قرن من الزمان ما بوسعها للتوغل في سيبيريا بدءً من عام ١٩١٧ مع قيام الثورة البلشفية، وتدخلها إلي جوار بريطانيا، فرنسا، واليابان لدعم الجيش الأبيض الروسي ضد الثوار البلاشفة، لحماية مصالح الشركات والإستثمارات الأمريكية والغربية في سيبيريا خشية تأميمها من قِبَل البلاشفة، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بالأستيلاء علي سيبيريا أو إعادة روسيا لساحة الحرب ضد الألمان مرة أخري، بعد توقيع البلاشفة لمعاهدة بريست-لوتوفسك في مارس ١٩١٨ مع ألمانيا، وانسحابها من الحرب، مما زاد الضغط يومها علي الحلفاء وعلي رأسهم أمريكا التي انسحبت وقتها وهي تجر أذيال الخيبة من شبه جزيرة كولا أقصي شمال روسيا عام ١٩٢٠.

– اليوم وبعد مرور ١٠٧ عام علي الثورة البلشفية، مازال الصقر الأمريكي متأهباً ينتظر لحظة الإنقضاض علي سيبيريا، ولربما وجد ضالته حين قام بتمويل ودعم الهجوم السيبراني علي القواعد الإستراتيجية الروسية وأهمها علي الإطلاق بشبه جزيرة كولا المتاخمة للحدود الفنلندية، والتي تُصر أمريكا، بل ويزداد إصراراها يوماً بعد يوم للإستيلاء عليها لوجود أكبر حقل غاز روسي جنوب كولا، وهو الذي يُضَخ منه الغاز عبر أنبوب « قوة سيبيريا » إلي الصين، مروراً بمنغوليا. يذكر أن روسيا والصين مؤخراً قد حرضا علي الثورة ضد الحكومة المنغولية المدعومة أمريكياً، ونجحا بالفعل في إسقاطها، وتعيين حكومة أخري موالية لروسيا والصين، وذلك لتجنب الإبتزاز المنغولي في توصيل الغاز الروسي للصين، بأوامر أمريكية.

– بالنهاية تبقي سيبيريا في دائرة الإهتمام الأمريكية، لأسباب استراتيجية واقتصادية، وتري أن تلك الجغرافيا كبيرة من الصعب أن تستوعبها روسيا وحدها، وعلي نهج ترامب الأنتهازي الذي يريد الاستحواذ علي قناة بنما وجزر جرين لاند وقطاع غزة وتحويله إلي ريفيرا الشرق علي حد قوله، يري صانع القرار الأمريكي أنه يجب علي أمريكا في أسرع وقت الإستيلاء علي سيبيريا والظفر بثرواتها الهائلة.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب
اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى