رأي

إدريس إحميد يكتب.. المؤتمر الدولي حول فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة

رسالة دولية ضد الاحتلال واستعادة للزخم الدبلوماسي

في لحظة تتصاعد فيها جرائم الاحتلال الإسرائيلي وتفشل الأمم المتحدة في فرض قراراتها، جاء المؤتمر الدولي حول فلسطين، المنعقد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كمبادرة مشتركة من المملكة العربية السعودية وفرنسا، ليبعث برسالة سياسية واضحة: أن القضية الفلسطينية لا تزال حيّة في ضمير العالم، رغم محاولات طمسها وتهميشها.

**المبادرة السعودية – الفرنسية** تأتي المبادرة السعودية – الفرنسية في اطار تحريك للدبلوماسية الدولية وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية
هذا التحرك المشترك بين الرياض وباريس يعكس رغبة متنامية في كسر حالة الجمود السياسي تجاه فلسطين، وإعادة الملف إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعيدًا عن التجاذبات والانحيازات التي عطّلت فاعلية مجلس الأمن، وفرّغت قرارات الأمم المتحدة من مضمونها. فقد أرادت المبادرة أن تؤكد أن هناك بدائل دبلوماسية قادرة على فرض حضور القضية الفلسطينية، وإنعاش الأمل في حلّ عادل وشامل، رغم انسداد الأفق السياسي.

حضر المؤتمر أكثر من 125 دولة، فيما غابت عنه الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان حاولتا مسبقًا إفشاله عبر ضغوط دبلوماسية مورست على بعض الدول لمنع المشاركة أو تخفيف مستوى التمثيل. ورغم ذلك، شكّل انعقاد المؤتمر بحد ذاته نجاحًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا يعكس حجم الغضب الدولي من استمرار الاحتلال وتجاهله لقرارات الشرعية الدولية.

كلمات لافتة… وغضب أممي متصاعد

افتُتح المؤتمر بكلمة للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عبّرت عن نفاد صبر المجتمع الدولي من استمرار الجرائم الإسرائيلية، واستهتار الاحتلال بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وهو موقف قلّما يُقال بهذه الصراحة في أروقة المنظمة الدولية.

كما برزت في المؤتمر كلمة وزير الخارجية السعودي، التي أكدت التزام المملكة التاريخي والثابت بدعم الحقوق الفلسطينية، ورفضها للعدوان والاستيطان. الكلمة جاءت قوية ومباشرة، وشكّلت انعكاسًا لدور سعودي متقدم يسعى إلى إعادة الزخم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، انطلاقًا من مكانة المملكة وثقلها السياسي والدولي.

مصر… حضور محوري رغم الضغوط

أما مصر، فقد جاء ذكرها في كلمات عدة دول، لما لها من دور محوري في دعم الشعب الفلسطيني، رغم الضغوط السياسية ومحاولات الاستهداف الإعلامي التي تتعرض لها. لقد كانت القاهرة منذ بداية الأزمة طرفًا أساسيًا في تقديم المساعدات، ورفضت بشكل حازم محاولات تهجير الفلسطينيين، في موقف يعكس تمسكها التاريخي بالقضية الفلسطينية، وحرصها على حماية وحدة الأرض الفلسطينية.

ولم يغب عن المؤتمر ذكر المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، التي ترافقت مع جهود دبلوماسية لاحتواء التصعيد، ما يرسّخ دور مصر كطرف موثوق في دعم السلام العادل والشامل، رغم المحاولات الإسرائيلية المتواصلة لتفكيك الموقف العربي الجماعي والاستفراد ببعض الدول.

مواقف دولية وشعبية تتسع… ودعم أمريكي مباشر يعطّل إرادة العالم

رغم محاولات الولايات المتحدة إفشال المؤتمر، وغيابها المتعمد عن الجلسات، إلا أن كلمات ومواقف العديد من الدول الأوروبية والأممية شكّلت تحولًا نوعيًا في الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فقد أعلنت دول مثل إسبانيا، النرويج، أيرلندا، واسكتلندا مواقف صريحة ترفض العدوان الإسرائيلي، وتدعم الاعتراف بدولة فلسطين، بل إن بعضها ترجم هذا الموقف إلى خطوات عملية، ما يعكس تنامي الضيق الأوروبي من استمرار الاحتلال وممارساته.

وفي المقابل، تُواصل بعض الدول الكبرى، مثل بريطانيا، تبنّي مواقف ملتبسة أو داعمة ضمنيًا لإسرائيل، بما يحافظ على حالة الانقسام داخل أوروبا تجاه الصراع.

على الصعيد الشعبي، شهدت عدة عواصم حول العالم، من واشنطن إلى لندن، ومن باريس إلى كيب تاون، مظاهرات حاشدة تُدين الجرائم الإسرائيلية وتطالب بوقف العدوان ورفع الحصار عن غزة. هذه التحركات أكدت أن القضية الفلسطينية لا تزال قضية إنسانية عالمية، تتجاوز الحسابات السياسية.

ومع ذلك، يُقابل هذا الرفض الدولي الواسع بموقف أمريكي منحاز بالكامل، إذ لا تكتفي واشنطن بالصمت، بل تقدم الدعم السياسي والعسكري والمالي لإسرائيل، وتوفر لها غطاءً كاملاً في مجلس الأمن، ما يعطّل أي محاولة لفرض قرارات دولية ملزمة، ويُحول دون محاسبة الاحتلال على جرائمه.

إن هذا الدعم الأمريكي المباشر هو ما يجعل إسرائيل تضرب بالقانون الدولي عرض الحائط، ويُعمّق من عجز المجتمع الدولي في وقف العدوان أو حماية المدنيين الفلسطينيين.

استخفاف أمريكي واضح وتحدٍ للإجماع الدولي من أجل السلام

أظهرت الولايات المتحدة موقفًا صارخًا من المؤتمر، عبر غيابها المتعمد ومحاولات إفشاله الدبلوماسية، مما يُعدُّ تحديًا صريحًا للإجماع الدولي الداعي إلى حل عادل وشامل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

هذا الموقف الأمريكي يعبّر عن استخفاف واضح بالجهود الدولية التي تسعى إلى وقف العدوان وإرساء السلام، ويُكرّس حالة الانقسام الدولي، مما يُضعف من فعالية أي تحرك أممي أو دبلوماسي.

وفي ظل هذا الدعم غير المشروط لإسرائيل، يصبح من الصعب تحقيق أي تقدم ملموس، ويُترك الفلسطينيون عرضةً لاستمرار الانتهاكات والاعتداءات دون رادع.

قرارات متوقعة… وضغط أممي يتنامى

من المنتظر أن يُختتم المؤتمر، يوم الأربعاء، بإصدار مجموعة من القرارات الرمزية والسياسية، أبرزها:

تجديد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.

التأكيد على حل الدولتين وفق حدود 1967.

الدعوة إلى وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال.

تقديم دعم مالي وإنساني عاجل للفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة.

ورغم أن هذه القرارات قد لا تكون ملزمة قانونيًا، إلا أنها تعكس عزلة إسرائيل المتزايدة على الساحة الدولية، وتُظهر أن هناك إرادة سياسية تتبلور حول العالم لإعادة الاعتبار للحقوق الفلسطينية.

أمل يتجدد

في الختام، يُمكن القول إن هذا المؤتمر يُمثل إحياءً دبلوماسيًا لقضية كاد الصمت يطويها، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي، رغم انقساماته، لا يزال قادرًا على الوقوف في وجه الاحتلال ورفض السياسات الإسرائيلية العدوانية.

وفي انتظار توالي الكلمات والمواقف حتى ختام أعمال المؤتمر يوم الأربعاء، تتجه الأنظار إلى نيويورك، على أمل أن تتحول المواقف إلى قرارات، والقرارات إلى أفعال، تُعيد لفلسطين جزءًا من حقها الضائع.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى