رأي

الدكتور فرج بوخروبة يكتب.. الحقوق المعلبة حين يصبح القانون الإنساني سلاحًا للقوة ضد الضعيف!

في عصر تُرفع فيه شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة كأعلى مُثل حضارية تُمارس على أرض الواقع جرائم منظمة منهجية ضد شعب بأكمله دون أن يُحرك المجتمع الدولي ساكنًا إلا ما ندر وبما لا يُغيّر من واقع مأساوي نحن نتحدث بالطبع عن الشعب الفلسطيني الذي يُشرد من أرضه منذ أكثر من سبعة عقود ويُحاصر ويُقصف وتُهدم بيته فوق رأسه ويُمنع من حرية الحركة ويُعزل داخل جيتوه المُحاط بالأسلاك الشائكة بينما تُبنى المستوطنات على أرضه وتُجرف أرضه وتُدنس مقدساته وكل ذلك تحت أنظار العالم بل وبإسناده الصريح أو الصامت.

اقرأ أيضا: السودان في أسبوع.. جلسة أفريقية طائرة لبحث الأزمة.. ومطالب سياسية بفك الحصار عن الفاشر

إذا كنا نريد أن نكون عقلانيين حقًا فعلينا أن نواجه الحقيقة بجرأة لا يوجد نظام قانوني عالمي عادل هناك فقط نظام يُطبّق معايير مزدوجة تُبرر العدوان باسم الدفاع عن النفس وتُصوّر الاضطهاد كصراع وتُحوّل الضحية إلى معتدٍ والمعتدي إلى ضحية إسرائيل الكيان القائم على التهجير والاحتلال تُقدّم للعالم كدولة ديمقراطية في حالة دفاع بينما الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ والحق يُوصف بالإرهابي أو الطرف المتشدد في النزاع

انظر إلى قطاع غزة أكثر من مليوني إنسان يعيشون في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم محاصرين منذ أكثر من سبعة عشر عامًا يُمنعون من استيراد مواد البناء والكهرباء والوقود والدواء ويُقصفون دوريًا بأسلحة متطورة تُصنع في الغرب وتُموله الحكومات الأوروبية والأمريكية كل عملية عدوان تُسفر عن مئات الشهداء غالبيتهم من الأطفال والنساء وتُدمر البنية التحتية وتُعمّق الفقر وتُبقي الشعب على حافة المجاعة ومع ذلك تُصدر بعض الدول الغربية بيانات قلق أو ندعو إلى ضبط النفس من الطرفين وكأن المُحتل والمُحتلّ عليه المُحاصر والمُحاصر متساويان في الحقوق والواجبات

هذا ليس عقلانيًا هذا تزوير للواقع القانون الإنساني الدولي بما فيه اتفاقيات جنيف يُحظر صراحة تهجير السكان وتدمير الممتلكات المدنية وفرض الحصار الجماعي واستخدام القوة المفرطة وبناء المستوطنات على أرض محتلة كل هذه الجرائم تُرتكب من قبل إسرائيل بشكل يومي وتحت غطاء السيادة والحاجة الأمنية بينما تُستخدم نفس القوانين لمحاكمة آخرين وفرض عقوبات على دول أخرى لمجرد اتهامات أقل وضوحًا

الغرب الذي يدّعي أنه حامي حقوق الإنسان يُصبح شريكًا في الجريمة حين يُواصل دعمه السياسي والعسكري والمالي لدولة تنتهك أبسط مبادئ هذا القانون إن بيع الأسلحة والفيتو في مجلس الأمن والتمويل والدبلوماسية المُساندة ليست محايدة بل هي تواطؤ مباشر مع الظلم

الشعب الفلسطيني لم يُشرد لأنه أخطأ في حرب بل لأنه كان موجودًا على أرضٍ أُريد لها أن تكون يهودية لم يُحاصر لأنه يُهدد الأمن العالمي بل لأنه يرفض الاستسلام ويُصرّ على حقه في العودة وفي الحرية وفي الدولة هذا الحق الذي يُقرّه القانون الدولي يُهمّش في المفاوضات ويُختزل في حل الدولتين الذي لم يعد ممكنًا على الأرض بسبب التوسع الاستيطاني الممنهج

إذا كنا نؤمن حقًا بالقانون الإنساني فعلينا أن نُطبّقه دون تمييز لا يمكن أن يكون القانون أداة للعدالة حين يخدم مصالح الغرب وأداة للتغطية حين يُنتهك ضد الشعوب المضطهدة لا يمكن أن نُنادي بالحرية في أوكرانيا ونُصمت أمام سجن الأطفال في فلسطين لا يمكن أن نُدين التدخل في سوريا ونُبرر احتلال القدس

الحق والعدل والحرية والكرامة ليست شعارات ديكور هي مبادئ يجب أن تُطبّق على الجميع أو لا تُطبّق على أحد وإلا فإن كل ما نُنادي به من قيم ليس سوى حقوق مُعلّبة تُباع للقوي وتُسلب من الضعيف

على العالم أن يختار إما أن يُطبّق القانون بعدل فيُطالب إسرائيل بالانسحاب ويدعم العودة ويرفع الحصار ويُحاسب المجرمين أو أن يعترف بصراحة بأنه لا يؤمن بهذه المبادئ وأن ما يُسمّى القيم الغربية ما هي إلا غطاء لمصالح استراتيجية وتحالفات سياسية وتمييز عنصري مُقنّع

أما الشعب الفلسطيني فسيظل صامدًا ليس لأنه يملك القوة بل لأنه يملك الحق والحق في النهاية لا يُقاس بالسلاح بل بالصدق بالصبر وبالإرادة ومهما طال الليل فإن الفجر لا يُسترد بالسكوت بل بالصراخ والنضال والإيمان بأن العدالة ولو تأخرت آتية..

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى