رأي

 د. عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. أي دور للبرنامج الانتخابي في الحياة السياسية؟

يعرّف محللون سياسيون، البرنامج الانتخابي، بكونه عبارة عن دفتر تحملات يلزم المنتخب بوعوده المسطرة في برنامج الحزب الذي ينتمي إليه، حتى لا يصبح بائع أوهام ومسوق أماني، وهو، برأيهم، أداة تواصل ووسيلة إقناع، هدفه استمالة الناخب ليصوت عن بينة، وهذه وظيفته الأولى، أما وظيفته الثانية، فيقول المحللون، وهي كونه مرجع تقييم لأداء المنتخب خلال مدة انتدابه من قبل الناخبين.

اقرأ أيضا: محمد فتحي الشريف يكتب.. مجلة “العرب” الدولية خطوة نحو العالمية

يعد الحديث عن البرامج الانتخابية لدى الأحزاب السياسية في المغرب، حديثًا سابقًا لأوانه، وذلك لعدة اعتبارات؛ أهمها أن أحزابنا لم ترقَ بعد إلى هذا المستوى، فهي لا تزال تجتر ذيول الماضي، ولم تستطع رغم الخطابات البراقة ورغم ما عرفته الساحة السياسية من إصلاحات، أن تستقل بذاتها وتكون شخصية خاصة بها.

فالبرامج التي ترددها جميع الأحزاب في حملاتها الانتخابية، تتميز بأنها برامج شكلية ووهمية وغير واقعية، تسعى من خلالها إلى إيهام الشعب المغربي عن طريق تذبيج الوعود الكاذبة التي لا تمت للواقع بأي صلة، والدليل على ذلك أن حزب “العدالة والتنمية” مثلًا سبق أن وعد الشعب المغربي في انتخابات تشريعية سابقة، بجملة من الوعود؛ أبرزها الحد من أزمة البطالة عن طريق تحقيق الآلاف من مناصب الشغل، لكنه لم يفِ ولو بجزء قليل منها.

ولذلك لا يتصور حتى من قبل هذه الأحزاب، أن يكون للبرامج الانتخابية أدنى تأثير في حسم اختيار الناخبين لهذا الحزب أو ذاك، طيلة كل الانتخابات التي عرفها المغرب منذ بداية الاستقلال وحتى الانتخابات المقبلة، كما لا يتصور أن يكون لهذه البرامج تأثير بسبب ضعف السلط المخولة للأجهزة المنتخبة، وسيادة برنامج الدولة، وبسبب كذلك ضعف وسائل تواصل الأحزاب مع المواطنين، خصوصًا في ظل احتكار الدولة للإعلام العمومي، وبسبب تفشي ظاهرة الجهل والأمية.

ومن هذا المنطلق، فإن الأحزاب لا تجهد نفسها، ولا تبذل أي مجهود في صياغة برامجها الانتخابية، وذلك لأنها تعرف مسبقًا أنها لا تؤثر في نتائج التصويت، ولكنها مع ذلك تلجأ إلى تدبيج كتابات تطلق عليها نعت البرنامج الانتخابي حتى تكتمل اللعبة، ويظهر كما لو أن الأحزاب تتنافس بشكل نزيه وديمقراطي على أصوات المواطنين.

يحدث ذلك، في الوقت الذي تصطدم فيه هذه الأحزاب أثناء صياغتها لبرامجها الانتخابية بمجموعة من العقبات؛ أهمها ضعف المعطيات وضغط الوقت، ولذلك غالبًا ما تأتي هذه البرامج متشابهة، حتى وصل الأمر ببعض الأحزاب إلى اتهام بعضها بعضًا بالسرقة، وأسهم في هذا الأمر تلاقي المرجعيات الأيديولوجية وتقارب المواقف السياسية بين الأحزاب رغم اختلاف مواقعها، حتى إن أحزاب الكتلة في انتخابات سنة 1997، كانت تروج بأن هناك 300 إجراء ستصلح الوضع، ولن تكلف الميزانية شيئًا ويمكن اتخاذها في يوم واحد بعد الانتخابات، وهو الوعد الذي عجزت عن الوفاء به بعد نجاحها، وقد برر الوزير الأول آنذاك عبد الرحمن اليوسفي، عجز حكومته في حوار مع مجلة فرنسية بقوله: “كنا واهمين فاكتشفنا أن الإجراءات التي لا تكلف الميزانية أشد صعوبة في التطبيق من غيرها”.

ثم إننا لا نكاد نجد وسط هذه البرامج الانتخابية المتعددة، برنامجًا تنمويًا حقيقيًا، يستند إلى قواعد واضحة أيديولوجية أو مرجعية، ويسطر نموذجًا تنمويًا منشودًا يناضل الحزب سياسيًا من أجل تحقيقه في حالة تسييره للشأن العام ورئاسته للحكومة المقبلة، وهو ما يفترض أن يكون أساس التنافس السياسي والانتخابي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

فالأحزاب السياسية المغربية لا تدافع عن طبقة اقتصادية أو اجتماعية بعينها، ولا تحرص على مصالح فاعلين اقتصاديين أو مهنيين بشكل محدد، وإنما نجد في غالبية البرامج الحزبية، مزيجًا من كل النظريات الاقتصادية والنماذج التنموية الكبرى بالعالم، وهو ما يؤدي للتشابه الكبير حد التطابق بين مختلف هذه البرامج.

فجميع الأحزاب تؤكد في وثائقها المرجعية أنها تهدف لتحقيق التنمية الاقتصادية بنفس الآليات، وأصبحت كلها تدافع خلال السنوات الأخيرة عن الطبقة الوسطى لمجرد أن الدولة أصبحت مقتنعة بأهمية هذه الطبقة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، في حين أن الهوِيات الأيديولوجية المختلفة للعديد من هذه الأحزاب لا تنسجم بالمرة مع هذا الطرح.

وعلاقة بما سبق، فإن بلادنا لا تزال بعيدة كل البعد عن ممارسة العمل الديمقراطي الحقيقي على الرغم من مباشرتها لمجموعة من الإصلاحات في شتى المجالات، كما أن هذه الحقائق رغم بساطتها ما زالت بعيدة عن كثير من الأذهان لدى العاملين في الحقل السياسي المتشبثين بفتح ورش جديدة لإصلاح الأنظمة الانتخابية، معتقدين أن هذا الإصلاح قد يحقق الهدف المطلوب، في حين أن الأمر يحتاج إلى بذل كثير من الجهد للوصول إلى نتائج جيدة تعود بالخير على البلاد والعباد.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى