تقدير موقف

الحوار السوداني.. بين وقف الحرب وبناء الدولة

رضا عبدالعزيز- وحدة الدراسات السياسية

في منتصف أغسطس الجاري، عاد الحوار السوداني-السوداني إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان موافقة الدولة على توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لمبادرة تدعو إلى حوار شامل داخل البلاد، مع التأكيد على ألا تتولى الدولة تنظيم الحوار أو تحديد أجندته ومخرجاته. وجاء الإعلان في وقت لا تزال فيه الحرب مفتوحة على جبهات عدة، فيما تتسع الكلفة الإنسانية ويتعثر الوصول إلى تسوية تنهي القتال.

وتكتسب الدعوة أهميتها من توقيتها بقدر ما تستمدها من مضمونها. فهي تأتي بعد مشاورات سياسية استمرت أشهرًا، وفي ظل محاولات لإعادة تحريك المسار السياسي السوداني، لكنها تأتي أيضًا بينما تتواصل العمليات العسكرية. إذ شهدت مدينة الأبيض هجمات بالطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تصعيد عسكري في كردفان، فيما ظل الصراع قائمًا في دارفور ومناطق أخرى.

وهنا يبرز السؤال الأول: هل يمكن لحوار سياسي أن ينجح فيما الحرب مستمرة؟

الإجابة لا تتوقف على وجود الحرب في حد ذاته، وإنما على العلاقة التي ستنشأ بين المسارين السياسي والعسكري؛ فالحوار يمكن أن يبدأ قبل انتهاء القتال إذا كان جزءًا من عملية تقود إلى وقفه، لكنه يصبح أكثر عرضة للفشل إذا تحول إلى مسار منفصل يبحث في استكمال مؤسسات الحكم بينما تبقى الحرب خارج جدول أعماله.

وهذا هو أحد مصادر القلق التي عبرت عنها قوى سياسية تجاه المبادرة. فقد اعتبرت قيادات سياسية أن الأولوية ينبغي أن تنصرف إلى وقف القتال، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، منتقدين ما يرونه تركيزًا على استكمال مؤسسات الحكم قبل معالجة الحرب. في المقابل، رحبت اتجاهات سياسية أخرى بالدعوة، معتبرة الحوار الوطني الشامل والملكية السودانية للعملية السياسية مدخلًا للتوافق وبناء السلام.

لكن الخلاف بين الطرفين لا ينبغي أن يحجب مسألة أكثر جوهرية: الحرب والحوار ليسا مسارين متعارضين بالضرورة، لكن نجاح أحدهما يتوقف إلى حد بعيد على موقعه من الآخر؛ فإنهاء الحرب يحتاج إلى ترتيبات عسكرية وأمنية، وإلى تفاوض قادر على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وفتح ممرات المساعدات. وفي المقابل، فإن وقف القتال، مهما كان ضروريًا، لن يعالج وحده الأزمة التي قادت إلى الحرب. السودان يحتاج إلى معالجة سياسية لمسائل الدولة والانتقال السياسي والعلاقة بين المدني والعسكري، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة، وإدارة التنوع.

ومن ثم، فإن السؤال ليس ما إذا كان الحوار يسبق نهاية الحرب أو يليها، وإنما هل يستطيع أن يصبح جزءًا من الطريق المؤدي إلى نهايتها، أم يتحول إلى عملية سياسية موازية لها؟

اقرأ أيضا: وفد الطالبات السودانيات بطب الإسكندرية يزور جناح مؤسسة رسالة السلام بمعرض الإسكندرية الدولى للكتاب

استكمال المؤسسات.. أم معالجة أصل الأزمة؟

يزداد السؤال تعقيدًا مع حديث البرهان عن بدء حوار مع القوى الوطنية لإشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، ومن بينها تشكيل المجلس التشريعي، باعتبار ذلك استحقاقًا دستوريًا؛ فاستعادة المؤسسات الدستورية ليست في ذاتها هدفًا يمكن الاعتراض عليه؛ إذ لا يمكن لدولة أنهكتها الحرب أن تبقى بلا مؤسسات فاعلة إلى أجل غير معلوم. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح استكمال مؤسسات الحكم هو الأولوية السياسية، فيما تظل الحرب قائمة ولم تتحدد بعد تسوية مقبولة لطبيعة المرحلة الانتقالية.

وهنا تبدو الحاجة إلى ترتيب مختلف للأولويات، لا إلى إلغاء أحدها. فبناء مؤسسات الدولة جزء من الحل، لكنه لا يمكن أن يحل محل إنهاء الحرب. كما أن الحوار الذي يقتصر على تشكيل مؤسسات سياسية جديدة قد يعيد إنتاج الخلاف نفسه في صورة أخرى إذا لم يتعامل مع أسباب الصراع وموازين القوة التي أفرزتها الحرب.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن أطرافًا سودانية مختلفة لا تنظر إلى المرحلة الحالية بالطريقة نفسها. فبينما يرى حلفاء الجيش أن الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع عودة ميليشيا الدعم السريع إلى السلطة يمثلان شرطًا أساسيًا لأي تسوية، ترى قوى مدنية أخرى أن استمرار الحرب يجعل أي ترتيبات سياسية داخلية معرضة لأن تعكس ميزان القوى العسكري بدل أن تنتج توافقًا وطنيًا جديدًا. وقد أكد البرهان في خطابه الأخير انفتاحه على مبادرات السلام، مع رفضه عودة قيادة الدعم السريع إلى السلطة.

وهذه المواقف لا تجعل الحوار مستحيلًا، لكنها تجعل قواعده أكثر أهمية من الدعوة إليه.

من يشارك في الحوار؟

لا يمكن تصور تسوية تنهي الحرب من دون حضور القوى التي تملك القدرة الفعلية على وقف القتال. ولذلك فإن مشاركة أطراف الحرب في أي مسار تفاوضي جاد تبدو ضرورة عملية، لا تنازلًا سياسيًا.

لكن مشاركة أطراف الحرب لا تعني أن يصبح الحوار حوارًا عسكريًا، أو أن ينحصر مستقبل السودان في التفاهم بين القوتين المسلحتين. فالجيش وميليشيا الدعم السريع يملكان جانبًا أساسيًا من القدرة على وقف القتال، لكن مستقبل الدولة لا يملكه السلاح وحده.

ومن هنا تبرز ضرورة الجمع بين مسارين: تفاوض مباشر بين الأطراف القادرة على وقف الحرب، وحوار وطني أوسع يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمعيون وأصحاب المصلحة في مستقبل البلاد.

وتكشف المشاورات التي سبقت الدعوة الحالية عن اتجاه نحو توسيع قاعدة المشاركة لتشمل القوى السياسية والحركات المسلحة والإدارات الأهلية وقيادات المجتمع والمهنيين. وهذا الاتجاه يمكن أن يوفر للحوار قاعدة أوسع، شرط ألا تتحول المشاركة إلى مجرد حشد سياسي، وأن تكون معاييرها واضحة ومتوازنة.

ما الذي يجعل الحوار مثمرًا؟

تبدأ المصداقية من تحديد الغاية. فإذا كان الحوار يستهدف إنهاء الأزمة، فينبغي أن يكون وقف الحرب وحماية المدنيين والاستجابة الإنسانية في صلب أجندته، لا موضوعات مؤجلة إلى مرحلة لاحقة.

ثم تأتي مسألة التمثيل. فلا يمكن أن يقتصر الحوار على القوى التي توجد في الخرطوم أو على النخب السياسية الأكثر حضورًا في الإعلام. فالحرب أعادت رسم الخريطة الاجتماعية والسياسية للسودان، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح، وألحقت أضرارًا واسعة بالمناطق التي أصبحت طرفًا مباشرًا في الصراع. ولذلك فإن أصوات النازحين والمجتمعات المتضررة والنساء والشباب والإدارات الأهلية والقوى المهنية والمجتمع المدني لا ينبغي أن تكون حضورًا رمزيًا.

ويحتاج الحوار كذلك إلى جهة تحضيرية تحظى بدرجة عالية من الثقة، تكون مهمتها الاستماع إلى الأطراف المختلفة، لا إعداد صيغة جاهزة ثم البحث عن مؤيدين لها. كما ينبغي الاتفاق مسبقًا على قواعد المشاركة، والضمانات القانونية والأمنية، وطبيعة المخرجات، وآليات تنفيذها.

والضمانات التي أعلنها البرهان تمثل خطوة في هذا الاتجاه، خصوصًا ما يتعلق بوقف بعض الإجراءات الجنائية وتوفير حماية للمشاركين. لكن من الضروري التمييز بين الحماية التي تتيح المشاركة السياسية وبين إسقاط المسؤولية عن الجرائم. فالضمانة التي تحمي حرية الرأي داخل جلسات الحوار لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة عامة من المساءلة.

كما أن طلب الضمانات من الدولة لا يعني أن الدولة تملك الحوار. الدولة مطالبة بتأمين المشاركين وتهيئة الظروف القانونية والأمنية، بينما ينبغي أن تبقى عملية تحديد المشاركين والأجندة والمخرجات خاضعة لتوافق أوسع من سلطة واحدة.

أزمة السودان في سياق إقليمي

لا يمكن فصل الحرب السودانية تمامًا عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة: انتشار الجماعات المسلحة، تعدد مراكز القوة، انتقال السلاح عبر الحدود، تنامي أدوار القوى الخارجية، وتراجع قدرة الدولة الوطنية على احتكار القوة وتنظيم المجال السياسي.

وفي السودان أخذت هذه الأزمة شكلًا بالغ القسوة. فالصراع الذي اندلع في أبريل 2023 تحول إلى حرب واسعة خلّفت أكبر أزمات النزوح في العالم؛ وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 15 مليون سوداني أُجبروا على مغادرة منازلهم، أي ما يقارب ثلث السكان. كما يحتاج 33.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، فيما أدى القتال إلى انهيار واسع في الخدمات الأساسية وتفاقم الجوع والمرض.

وهذا البعد الإنساني يجعل إنهاء الحرب أولوية تتجاوز الحسابات السياسية للأطراف. فكلما طال أمد القتال، اتسعت دائرة النزوح والجوع وانهيار الخدمات، وتزايد خطر أن تتحول الانقسامات العسكرية والجغرافية إلى واقع دائم يصعب تفكيكه.

ومن هذه الزاوية، فإن الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية يتطلب في الوقت نفسه إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة. ولا يمكن بناء استقرار مستدام مع بقاء السلاح موزعًا بين ميليشيات وجماعات متنافسة، كما لا يمكن اختزال استعادة الدولة في إعادة ترتيب مؤسسات الحكم وحدها.

بين ثلاثة مسارات

يبدو الحوار السوداني أمام ثلاثة احتمالات رئيسية.

الأول أن يتحول إلى عملية سياسية تركز على استكمال مؤسسات الحكم، وفي هذه الحالة سيظل معرضًا للاعتراض من القوى التي ترى أن وقف الحرب يجب أن يسبق أي ترتيبات سياسية جديدة.

والثاني أن يتحول إلى مؤتمر سياسي واسع لكنه منفصل عن مسار وقف القتال، فيصبح إضافة إلى سلسلة المبادرات السابقة من دون قدرة فعلية على تغيير مسار الحرب.

أما الاحتمال الثالث، والأكثر ارتباطًا بمصلحة السودان، فهو أن يصبح الحوار جزءًا من عملية متكاملة: تفاوض يفضي إلى وقف الحرب، ومسار إنساني يحمي المدنيين، وحوار وطني يعالج جذور الأزمة، ثم ترتيبات سياسية ودستورية تفضي إلى مؤسسات شرعية ومستقرة.

ولا يكفي للوصول إلى هذا المسار إعلان النيات أو إطلاق الدعوات. المطلوب اتفاق مسبق على قواعد العملية، وضمان مشاركة القوى القادرة على التأثير في وقف الحرب، وتوسيع التمثيل ليشمل المجتمع السوداني، وربط الحوار بمسار أمني وإنساني واضح، مع إبقاء قضايا العدالة والمساءلة خارج أي مساومات تؤدي إلى الإفلات من العقاب.

تبدو الدعوة إلى الحوار فرصة سياسية، لكنها لا تزال في مرحلة الاختبار. وما سيحدد مستقبلها ليس اسم الجهة التي طرحتها ولا حجم الترحيب بها أو الاعتراض عليها، وإنما قدرتها على الإجابة عن الأسئلة الأصعب: كيف توقف الحرب؟ من يشارك؟ من يضمن؟ وكيف تتحول المخرجات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ؟

فإذا استطاع الحوار أن يربط بين وقف الحرب وإعادة بناء الدولة، فقد يصبح مدخلًا إلى تسوية سودانية أوسع. أما إذا انفصل المسار السياسي عن الحرب، أو اختُزل في استكمال مؤسسات الحكم، فإن الخلاف حوله سيبقى قائمًا، وربما يتحول الحوار نفسه إلى جبهة جديدة من جبهات الصراع السياسي.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى