التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية للصين: الوقت حان لإظهار القوة

الدكتور/ أشرف ممتاز
ظلت السياسة الخارجية للصين لعقود ترتكز على مبدأ استراتيجي صاغه الرئيس الصيني الأسبق دنج شياو بينج بمقولته “اخف قدرتك وانتظر وقتك” خلال فترة الانفتاح والإصلاح الاقتصادي للصين والذي قاده دنج مطلع ثمانينات القرن الماضي متبعا نهجا براجماتيا في التحول الاقتصادي والسياسي للصين. تاريخيا يعود مفهوم إخفاء القوة وانتظار الوقت المناسب الى القائد العسكري والفيلسوف الصيني “سن تزو” في كتابه “فن الحرب” عام 475 قبل الميلاد، والذي دعا فيه الى تجنب إظهار القوة بشكل علني مع التركيز على بناء القدرة الداخلية بصبر حتى يحين الوقت الملائم للظهور كقوة مؤثرة. وعندما تولى دينج شياو بينج القيادة خلال الفترة من (1978-1992)، تبنى سياسة خارجية حذرة جنب فيها الصين المواجهات الدولية واستفزاز القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة، مفضلا التركيز على إصلاح الاقتصاد الصيني وتحقيق طفرة في الصحة والتعليم والبنية التحتية. ومع تحول الصين الى قوة اقتصادية عظمى استمرت السياسة الخارجية الصينية في نهجها الرامي إلى تجنب النزاعات الدولية والسعي الى إقامة علاقات خارجية قائمة على التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة. إلا أن عام 2025 شهد تحولا ملحوظا في سياسة بكين من استراتيجية “إخفاء القدرة” الى “اظهار القوة” خلال ثلاث أزمات رئيسية واجهت بكين خلال الأشهر السابقة.
اقرأ أيضا: الدكتور/ أشرف ممتاز يكتب.. 4 ملفات في جولة وزير خارجية الصين بالمنطقة العربية
الأزمة الباكستانية الهندية
في 23 أبريل 2025، اندلعت أزمة دبلوماسية بين الهند وباكستان -الحليف الجيوسياسي للصين -بعد هجوم إرهابي في وادي بايساران بكشمير، والذي أسفر عن مقتل 25 سائحًا وإصابة أكثر من 20 آخرين، اتهمت الهند اسلام آباد بدعم الإرهاب عبر الحدود، وبدأت عمليات طرد دبلوماسي وتعليق التأشيرات وإغلاق الحدود والانسحاب من معاهدة مياه نهر السند، بينما أنكرت باكستان هذه الاتهامات وردت بطرد دبلوماسي وتعليق التأشيرات وقيود تجارية وإغلاق المجال الجوي والمعابر الحدودية. وتواصل التصعيد حين غادرت حاملة الطائرات الهندية INS Vikrant الميناء للانتشار في بحر العرب باتجاه باكستان واشتبكت القوات الباكستانية والهندية وتبادلت إطلاق النار في مواقع متعددة على طول خط المواجهة. باكستان من جانبها لم تتردد في التصعيد حيث أعلنت عن شن عملية عسكرية “البنيان المرصوص” واستهدفت بغارات جوية مخازن صواريخ وقواعد جوية هندية، وأعلنت باكستان أنها أسقطت 5 طائرات من سلاح الجو الهندي من بينها 3 طائرات رافال فرنسية الصنع.
أدركت واشنطن سريعا حجم الصفعة التي تلقتها شريكتها الأهم في مواجهة النفوذ الصيني، فطالبت الإدارة الامريكية الهند عبر اتصالات مكثفة من مارك روبيو وزير الخارجية بقبول التهدئة والا فان استمرار النزاع قد يؤدي الى عواقب لا يمكن للهند السيطرة عليها وقد تدفع الولايات المتحدة نفسها أثمانا استراتيجية باهظة لتداعيات تلك الأزمة. ولم يتجاوز الأمر أياما حتى رضخت الهند لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العاشر من مايو عن اتفاق لوقف النار شامل وفوري بين الجارتين.
وقد شكل هذا النزاع صدمة سياسية لنيودلهي، فحسابات الهند لم تتوقع مقدار التفوق العسكري الذي منحته الصين عبر سنوات الى حليفتها باكستان في مواجهة خصمها الأبرز في آسيا. فالهند، وبالرغم من امتلاك الهند واحدًا من أكبر الجيوش في العالم، تكبدت في هذه الأزمة خسائر ذات بعد رمزي وعسكري كبير. فمقاتلات سلاح الجو الباكستاني من طراز J-10C تمكنت للمرة الأولى من اسقاط طائرات الرافال، والتي ظنت الهند انها ستمنحها السيادة الجوية على مناطق النزاع، ما يعيد تشكيل معادلات القوى العسكرية في القارة الآسيوية.
الصين استثمرت الأزمة في تحقيق عدة انتصارات استراتيجية في سياق سياسة التقدم للأمام، أولها ارسال بكين رسالة لا لبس فيها بأنها لا تتخلى عن حلفائها ولا تمنحهم دعما اقتصاديا وسياسيا فحسب بل باتت تضمن لهم التفوق العسكري النوعي. ثانيا: تقليص النفوذ الهندي في آسيا، فمنذ اليوم الأول للنزاع تدخلت الصين بحسم لدعم باكستان لوجستيا عبر دعم عسكري واستخباراتي ضمن لإسلام آباد التفوق على الأرض وفي الجو على امتداد أيام الاشتباكات مع الجانب الهندي، وكان لبكين ما أرادت، فالهند لم تخسر نزاعا مسلحا فحسب، بل تلقت ضربة قاسية لهيبتها العسكرية ونفوذها الإقليمي حسمت معه الصين قيادتها لآسيا في السنوات القادمة. ثالثا: ألحقت الصين ضررا مباشرا بسمعة السلاح الغربي، فإسقاط مقاتلات الرافال “درة تاج سلاح الجو الفرنسي” بعث تحذيرا لدول العالم بأن الصين باتت لاعبا رئيسيا في سباق التسلح وأنه يمكن الثقة بالسلاح الصيني كبديل ذي كفاءة وتكنولوجيا عالية مقابل تكلفة أقل بكثير عن الأسلحة الغربية.
انعكاسات النجاح الصيني خلال تلك الأزمة ظهر جليا في الزيارة التي قام بها ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي الي الصين في أغسطس الماضي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، والتقى خلالها الرئيس الصيني شي جين بينج، في لقاء وصف بــ “التاريخي” لإعادة رسم مسار العلاقات الثنائية، حيث ظهر “مودي” متراجعا في موافقه المتشددة تجاه الملفات الخلافية مع بكين، فالمرونة بدت واضحة من جانب الهند في فتح صفحة جديدة للعلاقات مع الصين، و تم التوصل لاتفاق لإدارة الحدود واستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، وأبدت الصين من جانبها استعدادا نحو تخفيف القيود على بعض الصادرات الهندية. لقد أسهم الاسناد الصيني لباكستان ليس فقط في تحجيم النفوذ الهندي بل أدى الى خلق توازن جديد في اسيا “بعيد المدى” لأبعاد القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح بكين.
حرب الرسوم الجمركية
هذه المرة ليست كسابقتها، فعندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في ولايته الأولى عام 2018 فرض رسومًا جمركية على الواردات الصينية من الصلب (25%) والألومنيوم (10%) بهدف تقليص العجز التجاري الكبير مع الصين والذي يقدر بنحو 400 مليار دولار، بدت بكين مرتبكة في التعاطي مع تلك الحرب وتأثرت سلاسل التوريد الصينية الى دول العالم بشدة. الصين في ذلك الوقت تجنبت التصعيد المباشر مع الولايات المتحدة، وركّزت على التكيف الهيكلي بدلاً من الرد الانتقامي، وذلك عبر اللجوء الى أدوات غير جمركية (مثل التفتيش الجمركي، التأخيرات التنظيمية، أو تعديل معايير السلامة) كوسيلة ضغط غير مباشرة على واشنطن، مع الحفاظ على صورة “الشريك المسؤول”. وانحسرت الدبلوماسية الصينية في موقف دفاعي، خاصة في مواجهة اتهامات ترامب لها بسرقة الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا قسرًا من الشركات الأمريكية العاملة في الصين، كما لجأت إلى خفض سعر اليوان لدعم صادراتها الى الأسواق الأخرى.
وبعودة ترامب مجددا الى البيت الأبيض هذا العام، كانت الصين متهيأة للجولة الثانية من الحرب، فحينما أعلن الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحفي مطلع ابريل الماضي فرض وتعديل رسوم جمركية كبيرة بنسب تصل إلى 10% على مجموعة واسعة من شركاء أمريكا التجاريين وفرض رسوم مضاعفة على الصين (125%)، كان ذلك بمثابة إعلاناً عن تصعيد كبير في الحرب التجارية لترامب، يهدف إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي لصالح الولايات المتحدة، فشهدت الأسواق العالمية تراجعات قياسية ما دفع دول العالم وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، كندا واليابان في طلب التفاوض مع ترامب لإلغاء أو حتى لتقليل الرسوم. لكن الصين أبدت ردة فعل مغايرة ورفعت سقف التصعيد مع واشنطن الى حرب تجارية مفتوحة. فالرد من بكين جاء سريعا بفرض رسوم مضادة بنسبة 84% على سلع أمريكية (مثل فول الصويا، السيارات، والطائرات) بأسلوب “عين بعين”، مما عكس مقاربة تفاوضية صارمة. الولايات المتحدة تعد أحد أكبر أسواق التصدير للسلع الصينية، وتشير بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية الى أن إجمالي صادرات الصين في 2023 تجاوز 3.38 تريليون دولار، وبلغت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة حوالي 500 مليار دولار أمريكي وفقا لمكتب الإحصاءات الأمريكي (U.S. Census Bureau). إذًا، الولايات المتحدة شكّلت نحو 15% من إجمالي الصادرات الصينية، ومع ذلك كانت الصين أكثر قدرة هذه المرة على مواجهة واشنطن عبر حزمة من السياسات الوقائية للحد من تداعيات الحرب الجمركية.
أولا: نجحت بكين منذ عام 2018 في تنويع شركائها التجاريين بشكل ملحوظ، حيث عزّزت علاقاتها عبر اتفاقية RCEP (الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة) مع دول آسيا والمحيط الهادئ، وزادت صادراتها إلى دول “الجنوب العالمي” (أفريقيا، أمريكا اللاتينية، الشرق الاوسط)، كما دفعت بقوة بمبادرة “الحزام والطريق” لخلق طرق تجارية بديلة لسلاسل التوريد الخاصة بالبضائع الصينية، وبالتالي أصبحت السوق الأمريكية أقل حساسيّة نسبيا لمعدل النمو الصيني. وبحسب بيانات الجمارك الصينية نمت الصادرات الصينية بأكثر من 6% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025 على أساس سنوي، واستطاعت هذه الصادرات تعويض خسائرها في السوق الأميركية من خلال إعادة التوجيه إلى الأسواق البديلة، حيث شهدت هذه الصادرات ارتفاعا إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من 14%، وإلى دول آسيان “جنوب شرق آسيا” بـ 15,6%، فيما ارتفعت الصادرات الموجهة إلى أفريقيا بنسبة 56,6% وإلى أميركا اللاتينية بـ 15,2%.
ثانيا: ركّزت الصين على الاكتفاء الذاتي التكنولوجي عبر ضخ استثمارات هائلة في صناعات مثل أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، كما طوّرت الصناعات الصينية سلاسل توريد محلية لتجنب الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، فأصبحت قادرة على منافسة الشركات الأمريكية في مجالات مثل السيارات الكهربائية والبنية التحتية الرقمية.
ثالثا: لجأت الصين الى المعادن النادرة كورقة ضغط على الولايات المتحدة، اذ استبقت بكين أي خطوات أميركية تصعيدية لتفرض قيودا واسعة على تصديرها تتضمن إذنا حكوميا قبل تصدير أي منتج تزيد نسبة المعادن الصينية النادرة فيه عن 0.1%، ولا تقتصر قوة الصين في امتلاك نسبة هائلة من هذه المعادن بل بالتحكم واحتكار ما يراوح بين 85% إلى 90% من تقنيات تكريرها ومعالجتها. ويأتي معدن (الديسبروسيوم) في صدارة هذه المعادن لما يشكله من عنصر أساسي في صناعات المستقبل مثل السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، إضافة إلى التكنولوجيا العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.
رابعا: استخدام أدوات مالية ونقدية أكثر استقرارا، فقد اعتمدت بكين سياسة نقدية أكثر ثقة من خلال الحفاظ على استقرار سعر اليوان لتجنب إثارة موجة جديدة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، ودعمت استخدام اليوان الرقمي (e-CNY) في التجارة الدولية لتقليل الاعتماد على الدولار، إضافة الى عقد اتفاقيات المقايضة (Currency Swap Agreements) مع شركائها لتسهيل التجارة بالعملات المحلية.
خامسا: تبنت الصين مقاربة تركز على الدفاع عن مصالحها عبر الدبلوماسية الاقتصادية الناعمة ذات رؤية تعاونية واسعة لمحيطها الجيوسياسي. فسعت بكين عبر مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون لبناء كتلة اقتصادية بديلة للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وعرضت شراكات “ربح-ربح” مع دول غير غربية وعلى رأسها مصر والبرازيل وجنوب افريقيا، كما قدّمت الصين نفسها كداعم للاستقرار العالمي في مواجهة “الحمائية الأمريكية.”
وحصدت بكين ثمار تلك السياسات سريعا، ففي مايو الماضي، خففت واشنطن حدة الصعيد خلال المفاوضات مع الصين، اذ توصل الطرفان لهدنة 90 يوما تم بموجبها خفض الرسوم الجمركية مؤقتا على السلع الصينية إلى 30% على أن تطبق الصين ذات الشيء وتخفض الرسوم على السلع الأميركية إلى 10%، ثم تم تمديد هذه الهدنة لـ 90 يوما إضافية. وسعى ترامب الى لقاء الرئيس الصيني شي جينبينج على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي “آبيك” (APEC) بكوريا الجنوبية نهاية أكتوبر الماضي. استخدم ترامب خلال الاجتماع بالرئيس الصيني لهجة “ودية” حيث وصف اللقاء بـ “الرائع”، وأسفر الاجتماع عن اتفاق لتخفيض الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن على الصين، وإزالة القيود الصينية على تصدير المعادن الأرضية النادرة. وبعد عدة أيام من اللقاء، أجري ترامب اتصالا هاتفيا بالرئيس شي استمر لنحو الساعة أشاد خلاله ترامب بقوة العلاقات مع الصين، واصفا إياها بأنها “قوية للغاية”، وأعلن ترامب قبوله دعوة الرئيس شي لزيارة بكين في أبريل المقبل، على أن يزور الرئيس الصيني الولايات المتحدة في وقت لاحق من عام 2026.
لقد ربحت الصين في الجولة الراهنة من حرب ترامب التجارية، وانتقلت من سياسة الحذر ورد الفعل المرتبك إلى استراتيجية المبادرة طويلة المدى. الصين لم تعد تنظر إلى الحرب التجارية كصراع ثنائي مع أمريكا فحسب، بل كجزء من معركة أوسع من أجل إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بما يخدم مصالحها على المدى البعيد.
مواجهة مع الخصم التاريخي
مع مطلع نوفمبر الماضي، أيقظت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايتشي حول اعتزام اليابان التدخل عسكريا في حال قيام الصين بضم تايوان، إرثا تاريخيا من العداء تجاه الصين. فلطالما خضعت العلاقات بين الصين واليابان لتأثير الأحداث التاريخية، في مقدمتها الاحتلال الياباني للصين مع أوائل القرن العشرين والذي بلغ ذروته خلال الحرب العالمية الثانية، وتأتى هذه الحقبة ضمن ما يعرف في الذاكرة الصينية بـ “عصر الإذلال”، كذلك ارتكبت القوات اليابانية العديد من الجرائم الإنسانية من أشهرها “مجزرة نانجينج” عام 1938 والتي تعد أحد أكثر الأحداث دموية خلال حقبة الاحتلال، حيث ارتكب اليابانيون مجزرة ضد المدنيين في مدينة نانجينج، مما أسفر عن مقتل ما يزيد عن 300 ألف صيني، تاركة آثرا عميقا في الذاكرة الجمعية الصينية تجاه اليابان، ولا تزال أحداث الاحتلال تُدرس في المدارس الصينية، وتُعتبر جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية، كما تنظم احتجاجات شعبية ضد اليابان في المناسبات التاريخية، مما يعكس استمرار الغضب الشعبي تجاه اليابان طيلة تلك السنوات.
وتؤثر التوترات التاريخية أيضًا على النزاعات الإقليمية بين الصين واليابان، فمجموعة جزر دياويو تعد موضعا لنزاع بحري بين البلدين، وتعتبر اليابان الجزر جزءًا من أراضيها، وتديرها حاليًا، في حين تطالب الصين بالسيادة على الجزر، وتعتبرها جزءًا من أراضيها التاريخية، وتقع الجزر جغرافيا في منطقة استراتيجية في بحر الصين الشرقي، حيث تمر العديد من الطرق البحرية، ويعتقد أن المنطقة المحيطة بها غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك احتياطيات الغاز والنفط.
إذًا فالإرث التاريخي يشكل أساسًا مهمًا لفهم العلاقات بين الصين واليابان وهو ما يستمر أثره على العلاقات السياسية والشعبية بين البلدين، وبالرغم من ذلك سعت الصين لتجاوز الحساسيات التاريخية، ومدت يدها لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع طوكيو ضمن رؤية الصين لتحقيق التنمية المشتركة في النطاق الآسيوي، فمنذ عام 2017 والصين هي أكبر شريك تجاري لليابان بقيمة تبلغ 350 مليار دولار، وكذا تعد أكبر وجهة للصادرات اليابانية تشمل المعدات الصناعية، قطع السيارات، المكونات الإلكترونية، وتستورد اليابان تستورد من الصين المعادن النادرة، وهناك مشروعات مشتركة في الهيدروجين الأخضر، البطاريات، والبنية التحتية منخفضة الكربون، ومع تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، سعت اليابان للحفاظ على التعاون الاقتصادي مع الصين لحماية أمن سلاسل التوريد لأسواقها. ولكن الرئيسة الجديدة للحكومة اليابانية أغفلت كل تلك التشابكات الاقتصادية مع الصين.
الخلفية السياسية لتاكايتشي تعكس دوافع تصريحاتها ضد الصين، فالسيدة الأولى التي تتولى منصب رئاسة الوزراء في تاريخ اليابان تنتمي الى الحزب الليبرالي الديمقراطي ذو التوجه اليميني، وخلال مسيرتها السياسية عرف عن تاكايتشي مواقفها المناهضة للصين. ويعتقد المراقبون أن أيدلوجيا تاكايتشي قد ورثتها عن أباها الروحي رئيس الوزراء الأسبق “شينزو آبي”، فقد برزت خلال عهد آبي وتولّت وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات، ثم شغلت منصب وزيرة الدولة للأمن الاقتصادي. وفي مستهل توليها قيادة الحكومة اليابانية فاجأت تاكايتشي الجميع خلال كلمتها بالبرلمان بقولها إن “أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يشكّل تهديداً وجودياً لليابان، وقد يستدعى ردا عسكريا من طوكيو.”
تصريحات تاكايتشي فجرت بركانا كان يبدو خامدا في بكين، فأدت الى أزمة هي الأعنف مع الصين والتي اعتبرت هذه التصريحات تحدياً مباشراً لمبدأ “الصين الواحدة” وخطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. الرد الصيني جاء عنيفا وكشف عن جهل تاكايتشي بحسابات وموازين القوة الراهنة للصين مقارنة ببلدها، وكأنها حبيسة حقبة تاريخية بالية لم يعد لأثرها وجودا على أرض الواقع. وزارة الدفاع الصينية حين أكدت أن اليابان ستتكبد “ثمناً باهظا” لم يكن مجرد تصريحا رسميا، فمنذ اشتعال الأزمة لم تتوقف الصين عن اتخاذ إجراءات عقابية على اليابان سياسيا، عسكريا واقتصاديا.
سياسيا، اتخذت الصين إجراءات سياسية غير مسبوقة فور التصريحات، فاستدعت الخارجية الصينية السفير الياباني لدى بكين، بناء على “توجيهات من القيادات العليا”، لتقديم احتجاج رسمي شديد اللهجة بشأن تصريحات تاكايتشي، ويعد استخدام مصطلح “استُدعي بتوجيهات” أمراً نادراً في الدبلوماسية الصينية، ما يعكس خطورة الأزمة، إذ لم يكن مجرد اتصالا روتينيا، بل تحذيراً رفيع المستوى وحاد النبرة. كما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، أن رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج ألغي خططه للقاء رئيسة الوزراء اليابانية على هامش قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في جنوب إفريقيا نوفمبر الماضي.
عسكريا، أرسلت الصين رسائل تحذير غير مباشرة لطوكيو، فقد قامت مقاتلة الصينية من طراز J-15 بالإقلاع من على متن حاملة الطائرات الصينية “لياونينج” بالقرب من جزيرة أوكيناوا جنوبي اليابان، واستهدف رادارها طائرات مقاتلة يابانية من طراز F-15، وقامت المقاتلة الصينية بغلق رادار التحكم على وضع إطلاق النار والذي يمثل أحد أكثر الأعمال التي يمكن أن تقوم بها طائرة عسكرية تهديداً، لأنه يشير إلى هجوم محتمل، مما يجبر الطائرة المستهدفة على اتخاذ وضعية المراوغة.
وعلى الجانب الاقتصادي، فرضت بكين طوقا من العقوبات الاقتصادية على اليابان والذي يعانى اقتصادها انكماشا في النمو وارتفاعا في معدلات التضخم والبطالة، فحين حذرت الخارجية الصينية المواطنين الصينين من السفر الى اليابان، ألغى ملايين السياح الصينيون الذين يُشكلون نحو 25% إجمالي زوار اليابان سنوياً حجوزاتهم، مما أدى إلى تراجع أسهم الشركات المرتبطة بالسياحة والسفر، حيث هبط سهم شركة شيسيدو اليابانية بنسبة وصلت إلى 11%، وتشير تقديرات وكالة موديز أن انخفاض عدد السياح الصينيين بنسبة 50% سيؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لليابان بمقدار 0.2 نقطة مئوية على المدى القصير، كما قامت الصين بتعليق استيراد المأكولات البحرية اليابانية، ما اثر على مئات المصدرين اليابانيين. وعلى الرغم من تلك الإجراءات لم تقم الصين حتى الآن بتشديد الطوق الاقتصادي على جارتها، فلم تحظر استيراد البضائع اليابانية كما لم تتخذ اية خطوات تؤثر على سلاسل الامداد للصناعات اليابانية أو تعلق أيا من الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين.
نتائج رد الفعل الصيني تجلت سريعا، فقد تراجعت تاكايتشي عن تصريحاتها حين أكدت في مؤتمر صحفي أن الصين جارة مهمة لليابان، والجانبان بحاجة إلى بناء علاقات بناءة ومستقرة، وأن طوكيو “منفتحة دائما على الحوار” مع بكين. ولتخفيف حدة التوتر، زار مسؤول ياباني رفيع المستوى الصين مؤكدا للجانب الصيني ثبات اليابان على موقفها المنصوص عليه في بيانٍ مشترك صدر في عام 1972، والذي حدد التزامات واضحة على الجانب الياباني، وأسس لإطار دبلوماسي يعترف بسيادة الصين على تايوان ووضع ثوابت التعاون الاقتصادي بين البلدين.
إضافة الى ذلك، نجحت الصين في تصدير أزمة سياسية داخلية لتاكايتشي في مستهل رئاستها للحكومة، فقد وقعت عدة مظاهرات شعبية في طوكيو طالب خلالها المتظاهرون بسحب التصريحات وانهاء التوتر مع الصين، كما واجهت تاكايتشي عاصفة انتقادات من كبار السياسيين اليابانيين، من أبرزهم رئيس الوزراء السابق شيجيرو إيشيبا، والذي اعتبر أن تصريحات تاكايتشي كانت “قريبة جداً من الادعاء بأن أي طارئ في تايوان هو طارئ لليابان”، مشيراً إلى أن الإدارات السابقة تجنّبت عن قصد الإدلاء ببيانات حاسمة بشأن مثل هذه الفرضيات، وجرت العادة تفادي رؤساء الوزراء اليابانيين الإدلاء بتعليقات مباشرة بشأن الدفاع عن تايوان، فيما يعرف دبلوماسيا بـ “الغموض الاستراتيجي”. واعتبر يوشيهيكو نودا، رئيس الحزب الديمقراطي الدستوري الياباني، إن تاكايتشي “تجاوزت الحدود”، وكانت “متهوّرة إلى حد كبير”، ما وضع العلاقات الصينية اليابانية في وضع خطير. واتهم رئيس الوزراء السابق، يوكيّو هاتوياما، تاكايتشي، بأنها تسعى “لتأجيج الأزمة والدعوة لتعزيز القدرات العسكرية”، مؤكداً أن اليابان “تحترم حقيقة أن تايوان جزء من الصين، وأنها مسألة سياسية داخلية تخص الصين، ولا يجوز لليابان التدخل فيها”.
ومنذ بداية الأزمة لم تقدم واشنطن أي دعم رسمي لحليفتها الأهم في قارة آسيا، فلم يتدخل ترامب في تأييد تصريحات تاكايتشي والتزمت الإدارة الأمريكية الصمت تجاه ردود الأفعال الصادرة من بكين، كما لم تحظ تلك التصريحات بأية مساندة من الجيران الآسيويين حتى أولئك ذو الخلافات مع الصين مثل كوريا الجنوبية والهند، وفضل الجميع الحفاظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية مع الصين، فظهرت تاكايتشي معزولة عن أي دعم إقليمي أو دولي في مواجهة بكين.
القاسم المشترك بين الأزمات التي شهدتها السياسة الخارجية الصينية خلال العام الراهن ان الصين لم تصطنع تلك المواجهات، ولم تسع اليها، بل وجدت بكين نفسها في موضع فرض عليها التعامل معها ومواجهتها بمقاربة مختلفة عما اعتادت عليه الدبلوماسية الصينية، فالعقلية الصينية متدرجة بطبعها، لا تسعى للصدام مع الاخر بحكم الموروث الثقافي وطبيعة الحضارة الزراعية للصين والتي تفضل الثبات والاستقرار، إلا أن حتمية القوة، والمصالح الاقتصادية إضافة الى واقع الظروف الدولية الراهنة، عوامل قد تجعل من العام القادم شاهدا على براهين جديدة لاستراتيجية تقدم الصين نحو مشاركة الولايات المتحدة في قيادة العالم، وقد تسبقها في المستقبل القريب.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



