رأي

إسرائيل وتعطيش حواضر الشام… سياسة التهجير القسري الصامتة.

مع اشتداد أحداث السويداء بالجنوب السوري أول أمس، وما آلت إليه الأوضاع المزرية بعد إثارة إسرائيل القلاقل وتقليب دروز السويداء علي حكومة الجولاني بدمشق، طمعاً في تدخلها لزيادة نفوذها وتمددها الجيو-استراتيجي علي الأرض السورية، وبعد معارك واشتباكات ضارية أدت لمقتل ما لا يقل عن 100 شخص أغلبهم من دروز قري السويداء تزامناً مع اقتحام ميليشات جيش الشرع للسويداء والإعتداء علي الدروز الذين أسرعوا بطلب النجدة من الكيان المحتل. علي إثر تلك اللحظة التاريخية هَبَّت إسرائيل لنجدة ” إخوانهم الدروز السوريين” علي حد وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي وزادت علي ذلك أن قامت عصر اليوم بقصف القصر الجمهوري ومبني هيئة الأركان السورية بدمشق وأحدثت دماراً واسعاً، ما أسفر عن إصابة تسعة أشخاص إصابات بالغة. ليخرج بنيامين نتنياهو قائلاً إن الخط الأحمر لحدود إسرائيل هي السويداء، بعدما كان أقصي طموح الكيان هو القنيطرة منذ احتلال أجزاء من الجولان عقب هزيمة الخامس من يونيو1967.

اقرأ أيضا: هل يمثل دروز سوريا عاملا للوحدة أم خنجرا في خاصرة الوطن

حققت إسرائيل نجاحاً غير مسبوق في الإستراتيجية التي تبنتها في وقت سابق من هذا العام والمرتكزة علي التمدد إلي ما أبعد من الحدود، من خلال الانقضاض علي أراضي دول الجوار، للعمل علي التوسع في المنطقة العازلة كما الحال في جنوب غزة وجنوب لبنان، وبسط السيطرة لاحقاً علي الجنوب السوري بالكامل في درعا، والجولان وحالياً بالسويداء. وبذلك تظهر التطورات على الأرض أن الإستراتيجية الأمنية الجديدة لـ “إسرائيل” لم تعد مجرد خطط للدفاع تعتمد على التحصينات والتكنولوجيا، بل أصبحت تُستخدم كذريعة لإعادة السيطرة العسكرية على الأرض تماماً كما في أحداث السويداء وأظنها لن تنتهي عند حدود تلك المنطقة. والإغرب في تلك الاستراتيجية تبني الكيان أمراً آخر في غاية الخطورة وهو استحواذه علي جميع منابع المياه والمياه الجوفية في الجنوب السوري بهضبة الجولان وجبل الشيخ، كجزء من الاستراتيجية طويلة الأمد التي تنتهجها حكومة الكيان لأجل السيطرة علي موارد المياه بالشام.

ففي الأول من يناير من هذا العام ومع قيام ما عُرِف بثورة الجولاني، أستغلت القوات الإسرائيلية الأوضاع المضطربة في سوريا وقامت بالسيطرة علي سد المنطرة بمحافظة القنيطرة جنوباً، وبسط يدها علي البنية التحتية المائية بالجولان، إلا أن ذلك لم يكن معلناً بوضوح وفرضت عليه القيادة الإسرائيلية تعتيماً إعلامياً حتي تمام التاسعة من مساء أمس 15 من يوليو حين أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي علي القناة الثالثة عشر أن الجيش الإسرائيلي سيطر تماماً علي سد المنطرة بمحافظة القنيطرة في جنوب سوريا، وهو أكبر خزان مياه في المنطقة بسعة 40 مليون متر مكعب، وحولته إلى نقطة عسكرية مغلقة. هذا السد كان يروي 120 قرية سورية، وأدى احتلاله إلى أزمة مياه حادة، مما دفع السكان إلى النزوح بسبب انقطاع المياه عن الزراعة والشرب. وبحسب العربي الجديد قامت إسرائيل بتحويل مياه السد عبر أنابيب ضخمة نحو مستوطنات الجولان المحتل، بينما انخفضت تدفقات المياه إلى السدود الأخرى مثل الرويحينة بنسبة 34%.

وعلي صعيد جبل الشيخ الذي يُعد أهم مصادر المياه السورية علي الإطلاق: فقد استغلت القوات الإسرائيلية سقوط النظام الفاشي البائد واستغلت الفراغ المترتب عن انسحاب الجيش السوري من مواقعه بالجولان وأعالي جبل الشيخ أو ما يسمي ” بقمة حرمون” وقامت بالسيطرة الكاملة عليه، وفرض سياسة الأمر الواقع التي تتميز بها تاريخياً ” نظرية الانقضاض ثم التفاوض التي تبناها موشيه ديان خلال انقضاضاته علي القري العربية بفلسطين عهد النكبة”
ولجبل الشيخ أهمية تاريخية عسكرية ودينية، واقتصادية لدي الشعب اليهودي
فعسكرياً: يُسمِي اليهود جبل الشيخ بعيون الأمة، حيث ارتفاعه الشاهق عن سطح البحر بـ 2280م يجعله مُرتفعاً استراتيجياً كاشفاً لأرجاء الشام بشقيها السوري من بانياس وحتي سلسلة جبل لبنان الشرقية بالشق اللبناني.
-ومن حيث الأهمية الدينية: ذُكر جبل الشيخ في النصوص التوراتية عدة مرات، مما يمنحه أهمية عقائدية لدى اليهود.
-وعلي الصعيد الاقتصادي وهذا الأهم: يُعَدُ جبل الشيخ مصدر أساسي للمياه، حيث ينبع منه أنهار رئيسية مثل نهر الوزاني وجرجرة والحاصباني وبانياس والدان، والتي بدورها تغذي نهر الأردن وبحيرة طبريا، مما يوفر حوالي 1.5 مليار م3 مياه سنوياً.
وبالإشارة لتقارير أعدتها سكاي نيوز عربية إلى أن 7 من أصل 12 نبعاً في محيط السد انخفض تدفقها بنسبة 70% منذ العام 2023 ، بينما زادت كميات المياه في المستوطنات الإسرائيلية القريبة بنسبة 40% بداية هذا العام 2025 مع حالة الفراغ الأمني الذي تعيشه سوريا واستغله الكيان لصالحه.
ووفقاً لذلك فيبدو جلياً استخدام الكيان الإسرائيلي المتوحش للمياه كسلاح وآداة فعالة للتطهير العرقي والتهجير القسري، كما حدث لأهالي بعض قري محافظة القنيطرة الذين فروا بدورهم لمحافظات الجوار بدرعا والسويداء بحثاً عن ملاذات مائية آمنة بعيداً عن سياسات التعطيش الجائرة التي بات الكيان أكثر انتهاجاً لها لأجل تعزيز استراتيجيته في الاحتلال والسيطرة الصامتة للمنطقة وبلا ضجيج، هذه السيطرة تعزز من هيمنته الإقليمية وتفاقم الأزمات الإنسانية في سوريا والأردن ولبنان، مع تجاهل دولي للانتهاكات، في ظل ثُبات عميق لم يشهده الإقليم من ذي قبل.

 

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى