إدريس إحميد يكتب.. حرب أكتوبر ذكرى العبور وبوابة العزة العربية

وجب علينا أن نؤرخ ونكتب في أنصع السطور لمسيرة نضالية مثّلت تاريخًا مجيدًا، لكي نجدد ذاكرتنا بتلك الأحداث العظيمة، في زمن القوة والمنعة الذي كانت تُحسب فيه للأمة ألف حساب، في ظل ما نعيشه اليوم من واقعٍ عربي وإسلامي متردٍّ يجعلنا أمام خطر الفناء.
إننا نستذكر خطابات الزعماء الذين خاضوا معارك الدفاع المشروع في وجه الكيان الصهيوني، عندما قالوا: “إنه صراع وجود وليس صراع حدود”، وأن العدو الصهيوني يسعى إلى تنفيذ مخططه من النهر إلى البحر، وهو ما أصبح اليوم واقعًا ملموسًا أمامنا.
وعلى الرغم من بعض الإخفاقات والنكسات العسكرية التي مرّت بها الأمة في الحروب السابقة، إلا أن تلك التضحيات تبقى عنوانًا للصمود والانتصار في وجه ما نعيشه الآن من ضعف وهوان، وقد فهمت الدول العربية حينها أن الوحدة والموقف المشترك هما السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة.
نقف اليوم، وكل يوم، بكل فخر واعتزاز وإجلال، لإحياء إحدى أعظم الذكريات في تاريخ النضال الإنساني، التي سُطرت في سجل التاريخ بأحرفٍ من نور، إنها ملحمة السادس من أكتوبر 1973، التي تجسدت فيها أسمى معاني التضحية والدفاع عن الوجود والكرامة، في مواجهة كيانٍ مدعومٍ من القوى الكبرى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، التي تعهّدت منذ البداية بالدفاع عن الكيان الصهيوني وتمكينه من احتلال فلسطين، أرض الديانات السماوية، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917، وحتّى اليوم، لم تتوقف المؤامرة على الأمة العربية والإسلامية، فقد سُخّرت الأمم المتحدة ومؤسسات القرار الدولي لخدمة مشروع الاحتلال، وتوالت الاعترافات بالكيان الصهيوني، بينما ظلّت إرادة الأمة حيةً لا تموت.
كانت حرب 1948 بداية الوعي العربي بخطورة المشروع الصهيوني، وتجسيدًا لروح الجهاد والفداء في الدفاع عن فلسطين. ورغم الخذلان والتآمر الدولي، فإن إرادة المقاومة لم تخبُ، بل ازدادت صلابة.
ثم جاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في محاولة لإخضاع القاهرة وكسر إرادتها، لكن مصر واجهت العدوان بصمودٍ أسطوري، لتؤكد مجددًا أن الأمة قادرة على حماية سيادتها. وتكرر المشهد في حرب يونيو 1967، حين واجهت الجيوش العربية عدوانًا جديدًا خسرَت فيه أراضيَ عربيةً عزيزة، منها سيناء والجولان، إلا أن العرب لم يرضخوا للهزيمة، بل كان الإعداد لمعركة الكرامة قادمًا لا محالة.
العبور العظيم.. أكتوبر 1973
جاءت حرب أكتوبر المجيدة لتكون محطة فارقة في تاريخ الأمة العربية.
خاضت الجيوش العربية، وفي مقدمتها الجيش المصري والجيش السوري، معركة مصيرية على جبهتين، ونجحت في تحقيق عنصر المفاجأة، فكان العبور العظيم وتحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
تمكّن العرب من استرداد جزءٍ من الأرض، واستعادت مصر جزءًا كبيرًا من سيناء، واستعادت سوريا مدينة القنيطرة في الجولان، في ظل دعمٍ أمريكي هائل للعدو الصهيوني بالسلاح والمعلومات والأقمار الصناعية.
لكن ما تحقق في أكتوبر لم يكن مجرد نصر عسكري، بل كان انتصارًا للإرادة العربية، وتأكيدًا لقدرة الأمة على تجاوز الانكسار والهزيمة متى ما توحدت الكلمة واجتمعت الصفوف.
الذكرى والدروس
وإذا نستذكر اليوم تلك الأحداث العظيمة، فإننا نستحضر معها قيمة الوحدة والعزيمة والإصرار التي كانت وراء النصر.
فما أحوج الأمة اليوم إلى روح أكتوبر، في زمنٍ تتكاثر فيه المؤامرات وتُنفّذ على أرض الواقع بأدواتٍ مختلفة، تستهدف تفكيك الجغرافيا وتمزيق الوعي العربي.
لقد أصبحت المعركة اليوم معركة وعيٍ ووجودٍ قبل أن تكون معركة سلاح.
وإننا نقف بكل التقدير إلى جانب جمهورية مصر العربية، التي بقيت — رغم الأزمات — صمام أمان الأمة وقلعتها الصامدة في وجه المشاريع الصهيونية.
كما لا ننسى سوريا التي قدمت تضحيات جسامًا في حرب تشرين التحريرية دفاعًا عن الأمة، لتجد نفسها اليوم في مواجهة محاولات إسقاط الدولة باسم الديمقراطية، بينما تُستباح أرضها وتُلغى رموزها الوطنية كإحياء ذكرى حرب تشرين أو يوم الشهيد، في محاولة لطمس الذاكرة الوطنية والعربية.
لكن إرادة الشعوب لا تُهزم، وستبقى روح أكتوبر حيّة في ضمير كل عربي حر، تذكّرنا بأن العزة لا تُمنح، بل تُنتزع بالتضحية والوحدة.
تحية الوفاء والكرامة
تحيةً خالصة إلى شهداء معارك الشرف والعزة، الذين خطّوا بدمائهم صفحات المجد، وتركوا للأجيال درسًا خالدًا في الصمود والإيمان بالقضية.
تحيةً إلى الجيش المصري والجيش السوري، اللذين أثبتا أن العروبة لا تموت، وأن إرادة الأمة مهما خبت، فإنها قادرة على أن تتقد من جديد.
بين ذكرى أكتوبر وواقع الأمة اليوم
في الذكرى الثانية والخمسين لحرب أكتوبر، يقف العالم العربي أمام واقعٍ مختلف، تتجاذبه الأزمات والانقسامات والحروب بالوكالة، في وقتٍ تتسع فيه رقعة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتُغيب فيه القضية الفلسطينية عن أولويات بعض الأنظمة.
لكن رغم كل ذلك، تبقى ذكرى أكتوبر شعلة أملٍ متجددة، تذكّر الأجيال بأن إرادة الأمة لا تُكسر، وأن النصر لا يتحقق إلا عندما يكون العرب صفًا واحدًا في مواجهة المشاريع التي تستهدف وجودهم وهويتهم.
إن روح أكتوبر ليست حدثًا عسكريًا مضى، بل قيمةٌ أخلاقية وتاريخية، يجب أن تُستعاد في كل موقفٍ يهدد كرامة الأمة ووحدتها، وأن تُترجم إلى وعيٍ جماعي يرفض الانقسام ويؤمن بأن العرب إذا اتحدوا انتصروا، وإذا تفرّقوا ضاعوا.


