الرئيسيةرأي

محمد فتحي الشريف يكتب.. ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

نصف الحكاية

على الرغم من الأحداث المأسوية التي يمر بها العالم منذ عام 2020 عندما هاجم البشرية فيروس كورونا وخلف وراءه ملايين الضحايا فقتل الأطباء وأعجز العلماء وأغلق بيوت الله ورسخ لقانون التباعد بين الأهل والأقارب، وبعد ذلك تسارعت وتيرة الأحداث الدموية في عدة دول عربية تعاني أزمات من العام 2011 منها ليبيا وسوريا واليمن والعراق والسودان وتونس والجزائر وكانت في المحطة الأخيرة أفغانستان، وفي نهاية المطاف بدأ عام 2022 بتوتر كبير بين روسيا وأوكرانيا وانتهت الأحداث بتدخل روسي في أوكرانيا بعد تحريض أمريكي وأوروبي لمسؤولي (كييف) التي سقطت في أيدي الروس في عدة ساعات.

وأصبح العالم على شفا حرب عالمية ثالثة ستكون عواقبها وخيمة على الكوكب، إذ إن تقديرات الخبراء حال اندلاع حرب نووية شاملة تؤكد هلاك 70% من سكان الأرض، وحال استخدام الأطراف الدولية التي تمتلك رؤوسا نووية لتلك الأسلحة، ينتج عن ذلك سحابة تحجب الشمس لثمانية أشهر حسب تقديرات العلماء والخبراء، في مشهد يشبه يوم القيامة، وفي ظل هذا التوقع والتحليل أدعو الله أن يجنبنا جميعا هذا المشهد المخيف، ولذلك وجدت أن أكتب عن أمر آخر بعيد عن التحليلات السياسية للحروب والكوارث التي غالبا ما ينتج عنها أمور غير مؤكدة، لأن الكون له من يسيره، فهو وحده القادر على الخلق والفناء والوجود والعدم، ومن يتحدث خلاف ذلك فهو مخطئ، ومن يخف من المستقبل فهو مخطئ، فكل الأمور من الله وإلى الله، هذا يقيني ومذهبي الذي أؤمن به إيمانا يقينيا، فالله وحده مسير الكون والخالق المبدع، لذلك سأحاول في مقالي اليوم أن أتحدث عن أصحاب الحظ العظيم في الدنيا قصر بقاؤهم أم طال من خلال حديثي عن الأخلاق التي يحيا بها الإنسان دائما حتى لو غادر الحياة.

الشريف:ذو حظ عظيم

فالأخلاق هي مفتاح الخير وعنوان الفطرة السليمة، فهي كل خصال الخير من دون حصر، إذ تعد الأخلاق من وجهة نظري حدا فاصلا بين الإنسانية والوحشية، ولنا القدوة الحسنة في الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الرفيع الذي وصفه الله -عز وجل- في كتابه العزيز قائلا “وإنك لعلى خلق عظيم”، والتجارب الحياتية لأصحاب الأخلاق تحول الإيجابيات إلى سلبيات والأعداء إلى أصدقاء، ولكن هذا الأمر مقصور على هؤلاء فقط، الذين تخلى عنهم الشيطان وضل الطريق في الوصول إليهم، وهؤلاء سماهم الله -عز وجل- في كتابه بأصحاب الحظ العظيم، قال تعالى “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” سورة فصلت.

فالدفع بالحسنة لدحض السيئة أمر صعب لا يصل إليه إلا أصحاب الحظ العظيم الذين وهبهم الله -عز وجل- نعمة الأخلاق.

وفضائل الصدق والأمانة والإخلاص والحياء والكرم وحب الناس وحب الخير وحب الوطن والإيثار وغض البصر، وكفّ الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعاملة الطيبة، وتجنب الفُحش في القول والفعل، وغيرها هي قوام الأخلاق الحقيقية في الإنسان.

وفضائل الصدق والأمانة والإخلاص والحياء والكرم وحب الناس وحب الخير وحب الوطن والإيثار وغض البصر، وكفّ الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعاملة الطيبة، وتجنب الفُحش في القول والفعل، وغيرها هي قوام الأخلاق الحقيقية في الإنسان.

فصلاح المجتمع في صلاح الأخلاق واستقرار الأوطان ونمائها، ولن يكون هناك سلام حقيقي بين الأفراد والجماعات من دون أخلاق، وفي ذلك يقتضب شاعرنا الكبير أحمد شوقي كل المكارم فيقول:

صَـلاحُ أَمْـرِكَ لِلأَخْـلاقِ مَرْجِعُـهُ … فَقَـوِّمِ النَّفْـسَ بِالأَخْـلاقِ تَسْتَقِـمِ.

ويصف شوقي رحمة الله عليه إصابة الأمم في أخلاقها وصفا قويا قائلا:

وَإِذَا أُصِيـبَ القَـوْمُ فِـي أَخْـلاقِهِمْ … فَأَقِـمْ عَلَيْهِـمْ مَـأْتَمـاً وَعَـوِيـلاَ.

وعلى مر الزمان تحدث الفلاسفة والشعراء والحكماء على الأخلاق ووصفوها في أقوالهم في مناسبات كثيرة لا يتسع المجال هنا لذكرها أو بعض منها، لأن الحديث عن الأخلاق يحتاج إلى أبحاث ومؤلفات كثيرة، ولذلك سوف أنهي المقدمة عند هذا الحد، لأتحدث عن بعض الأسباب الحقيقية لغياب الأخلاق.

لقد فقدنا كثيرا من أخلاقنا وأصبح التلاسن والخوض في الأعراض والتعرض للحياة الشخصية جزءا مهما في الإعلام والدراما والسينما التي تغزو البيوت، وذلك لأسباب عديدة لعل أبرزها غياب الثقافة الحقيقية وتغييب دور المعلم عن قصد وفقد الأسرة المصرية لمقومات التربية الحقيقية لأبنائهم، بالإضافة إلى تخلي رجال الدين عن دورهم التربوي في تقويم الأخلاق وغرس قيم الإسلام الحقيقية.

المتهم الأول في انهيار الأخلاق داخل المجتمع هو (الإعلام)، فعلى الرغم من أهميته في خلق توعية حقيقية وعرض لمعالجة قضايا المجتمع بشكل علمي، إلا أن واقع الإعلام المصري والعربي في الفترة الأخيرة ركز بشكل كبير على نشر الموبقات وعرض نماذج سيئة لمعدومي الأخلاق، حتى أن معايير اختيار القدوة اختلت واختلفت، فأصبح البلطجي والخارج عن القانون وصاحب الخلق السيئ هو النموذج والقدوة، وساهمت الدراما والسينما وبعض الأغاني مع الإعلام في خلق قدوة جديدة للشباب والنشء من هؤلاء الفاشلين الخارجين عن القانون.

إن غياب دور الرقابة عن الإعلام والدراما والسينما وترك الباب مفتوحا على مصراعيه لتقديم جرعات مكثفة من النماذج غير الأخلاقية التي تقود الشباب نحو ترسيخ مفاهيم جديدة للقدوة، إذ يعد قاطع الطريق والخارج عن القانون بطلاً ونموذجاً للشباب، وأعتقد أن العشرين عاما الماضية شهدت تدهورا كبيرا في مضمون الأعمال الدرامية المؤثرة والتي تقدم في أوقات تجمع أسري وهو شهر رمضان وتتجاوز نسب مشاهدتها مئات الملايين في مصر والوطن العربي، إذ خرجنا من إطار الدراما الاجتماعية الهادفة التي تعالج مشاكل حقيقية وتضع لها حلولا تتنصر فيها الحقوق والأخلاق إلى إطار جديد ومختلف يجسد فيه البطل دور البلطجة من خلال احتساء الخمور وممارسة الرذائل بكل أنواعها، وفي النهاية ينتصر ويصبح القدوة لكل الشباب، وهو ما يؤثر بالسلب وتغيب الأخلاق، وهناك استطلاعات رأي عن مدى تأثير الدراما في رمضان على سلوك الأفراد والجماعات، وأظهرت نتائج مخيفة، حتى أن معظم الكلمات الخارجة والألفاظ النابية انتشرت بين الشباب كالنار في الهشيم.

لقد أراد القائمون على الدراما في مصر من مؤلفين ومخرجين وممثلين أن يهدموا كل قيم المجتمع من خلال السخرية من المعلم ورجل الدين في معظم الأعمال بقصد خبيث هو هدم أسس المجتمع، فالأطفال والنشء يرون معلميهم في وضعية غير مناسبة، ويشاهدون رجل الدين متطرفا متزمتا إرهابيا غبيا غير مدرك للحياة من حوله، في حين تجد البطل شارب الخمر ومدمن المخدرات شجاعا قويا قائدا حكيما يخشاه الناس ويسعون لإرضائه، وهو ما يدفع المشاهدين من المراهقين لأن يقلدوا البطل “النموذج السيئ ” ويتخذونه قدوة لهم في الحياة.

كل تلك المؤامرات التي تهدم المجتمع وتغيب الأخلاق وتضع السفهاء في مقدمة الصفوف كفيلة بأن تدمر أجيالا، إذا لم يتم تصحيح الأوضاع وعودة القدوة الحقيقية لهؤلاء الشباب الذين اتخذوا من هؤلاء قدوة لهم وساهمت وسائل التواصل الحديثة من الفيسبوك وتوتير وغيرها في خلق جيل مشوه ضل الطريق وذهب إلى أحضان الشيطان.

لذلك نحتاج لحملة توعية كبيرة لتصحيح المفاهيم واختيار القدوة، تبدأ من الإعلام وتمر بالمعلم وتنتهي في حضن الأسرة، على أن نضع آليات جديدة لخطاب درامي وإعلامي وسينمائي بناء يساهم في إعادة القدوة الحقيقية من خلال مفهوم أخلاقي لديه الصفات التالية الصدق والأمانة والإخلاص والحياء والكرم وحب الناس وحب الخير وحب الوطن والإيثار وغض البصر، وكفّ الأذى، والأمر بالمعروف، والمعاملة الطيبة، وتجنب الفُحش في القول والفعل.

وأختم حديثي عن الأخلاق وأذكر كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الأخلاق إذ قال: “وكُلُّ جراحةٍ فلها دواءٌ.. وسوءُ الخلقِ ليسَ له دواءُ.. وليس بدائمٍ أبداً نعيمٌ.. كذاكَ البؤسُ ليس له بقاءُ”.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى