محمد الامين ابوزيد يكتب.. العلمانية بين خصوصية المصطلح وتزييف الوعى

الاجتماع الذى عقدته قوى اعلان المبادئ السودانى فى نيروبى مؤخرا بطرحه قضية العلمانية ضمن بنود الميثاق المتفق عليه، اثار جدلا كثيفا حول حواشى ومتون المصطلح، سيحاول المقال الاجابة على سؤالين مهمين الاول من اين اتت فكرة العلمانية وكيف تطورت عبر التاريخ الانسانى؟ والثانى ماهى جذور العلمانية فى التربة السودانية؟
العلمانية هى مفهوم سياسى فكرى يقوم على مبدأ الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة بحيث لاتحتكر اى عقيدة دينية السلطة السياسية او التشريعية مع ضمان حرية المعتقد للجميع.
نشأت فى اوروبا ابان عصر النهضة كاستجابة مباشرة للصراعات بين الكنيسة والمفكرين.
تطورت العلمانية عبر قرون فى اوربا نتيجة ظروف تاريخية اهمها هيمنة الكنيسة فى العصور الوسطى والتى كانت تمتلك نفوذا واسعا على السياسة والتعليم والقضاء.(محاكمة غاليلو وكوبر نيكوس).وبيع صكوك الغفران وانشاء
محاكم التفتيش ادت الى اندلاع ثورة فكرية للتحرر من رجال الدين واستغلالهم.
فى القرن السادس عشر قاد مارتن لوثر حركة احتجاج ضد بعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية.
فى القرن السابع عشر دعا مفكرون مثل جون لوك وفولتير الى حرية الضمير والتسامح الدينى والحد من سلطة المؤسسة الدينيةعلى الدولة.
الثورة الفرنسية1789 كانت نقطة تحول مهمة، سعت الى تقليص نفوذ الكنيسة واقامة دولة تستند الى المواطنة والقانون المدنى.وهى ماعرفت بالعلمانية الفرنسية
(اللائكية) تقوم على فصل صارم بين الدين والدولة.
اما العلمانية الانجلوسكسونية
كمافى بريطانيا وامريكا تركز على حياد الدولة تجاه الاديان مع السماح لحضور الدين فى المجال العام بصورة اوسع من النموذج الفرنسى.
1851صاغ الكاتب البريطانى جورج هوليوك مصطلح العلمانية (Secularism) لوصف نظام مستقل عن الدين ولكنه لايعاديه بل يحيده ويحميه من الاستغلال السياسى.
دخلت الافكار العلمانية الى الوطن العربي خلال القرن التاسع عشر نتيجة الاحتكاك باوروبا وحركات التحديث،فى عام 1924الغيت الخلافة العثمانية لتصبح تركيا اول دولة علمانية فى العالم الاسلامى ويقودها حاليا حزب اسلامى!!
تباينت الاراء حولها بعض المفكرين رأوا فيها وسيلة لبناء دولة حديثة بينما رأى آخرون انها مرتبطة بتجربة اوروبية خاصة لاتتوافق مع المجتمعات العربية الاسلامية.
من ابرز المفكرين العرب الذين ناقشوا قضايا الدولة والدين فى الفكر العربى الحديث على عبدالرازق ومحمد عابد الجابرى وميشيل عفلق وحسين مروة ومحمد اركون وحسن الترابى من منظور ناقد وقد تطورت نظرته فى سنوات عمره الاخيرة.
العلمانية ليست دينا بديلا،ولا مذهبا دينيا وليست ضد الاديان بل هى مجموعة من التصورات التى تشترك فى تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وقد نشأت فى سياق اوروبى مرتبط بصراعات دينية وسياسية، ثم تطورت الى نماذج متعددة تختلف من مجتمع الى آخر، بنفس الجدلية التى تطورت من خلالها مفاهيم الديمقراطية والاشتراكية فانتجت نماذج شتى تبعا لطبيعة تطور المجتمعات.
العلمانية فى السودان من اكثر القضايا السياسية والفكرية اثارة للجدل منذ الاستقلال لانها مرتبطة باسئلة الهوية والدين والدولة والتنوع الثقافى والاثنى فى البلاد.
فى فترة الحكم الاستعمارى 1898-1956 كانت القوانين المدنية والادارة الحديثة موجودة الى جانب المحاكم الشرعية وعند الاستقلال لم يكن هناك اتفاق حول طبيعة الدولة هل هى محايدة دينيا ام تستند الى الشريعة الاسلامية؟ برز اتجاهان اتجاه يدعو الى دولة مدنية تفصل بين الدين والسلطة السياسية وتساوى بين المواطنين بغض النظر عن الدين او العرق. واتجاه آخر يرى ان الاسلام يجب ان يكون مصدرا اساسيا للتشريع والحكم.
انعكس هذا الخلاف على الدساتير المتعاقبة والصراع السياسى حتى اللحظة.
فى جنوب السودان رأت حركات مسلحة وقوى سياسية ان فرض هوية دينية او ثقافية واحدة على بلد متعدد الاديان والثقافات والاعراق يمثل مشكلة، لذلك رفعت شعار الدولة العلمانية او المدنية.
ابرز القوى الجنوبية الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق التى دعت الى مشروع السودان الجديد الذى ركز على المواطنة المتساوية واعادة بناء الدولة على أسس غير تمييزية.
قوانين سبتمبر 83فى عهد جعفر نميرى تم تقديمها على اساس انها الشريعة الاسلامية بينما رأى معارضوها انها ساهمت فى تعقيد الازمة السياسية والحرب الاهلية.
فى فترة الانقاذ التى قامت على مبادئ الحركة الاسلامية تبنت الدولة مشروعا اسلاميا(المشروع الحضارى) لم يلامس الحضارة ولا الدين انتهى فى آخر مشاريعه الدستورية(دستور 2005)الى المزاوجة بين المبادى العلمانية والدينية.
بعد ثورة ديسمبر 2019 برز الى السطح النقاش حول علاقة الدين بالدولة، وفى 2020وقعت الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية بقيادة الحلو على اعلان مبادئ نص على فصل المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة وعلى المواطنة المتساوية وعدم استغلال الدين فى السياسة.
فى 2020تم توقيع اتفاق سلام جوبا الذى نص على نفس المبادئ.
التيار المؤيد للعلمانية يرى انها تضمن المساواة بين المواطنين وتحمى التنوع الدينى والثقافى وتمنع استخدام الدين لتحقيق مكاسب سياسية، اى انها تمنع فكرة تسييس الدين وتديين السياسة.
المعارضون يرون انها لاتنسجم مع الهوية الاسلامية لغالبية السكان، وتمثل استيراد لتجربة تاريخية اوربية مختلفة عن الواقع. لكن هذه الرؤية تواجه بسؤالين مركزيين الاول هل الدولة بطبيعتها دينية ام مدنية؟ولماذا يرفض هذا التيار الفكرة ويقر مبادئها؟
فى السودان لم يكن الجدل حول العلمانية مجرد نقاش فلسفى بل ارتبط بقضايا الحرب والهوية الوطنية والسلام وبناء الدولة. يبقى السؤال كيف يمكن اقامة دولة تحقق المواطنة المتساوية وتحترم التنوع الدينى والثقافى وفى الوقت نفسه تراعى المرجعيات الدينية والثقافية للمجتمع السودانى؟ وبتعبير آخر نسخة علمانية سودانية.


