رأي

محمد الأمين أبوزيد يكتب.. مقاربة ادبية بين المعرى ودانتى: قراءة فى رسالة الغفران والكوميدياالالهية

من المدهش حقا تخيل رجلين يفصل بينهما قرنان من الزمان وجغرافيا مختلفة، ولغات مختلفة وثقافة مختلفة ومع ذلك يلتقيان فى رسم تخيلى للعالم الاخر.

ابوالعلاء المعرى ولد سنة 973م وتوفى 1075،ولد فى معرة النعمان فى سوريا وعاش فى العصر العباسى، كان عصره غنى بالمناظرات اللغوية والفكرية.
اما دانتى أليغيرى ولد سنة 1321بفلورنسافى ايطاليا وعاش فى اواخر العصور الوسطى قبل عصر النهضة الاوربى مباشرة، عاصر بداية التحول الفكرى الذى مهد لعصر النهضة الايطالية.
تطرح المقارنة بين الرجلين الخالدين تقاطعات مذهلة لايمكن حصرها فى اطار الصدفة الأدبية،ان التشابه بين النصين محل المقاربة يصل حد التطابق. لايقف التقاطع عند حدود الجغرافيا بل يمتد الى رمزية التطهير الروحى. يوظف كلا المفكرين شخصيات رمزية متطابقة فى وظيفتها ففى كلا النصين تظهر امرأة تعترض طريق المسافر فى العالم الآخر، وهى تجسيد لرمزية الاغراء الدنيوى.ووجود حراس يتواجدون على ابواب الجنة والنار يجب الاستئذان منهم للعبور، وتنتهى كلتا الرحلتين عند ذروة التجلى، حيث سدرة المنتهى وحضرة النور الالهى.
بالرغم من كل هذا التطابق المذهل، تبرز فى الاوساط الاكاديمية العربية رؤية معارضة تتزعمها الباحثة عائشة عبدالرحمن(بنت الشاطئ) التى تنفى احتمال تأثر دانتى بالمعرى. وان دانتى لم يطلع مطلقا على رسالة الغفران، وان مصادره اقتصرت على التراث الكلاسيكى اليونانى والرومانى مثل الإلياذة والأوديسة لهوميروس.
تعتبر المقارنة بين ابوالعلاء المعرى ودانتى من أكثر المقارنات إثارة فى الأدب العالمى بسبب التشابه بين بعض أفكار رسالة الغفران للمعرى والكوميديا الالهية لدانتى.
•فى رسالة الغفران يتخيل المعرى رحلة الى الجنة والنار يلتقى فيها بالشعراء والادباء ويجرى معهم حوارات.
فى الكوميديا الالهية يقوم دانتى برحلة عبر الجحيم والمطهر والجنة،ويلتقى بشخصيات تاريخية ودينية وأدبية.
•استخدام الخيال لخدمة الفكر كلاهما استخدم العالم الآخر وسيلة لنقد المجتمع والافكار السائدة.
•حضور الأدباء والشعراء ومصيرهم عند المعرى،دانتى يضع الشعراء والفلاسفة والحكام فى مراتب مختلفة من الجحيم أو الجنة وفق رؤيته الاخلاقية.
اوجه الاختلاف تتمثل فى:
1/المعرى يميل الى السخرية والجدل العقلى والتساؤل النقدى.
دانتى يقدم رؤية مسيحية متماسكة للعالم والخلاص.
2/البنية الأدبية رسالة الغفران عمل نثرى ذو طابع ساخر وفلسفى. الكوميديا الالهية ملحمة شعرية متكاملة ذات بناء هندسى ودينى.
3/المعرى مفكر شكاك يميل الى اعمال العقل ونقد المسلمات.
دانتى مؤمن ملتزم بالعقيدة الكاثوليكية.
فى النهاية يظل التقاطع بين المعرى ودانتى شهادة على وحدة المخيلة الانسانية وان الاسئلة الكبرى المرتبطة بالخطيئة والعقاب،
الخلاص والبحث عن النور الالهى، هى اسئلة عابرة للحضارات والجغرافيا تتخذ فى كل أمة قالبا سرديا يلامس النفس البشرية.
هل تأثر دانتى بالمعرى؟بافتراض الاسبقية هذا السؤال ناقشه باحثون كثيرون رأى بعضهم ان هناك تشابها كبيرا قد يشير الى انتقال بعض الافكار من التراث الاسلامى والعربى الى اوروبا عبر الاندلس، بينما يرى آخرون ان التشابه لايكفى وان دانتى تأثر بالتراث المسيحى اللاتينى.
اذا كان دانتى قد بنى اعظم ملحمة اوربية عن الآخرة، فإن المعرى قد سبقه بأكثر من قرنين فى تصور رحلة خيالية الى الجنة والنار.
العلاقة بينهما اقرب الى التشابه فى الاطار التخييلى واختلاف عميق فى المقصد الفلسفى والعقدى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى