رأي

محمد أرسلان علي يكتب..  لا يمكن بناء المستقبل وقلوبنا سجينة الماضي

الكاتب باحث وسياسي كردي سوري.. خاص منصة العرب الرقمية

لربما تجبرنا المستجدات المتسارعة التي نعيشها إلى الدهشة فيما ستؤول إليه الأحداث، والحيرة من ردة الفعل التي سيتم بها مواجهة ما يُفرض بالقوة في وقت يجبروننا على احترام المواثيق والقوانين الدولية التي تحترم المجتمعات وأوطانها وسيادتها الشرعية. وفي معمعة هذه المفاهيم التي باتت كاللبان نتقول بها ولا ننفذها حتى صارت جوفاء لا معنى لها وحتى أنها باتت سخرية من البسطاء أنفسهم. فحينما يتم فرض تنفيذ تلك المواثيق والقوانين الدولية على الضعفاء فقط والذين لا حول لهم ولا قوة، ويفرض الالتزام بها على أنها من نواميس الحياة، وكأننا نعيش في حالة من التقربات الانتهازية والانتقائية وبنفس الوقت يمكن وصفها بالازدواجية في التعامل مع تلك المقررات ذات الصفة الدولية.

في وضع كهذا تلجأ المجموعات التي لا تمتلك أدوات القوة إلى الارتماء في أحضان إحدى قوى الهيمنة علّلها بهذا الارتماء تحمي وتصون وجودها من التشتت والضياع بين أنياب القرارات الدولية التي لم يعد أية قيمة وشرعية لها جراء ما نراه. ليست القرارات الدولية باتت خاوية المعنى فقط، بل حتى تلك المؤسسات والمنظمات الدولية بحدِ ذاتها لم يعد لها أي معنى لوجودها، رغم الكم الهائل من القرارات التي اتخذتها والتي لم يتم تنفيذ إلا القليل منها وذلك على الأطراف الضعيفة، حينما تفرض المصالح ذلك.

لذلك ومنذ بداية الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرون ورغم أننا في الربعية الأولى منه، إلا أن التطورات المتلاحقة والمتسارعة تُظهر لنا بكل وضوح هذه الدلائل. فالمؤسسات الأممية والدولية المتشكلة بعد الحرب العالمية الثانية، كان قد شكلها القوى المنتصرة في تلك الفترة وفق أجنداتهم ومصالحهم ولحماية مكتسباتهم على أقل تقدير. ولكن ما نراه الآن من انتهاك لهذه القرارات من قوى الهيمنة ذاتها يؤكد لنا أننا في وقت لم يعد أي قيمة لأي شيء إن لم يمتلك القوة فقط.

العراق بكل ما يمتلك من قوة اقتصادية كبيرة جداً إلا أن الشعب وصل لمرحلة استجداء لقمة العيش من الخارج ولم يعد ينتج أي شيء وتحول لمجتمع مستهلك ودولة هشّة وشعب تائه يبحث عن حقيقته بين عمائم الفساد الديني والعشائري والحزبوي بكل قومياته وأثنياته العربية والكردية والتركمانية والسريانية – الآشورية والارمنية. ولا يختلف الوضع في سوريا كثيراً عما يجري في العراق، نظراً لوحدة الجغرافيا تاريخيا وكذلك تلاحم الثقافة التي كانت يوماً ما تدعى ميزبوتاميا مهد الحضارة الإنسانية.

محمد أرسلان علي بناء المستقبل

كذلك يمكن توصيف الحالة في ليبيا واليمن وغيرها من البلدان والمناطق التي تحولت لبؤر ومستنقعات تفريخ الإرهابيين بمختلف تسمياتهم ومسمياتهم وجنسياتهم العابرة للقوميات والحدود، على شكل الشركات الناهبة لخيرات الشعوب العابرة للقوميات والحدود. تختلف المسميات لكن الطرفين مشتركان في المهمة والهدف، ألا وهي السرقة والفساد وتجهيل المجتمعات وتنميط الشعوب وترهيبهم إما بالقتل أو النحر أو السبي أو دفع الجزية، وكله بالحلال تحت يافطة الدين، أو بتوفير فرص العمل للجميع وبأجور زهيدة وتحويلهم لعبيد جنتلمان بعد أن يكون تم تحويلهم لأشباه بشر لا يفكرون إلا بنهاية الشهر كي يقبضوا رواتبهم لينعموا به عدة أيام، ولتتحول جُلَّ غايتهم جمع المال بأي وسيلة كانت وهكذا نكون أما فئة من مجتمع تافه في نظام التفاهة التكنولوجي الي تم تصديره لنا على أننا نعيش في عالم تحول إلى قرية صغيرة، لكن لا أحد يعرف الآخر في هذه القرية الافتراضية التافهة جداً.

في هذا المجتمع التافه والهش والمستهلك لا يمكن التعويل عليه كثيراً لبناء الغد والمستقبل الذي نحلم به أو نتوهمه حتى. لأنه في هكذا مجتمعات تحاول النظم التافهة بخلق رموز على شاكلتها كي تسيطر على عقول المجتمع وتوجههم من خلالها نحو اللا تفكير والاهتمام فقط بالركض وراء تأمين لقمة العيش واللهث خلف الشكليات والكماليات التي لا يطولها فقراء هذا المجتمع. مجرد قطيع يسير خلف قوانين القبيلة والعشيرة والدولة والحزب والنادي الذي ينتمي إليه والذي يمثل المستقبل كله بالنسبة له.

من ثنائيات الهوية القاتلة (مسلم – مسيحي، سني شيعي، عربي – كردي، أمازيغي…) التي ابتلينا بها منذ عقود والتي ما زلنا أسرى لها لم نتخلص من أغلالها ونيرها، ها قد أدخلونا نفق الثلاثية القاتلة وإن كانت تحت مسمى القوة الناعمة هذه المرة، تحت مسمى (الرياضة والفن والجنس). باتت الرياضة ورموزها شغلنا الشاغل في معظم جلساتنا ونقاشاتنا في أحقية فوز هذا المنتخب أم ذاك؟ وهل فلان رياضي يمثلنا أم لا؟ وغيرها من الحقن في اللاوعي. في وقت أية مباراة تفرغ الشوارع من ناسها لتراهم أصناماً أما شاشات المقاهي. وكذلك الفن الذي بات في مستوى لا يليق لا بثقافة المنطقة التاريخية ولا حتى الحضارية. الفن السوقي أو الذي يريده الشعب والناس. بات الناس هم الذين يحددون ما سيتم إخراجه من أفلام بعد أن كان العكس فيما مضى. حينما قال أحد المفكرين: “أعطوني مسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً”، ما يعني أن الفن كان له ثوة كبيرة في عملية تغيير المجتمع نحو الأفضل. ومن خلال المسرح كانت عمليات الانتقال المجتمعي التي شهدتها أوروبا ومنها كانت بداية الثورات الأوروبية. فحينما قال الفيلسوف والمسرحي الفرنسي فولتير “في المسرح وحده تجتمع الأمة؛ ويتكون فكر الشباب وذوقه؛ لا مكان فيه لحكمة ضارة؛ ولا تعبير عن أي أحاسيس جديرة بالتقدير إلا وكان مصحوبا بالتصفيق؛ إنه مدرسة دائمة لتعلم الفضيلة والثقافة والحياة”. كان يعي فولتير وبكل ثقة أنه من خلال المسرحيات الأخلاقية التي كان يتم تقديمها في القرن السابع عشر، كان يتم معالجة مشكلات المجتمع الحياتية بعدما ملَّ الناس النصائح والمواعظ.

مللنا مواعظ ونصائح رجال الدين والقومجيون يمينهم ويسارهم، وكذلك من يدعي العلمانية الذي ربما يكون الوجه الآخر للمتدين المتطرف. الكل يدعي الحقيقة المطلقة ويعمل على تخوين الآخر وتسفيهه. لم نعد نحتمل سماع رأي الآخر رغم اختلافه وخلافه مع ما نعتقده. لم نعد نقابل الحجة بالحجة. كان هذا من الماضي لكننا أبناء وقتنا ولا وقت لدينا لنضيعه مع السفهاء. مباشرة ومن غير تردد نلقي حكمنا على الآخر المختلف مع رأينا وثوابتنا مما ندعي، وكأننا نعيش زمن (محاكم التفتيش) السيئة الصيت القروسطية. نحاول استرجاع الماضي ونحن نتشدق ببناء الجمهورية الجديدة. بكل تأكيد الجمهورية الجديدة بحاجة إلى عقلية جديدة وشعب يحمل ثقافة جديدة. فلا يمكن بناء جمهورية جديدة بعقلية سلفية وماضوية وقديمة. إذا، كمّا ندعي بناء المستقبل، علينا قبل كل شيء أن نكنّ الاحترام للآخر مهما كان ومهما قال. وبنفس الوقت على الآخر ان يحترم ثوابت الطرف الأول مهما كان يراه هش أو لا معنى له وفق تصوره.

ادعاء أحد الأطراف امتلاك الحقيقة والثوابت هي بداية مسيرة انتاج المجتمع المغلق على نفسه والمصاب بالجمود الفكري والتصحر الثقافي. لطالما كانت الحقيقة متغيرة وغير ثابته مطلقاً على أساس ما نشهده من تطور مجتمعي وفكري بشكل مستمر. فلربما كان قول “الحقيقية بالنسبة للآخرين علامة على الشر، لأنهم يعتبرون الحفاظ على أنصاف حقائقهم وأفكارهم الثابتة كواجب إنساني، ولهذا يعتقدون أن كل شخص يُربك لعبتهم الطفولية شريراً”، كما قال فريدريك نيتشه.

حتى القومجيون المتشدقون بالدولة القوموية والذين يتوهمون ويحلمون بعودة مجدها يوماً ما لا زالوا في جهالتهم يعمهون ومنتظرين القدر أن يحالف حظهم المعثر. من السودان بدأ التقسيم وطال يوغسلافيا وها نحن أمام آخر أحد فصول مسرحيات التقسيم للدول القوموية التي كان لها ذات يوم سيادة مقدسة. إنها أوكرانيا التي استباح حدودها القيصر بوتين رغم كل القوانين والقرارات الدولية والشرعية. إلا أن كل ذلك لم يعنِ له أي شيء سوى ما نفذه على أرض الواقع. فغداً هذا التقسيم سيطال أي دولة لا أحد يعلم رغم صلواتنا وأدعيتنا التي نرفعها للذي رفع السماوات بلا عمد، بألا تصيب دولنا القومية العربية المقدسة، والتي لم يعد شيئاً من قدسيتها موجوداً في ظِل ما سُمي بالربيع العربي. فها هي قد تهاوت من أول ريح صرصر أتت ممن رسموا لنا حدودنا وجعلونا نسجد لها.

لبناء المستقبل لا بدَّ لنا قبل كل شيء إعادة بناء منظومتنا الفكرية والثقافية بكل تفاصيلها واجراء عملية نقد شامل لها، والتي كان منها أحد الأسباب مما نعيشه الآن. إزالة القدسية عن بعض المصطلحات لا يرفع عنها قيمتها بقدر ما يصونها من إعادة عملية الصقل ثانية كي تظهر بأحلى صورة لها. لم نعد نعيش في ظِل دولة القومية الواحدة أو جمهورية الدين الواحد. فطبيعة المنطقة الثقافية والتاريخية لا تتقبل هذا التقسيم الجائر لهذه الجغرافيا الولادة للحضارة الإنسانية والتي كانت تحتضن كل قومياتها بمختلف أثنياتهم وطوائفهم وأديانهم. ولا يمكن اختزال الجغرافيا بقومية أو بدين محدد لأنه مناهض ويخالف الحقيقة الطبيعية للتاريخ والجغرافيا. ومن يعمل على ذلك بكل تأكيد سيكون جاهل بالتاريخ وجغرافية وثقافة المنطقة المعمرة منذ آلاف السنين. لا يمكنك الحصول على غدٍ أفضل ونحن لا زلنا نفكر بالأمس والماضي علّه يعود ثانية كي نمسك بزمام المبادرة مرة أخرى ونكون أسياداً على العالم. وهو الوهم بكل معناه الذي يعتاش على ذلك.

إعادة قراءة التاريخ ينبغي أن تسفر عن اتخاذ الدروس والعبر منه وانتقاد ما كنا أسرى له من أفكار ورؤى وتصورات كنا نتخيلها على أنها تمثل الحقيقة فقط. الخروج من عقدة التفكير هذه والسير في عملية بناء الجديد، ربما تخرجنا من مستنقع الجهل الذي نعيشه. التخلي عن حالة الجمود الفكري الذي كنّا نعيشه والعمل على بناء فلسفة جديدة ربما تساعدنا على أن لائقين بثقافة هذه المنطقة مرة أخرى. فلسفة تكون حاضنة للكل ولا تُلغي الآخر مهما كانت درجة اختلافاته الفكرية معنا. فلسفة يكون أساسها العيش المشترك مع المختلف معي، الذي يدرك معنى أخوة الشعوب في أن يكون الكل مع الكل ولأجل الكل.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى