رأي

مجدى طنطاوى يكتب..حين أصبحنا نقدس الشعائر وننسى المقاصد.. قراءة فى فكر المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

سؤال بسيط لكنه كفيل بأن يفتح أبوابا واسعة للتأمل والمراجعة أيّهما أشد عند الله قتل نفس بغير حق أم إفطار يوم في رمضان
وأيهما أعظم جرما الكذب والخداع وأكل حقوق الناس أم عدم الذهاب إلى الحج لعجز أو تقصير
وهل يعقل أن ينشغل الناس بمراقبة من أفطر في رمضان بينما لا يهتز لهم ضمير أمام ظالم ينهب أموال الفقراء أو مسؤول يكذب على شعبه أو تاجر يغش الناس في أرزاقهم
هذه الأسئلة ليست دعوة للاستهانة بالصيام أو الحج أو سائر العبادات فكلها فرائض أمر الله بها لكنها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات كما رتبها القرآن الكريم وإلى العودة إلى الميزان الذي وضعه الله لا إلى الموازين التي صنعها البشر عبر قرون من الجدل والمبالغات والتقاليد الموروثة
لقد كان جوهر الرسالة الإلهية منذ بداية نزول القرآن هو بناء الإنسان الصالح الذي يعمر الأرض بالعدل والرحمة والإحسان ويحفظ الحقوق ويصون الدماء ويؤدي الأمانات ولم يكن الهدف أن يتحول الدين إلى طقوس تؤدى باللسان والجسد بينما تغيب أخلاق القرآن عن السلوك والمعاملات
يقول الله تعالى
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
ويقول سبحانه
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
ويقول تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
ويقول تعالى
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
ويقول تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾
هذه الآيات وغيرها تكشف بوضوح أن القرآن جعل حماية الإنسان وحقوقه وكرامته أساسا من أسس الدين وأن الاعتداء على الناس ظلما وعدوانا من أكبر الجرائم التي تهدد أمن المجتمع واستقراره
لكن ما الذي حدث
كيف انتقل المسلمون من أمة حملت رسالة العدل والرحمة إلى مجتمعات يكثر فيها الكلام عن المظاهر الدينية بينما تتراجع فيها قيم الصدق والأمانة والعدل
من يقرأ القرآن يجد أن الله حين تحدث عن المؤمنين لم يصفهم بكثرة الشعائر فقط وإنما وصفهم بالوفاء بالعهد والصدق والأمانة والرحمة والإنفاق والإصلاح بين الناس
قال تعالى
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾
وقال تعالى
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾
ثم ذكر من صفاتهم
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾
فالقرآن لا يفصل بين العبادة والسلوك ولا بين الإيمان والعمل ولا بين العقيدة والأخلاق
ومن هنا يؤكد علي محمد الشرفاء الحمادي أن الأزمة الكبرى التي أصابت العقل المسلم لم تكن في نقص النصوص ولا في غياب الأحكام وإنما في اختلال ترتيب الأولويات حين انصرف الناس إلى الجدل في الجزئيات وتركوا الكليات وتشددوا في بعض الشعائر وغفلوا عن المقاصد التي من أجلها شرعها الله
فالصيام لم يشرعه الله لتعذيب الإنسان بالجوع والعطش وإنما لتزكية النفس وتقويم السلوك
قال تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
والحج لم يفرض لمجرد الانتقال إلى مكان معين وأداء طقوس محددة وإنما ليكون مدرسة روحية وأخلاقية يتعلم فيها الإنسان الانضباط والتجرد والمساواة

قال تعالى
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
أما الزكاة فقد شرعت لتحقيق التكافل الاجتماعي وإغناء المحتاجين وحماية المجتمع من الفقر والعوز
لكن حين تتحول العبادات إلى طقوس شكلية منفصلة عن أهدافها يصبح من السهل أن ترى من يصوم ثم يكذب ويحج ثم يظلم ويتصدق ثم يأكل حقوق الناس ويكثر من الحديث عن الدين بينما يسيء إلى خلق الله
لقد جاء القرآن ليبني الإنسان العامل لا الإنسان المتكلم فقط
جاء ليصنع مجتمعا منتجا لا مجتمعا غارقا في الخلافات والاتهامات
جاء ليقيم ميزان العدل لا ميزان الشعارات
ولهذا تكرر في القرآن اقتران الإيمان بالعمل الصالح عشرات المرات
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
فلم يقل القرآن آمنوا فقط ولم يقل تكلموا فقط ولم يقل ادعوا فقط بل ربط الإيمان دائما بالعمل النافع الذي يحقق الخير للناس
إن الأمة اليوم لا تعاني من قلة الخطباء ولا من ندرة الوعاظ ولا من غياب الشعارات الدينية لكنها تعاني من نقص العدل والصدق والإتقان والأمانة واحترام الإنسان
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل مسلم على نفسه ليس كم تحدثت عن الدين
بل………
كم عدلا أقمت
كم مظلوما نصرت
كم فقيرا أعنت
كم حقا أديت
كم كذبة تجنبت
كم أمانة حفظت
فهذه هي الأسئلة التي تعيد الدين إلى جوهره كما أراده الله
ومن هنا يدعو علي محمد الشرفاء الحمادي إلى العودة المباشرة إلى القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا للهداية والتشريع والأخلاق وإلى قراءة الدين باعتباره مشروع إصلاح للإنسان والمجتمع لا مجرد مجموعة من الطقوس والشعارات
فالله سبحانه لن يسأل الناس عن كثرة ما قالوا وإنما عن أعمالهم وما قدموه من خير وعدل ورحمة بين عباده
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
تلك هي الرسالة التي غابت حين تقدم الكلام وتأخر العمل وحين انشغل الناس بالحكم على الآخرين ونسوا إصلاح أنفسهم وحين تحول الدين عند بعضهم إلى مظهر خارجي بينما أراده الله منهجا لبناء الإنسان وإعمار الأرض وإقامة العدل بين الناس.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى