رأي

مجدى طنطاوى يكتب.. أصول مصر بين معركة المقايضة وغياب فقه الاستثمار

ما جرى حول مقترح حسن هيكل بشأن مبادلة جزء من ديون الدولة بأصول مملوكة لها يكشف مشكلة أعمق بكثير من مجرد الخلاف حول اقتراح اقتصادي لقد نصبنا معركة وخناقة حول الفكرة وانشغلنا بالسؤال هل المقايضة صحيحة أم خطأ وهل هذا الأصل يجوز أن يدخل في المقايضة أم لا بينما غاب السؤال الأهم لماذا لا ننظر إلى أصول مصر باعتبارها ثروة يجب أن تنتج ثروة قد نتفق مع الفكرة أو نختلف معها وقد نتحفظ على إدخال هذا الأصل أو ذاك في أي تسوية مالية لكن المؤسف أن يتحول النقاش إلى معركة حول الاقتراح بدلا من أن يتحول إلى ورشة تفكير وطنية في كيفية تعظيم قيمة أصول مصر فالقضية ليست أن نبيع أصولنا أو نفرط فيها وإنما أن نسأل كيف نجعل الأصل الواحد ينتج أضعاف ما ينتجه اليوم وهنا أتذكر دائما مشهدا عشته في ألمانيا ترك في نفسي أثرا عميقا حين دعاني الدكتور أشرف منصور رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية بالقاهرة أنا ومجموعة من الأصدقاء إلى تناول الغداء على ظهر سفينة تجوب بحيرة كونستانس بين مجموعة من الدول الأوروبية وكان المشهد بالنسبة لي أكبر من مجرد رحلة أو غداء جميل كنت أنظر إلى جزيرة لينداو Lindau الألمانية وهي تبدو صغيرة في مساحتها لكنها عظيمة في قيمتها وما صنعه الإنسان حولها من سياحة وثقافة وخدمات وحركة اقتصادية جزيرة صغيرة لا تملك قناة السويس ولا الأهرامات ولا نهر النيل ولا سواحل البحر الأحمر والمتوسط ومع ذلك استطاعت ألمانيا أن تعظم قيمتها من خلال حسن استثمار موقعها وتاريخها وطبيعتها وأنا على ظهر تلك السفينة التي كانت تطوف بنا في البحيرة بين الدول الأوروبية شعرت أن الإنسان لا يقاس بما يملك فقط وإنما بقدرته على اكتشاف قيمة ما يملك وهنا عدت بذاكرتي إلى مصر ماذا لو تعاملنا مع أصولنا بنفس هذه العقلية

نحن لا نعاني فقط من نقص الموارد

بل نعاني أحيانا من ضعف القدرة على استخراج القيمة من الموارد التي نملكها نحن نملك النيل ونملك البحرين المتوسط والأحمر ونملك قناة السويس ونملك سيناء ونملك آثار الحضارات المصرية ونملك مدنا تاريخية ونملك شواطئ وجزرا وموانئ ونملك موقعا جغرافيا يجعل مصر جسرا طبيعيا بين ثلاث قارات ثم نجلس نتشاجر حول أصل من أصول الدولة وكأن الثروة هي مجرد قطعة أرض أو مبنى أو سهم في شركة بينما العالم من حولنا يسأل سؤالا مختلفا تماما كيف نحول الأصل إلى صناعة

*قناة السويس ليست رسما تحصل عليه الدولة من السفينة*
السفينة التي تمر بالقناة يمكن أن تدفع رسوم العبور لكن يمكنها أيضا أن تشتري الوقود وتتزود بالغذاء والمياه وتجري الصيانة وتغير أطقمها وتستخدم الموانئ وتخزن بضائعها وتعيد تصدير منتجاتها ويمكن أن تنشأ حول القناة مصانع ومراكز توزيع وخدمات بحرية ومالية وتأمينية ولوجستية وهنا يصبح السؤال الحقيقي هل نستخرج من الموقع المصري قيمته القصوى أم نكتفي بتحصيل أول قيمة سهلة

*لا تبيع الأصل ولا تقدسه*

هناك خطآن متناقضان الأول أن نقول بع الأصول لكي نسدد الديون والثاني أن نقول لا تقتربوا من الأصول أبدا والحقيقة أعمق من ذلك الأصل الناجح ليس الأصل الذي لا يمس وإنما الأصل الذي ينمو إذا كان لدينا أصل قيمته عشرة مليارات ويحقق مائة مليون سنويا ثم استطعنا تطويره واستثماره ليحقق مليار دولار سنويا دون التفريط في ملكيته الوطنية فقد صنعنا ثروة جديدة من الأصل نفسه أما الاحتفاظ بالأصل بلا استثمار حقيقي فليس دائما حفاظا على الثروة وإنما قد يكون تجميدا للثروة

وهنا يجب أن يتغير دور الخبراء لا نحتاج إلى خبراء مهمتهم فقط أن يقولوا هذا خطر وهذا مستحيل وهذا لا يجوز نحن نحتاج إلى خبراء يقولون كيف نحول هذا الأصل إلى عشرة أضعاف قيمته كيف نحول الميناء إلى مركز صناعي كيف نحول الجزيرة إلى وجهة سياحية عالمية كيف نحول الموقع إلى مركز للتجارة وإعادة التصدير كيف نحول قناة السويس إلى منظومة خدمات بحرية وصناعية ولوجستية كيف نجعل السائح الذي يأتي إلى مصر ينفق أكثر وكيف نجعل المستثمر الذي يمر من مصر يترك وراءه مصنعا ووظائف وصادرات وتكنولوجيا هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تشغل عقول من يسمون أنفسهم خبراء

مصر لا ينقصها الأصل
مصر ينقصها أحيانا فقه الأصل أن تعرف ماذا تملك وما قيمته وكيف تديره وكيف تضاعف عائده ومتى تحتفظ به ومتى تدخل شريكا ومتى تطوره ومتى تستخدم جزءا من قيمته في معالجة مشكلة مالية ومتى يكون بيع الأصل خطأ اقتصاديا ومتى يكون عدم استغلاله خطأ أكبر وهذا هو جوهر النقاش الذي كان ينبغي أن يبدأ منذ طرح فكرة حسن هيكل لا تجعلوا النقاش حول المقايضة يقتل النقاش حول الثروة حتى لو اختلفنا مع المقايضة الكبرى بصورتها المطروحة فإن السؤال الذي أثارته يظل قائما ماذا تفعل مصر بكل هذه الأصول

*نحن بحاجة إلى فلسفة جديدة للأصول*
فلسفة تقول إن الأصل العام ليس خزنة مغلقة وليس غنيمة للبيع وليس رقما في ميزانية وإنما هو رأس مال وطني ورأس المال الذي لا ينتج يفقد جزءا من قيمته مع الزمن أما رأس المال الذي يوظف بعقل فينتج دخلا وفرص عمل وصادرات واستثمارات وقوة اقتصادية وهنا يجب أن نتعلم من الآخرين لا أن نخجل من التعلم منهم فجزيرة لينداو الصغيرة لم تقل إن صغر مساحتها يمنعها من أن تكون قيمة اقتصادية وسياحية بل بنت على تاريخها وموقعها وطبيعتها وثقافتها حتى أصبحت السياحة أحد أهم عوامل اقتصادها فماذا نحن فاعلون بكل ما أعطانا الله من أصول أكبر وأعظم هذه ليست دعوة لبيع مصر بل دعوة إلى استثمار مصر وليست دعوة إلى التفريط في أصول الدولة بل دعوة إلى منع أصول الدولة من أن تبقى ثروة ساكنة فالثروة التي لا تنتج تتحول مع الزمن إلى عبء أما الثروة التي تدار بعقل فتتحول إلى قوة وهنا تكمن المفارقة المؤلمة أننا نمتلك ما هو أعظم كثيرا مما تمتلكه دول نجحت في صناعة ثروتها من موارد محدودة لكننا كثيرا ما ننشغل بالخلاف حول من يملك الأصل بدلا من السؤال عن كيف نضاعف إنتاج الأصل وهذه هي الخطيئة الكبرى أن نمتلك الذهب ثم نتشاجر حول مكان الخزنة بينما العالم كله منشغل بالسؤال كيف نحول الذهب إلى ثروة ولذلك فإن مقترح حسن هيكل يجب ألا يكون نهاية النقاش بل يجب أن يكون بداية نقاش وطني أوسع نضع فيه خريطة كاملة لأصول مصر قيمتها وعائدها الحالي وطاقتها الممكنة وتكلفة تطويرها والعائد المتوقع منها ثم نسأل بجرأة وهدوء كم يمكن أن تصبح مصر إذا تعاملت مع أصولها بعقل المستثمر لا بعقل الحارس فالقضية في النهاية ليست مقايضة ديون بأصول وإنما القضية أكبر وأخطر هل نملك أصولا عظيمة فقط أم نملك القدرة على صناعة الثروة من تلك الأصول وهنا يبدأ الفرق بين دولة تملك الثروات ودولة تعرف كيف تحول ثرواتها إلى قوة اقتصادية تليق بتاريخها ومكانتها

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى