صبرى الديب يكتب.. لصوص بـ”قناع الوطنية”

يحكى أنه قبل تطبيق الوحدة الأوروبية بسنوات، استقلت سيدة فرنسية قطارًا متجهًا من لندن إلى باريس عبر نفق المانش، وهي تحمل في حقيبتها 20 ألف دولار فوق حد الأموال المسموح بخروجها من الأراضي الإنجليزية، ما جعلها مضطربة للغاية منذ اللحظات الأولى لانطلاق الرحلة.
ولاحظ رجل إنجليزي أنيق، تبدو عليه علامات الغنى والوقار، كان يجلس بجوارها، مدى ما تعانيه السيدة من توتر، فسألها بلطف: ماذا بكي سيدتي.. هل بإمكاني مساعدتك؟
اقرأ أيضا: مصر في أسبوع.. السيسي يندد بالإبادة في غزة ويطمئن المصريين الإصلاح الاقتصادي مستمر
فردت عليه السيدة بصوت منخفض ومرتعش: نعم سيدي، أنني خائفة للغاية، فبحوزتي أموال تزيد على الحد المسموح بخروجه من البلاد بـ20 ألف دولار، وقد حصلت عليها من عمل شرعي وفي حاجة شديدة إليها، وأخشى أن ينكشف أمري وتصادرها السلطات.
فقال لها الرجل: إهدائي سيدتي فالأمر لا يستدع كل هذا الهلع، وسوف أساعدك على الخروج بالمبلغ، فقط ثقي بي وأعطني عنوان منزلك في باريس، ودعينا نقتسم الـ20 ألف دولار، فإذا تم اكتشاف أمر أي منا عند الحدود، نكون قد نجونا بنصف المبلغ، وإذا مررنا بسلام فقد فزنا بالمبلغ كاملًا، وأعدك أن أحضر إلى منزلك غدًا وأعيد إليك أموالك.
فردت السيدة: بالتأكيد أثق بك، فمظهرك وحديثك يؤكدان أنك رجل ثري ونبيل.. وأخرجت من حقيبتها 10 آلاف دولار وأعطتها للرجل، وشكرته على تحمله عناء المخاطرة، وظلا يتبادلان الحديث بود شديد.
وعند نقطة التفتيش على الحدود الإنجليزية نزلا سويًا، ووقفت السيدة أمام الرجل في طابور طويل، إلى أن مرت من التفتيش بسلام، إلا أن الرجل صرخ بأعلى صوته موجهًا حديثه لضباط الأمن الإنجليزي: “اقبضوا على هذه السيدة الفرنسية، إنها تريد تهريب أمولًا والإضرار بالاقتصاد البريطاني، وتحمل 20 ألف دولار فوق حد الأموال المسموح بخروجها، نصفها في حقيبتها وهذا هو النصف الآخر، وقد اضطررت لمجاراتها لأسلمها إليكم وأحمي اقتصاد بريطانيا العظمى”.
فما كان من السلطات إلا أن ألقت القبض على السيدة، التي انهارت وأصابها الذهول من هول ما فعله الرجل، الذي بدا مبتسمًا وفخورًا بما فعل، وسط حفاوة من السلطات والمواطنين الذين تعاملوا معه كبطل قومي، وتسابقوا لتحيته إلى أن استقل القطار.
في حين عاشت السيدة ليلة قاسية، خضعت خلالها لتحقيقات شديدة، حاولت خلالها تبرير الأمر والكشف عن مصدر أموالها الشرعي، دون جدوى، واضطرت في النهاية إلى التنازل عن المبلغ في مقابل إطلاق سراحها، واستقلت القطار منكسرة، تلاحقها نظرات الركاب وكأنها لصه خائنة.
وبعد عدة أيام فوجئت السيدة الفرنسية بطرق على باب منزلها، ففتحت، فإذا بالرجل الإنجليزي الذي سلمها لسلطات بلاده يقف أمامها مبتسمًا، فصرخت فيه: يا لك من إنجليزي وقح، كيف تجرأت وحضرت إلى هنا بعد ما فعلت بي، فأجابها بهدوء شديد: لا تتعجلي، فقد جئت لأرد لك أموالك، تفضلي، هذا الظرف به 40 ألف دولار، نصفها أموالك، والنصف الآخر مكافأة لك.
فنظرت إليه السيدة بدهشة شديدة، وقبل أن تنطق بكلمة قال لها: “لا تتعجبي، فقد كنت أحمل في حقيبتي 10 ملايين دولار، وأردت أن أصرف أنظار السلطات عني، ففعلت ما فعلت”.
للأسف، هكذا يبدو ظاهر كثيرًا ممن يدعون الوطنية، وهم في باطن الأمر لصوص، جمعوا ثرواتهم القذرة من أعمال غير مشروعة كالآثار والمخدرات والدعارة والسلاح وأقوات الفقراء، وشرعوا في غسلها من خلال مضاربات غير شريفة بأراضي وعقارات صعدوا بأسعارها لأعلى من قيمتها الحقيقية بمراحل، وأنشطة استهلاكية أضرت بصميم الاقتصاديات الوطنية.
غير أن ما يدمي القلب، أنهم نجحوا بثرواتهم المشبوهة وقناع الوطنية المزيف، من القفز لصدارة المشهد في العشرات من المواقع القيادية والنيابية، ليتحكوا في قرارات مصيرية وتشريعات حياتية تحدد مصائر الشعوب، .. وما أكثر لصوص الوطنية في زمننا هذا.. وكفى.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



