الرئيسيةتقدير موقف

قراءة استراتيجية في تداعيات الحرب الإسرائيلية – الإيرانية على أمن القارة الأفريقية

رامي زُهدي – خبير الشؤون الأفريقية والسياسية – نائب رئيس مركز “العرب” للأبحاث والدراسات

بعد أسابيع من التصعيد العسكري المباشر وغير المسبوق بين إسرائيل وإيران، أُعلن رسميًا عن هدنة غير مشروطة بين الطرفين، لتطوى مؤقتًا صفحة دامية من الصراع، وتبدأ معها مرحلة جديدة من الترقب والتأهب. لكن أفريقيا، التي لم تكن طرفًا في النزاع، تجد نفسها كما في كل مرة، مضطرة لتحمل فاتورة حرب لا تملك أدوات التأثير فيها، لتُثبت الأحداث مجددًا أن الموقع الجيوسياسي للقارة، وتداخلها مع عمق الشرق الأوسط، يجعلانها أول المتضررين وآخر من يخرج من دائرة الخطر.

فهل يعني وقف إطلاق النار نهاية للأزمة؟ أم أن التداعيات الاقتصادية والأمنية والسياسية ستستمر في تشكيل واقع جديد، على الدول الأفريقية أن تستعد له؟ وهل يمكن تحويل آثار الحرب المؤلمة إلى فرصة لإعادة هيكلة الأمن الغذائي والطاقوي والمالي في القارة؟

اقرأ أيضا: المغرب العربي في أسبوع.. تحولات تنموية وتحالفات إقليمية تعيد رسم المشهد وتونس تنضم لمجموعة G3

أفريقيا في عين العاصفة… حتى بعد توقف القصف

انتهت الضربات الجوية، لكن آثار الاضطراب في سلاسل الإمداد، والتقلبات العنيفة في الأسواق الدولية، والضغوط على العملات المحلية والاحتياطيات النقدية، لا تزال تُلقي بظلالها الثقيلة على الواقع الأفريقي. فمنذ اندلاع المواجهات في أبريل وحتى إعلان الهدنة في أواخر يونيو 2025، دخلت القارة في موجة من الارتفاعات المتتالية في الأسعار، ونقص المعروض، واضطراب السياسات المالية.

أما اضطراب سلاسل الإمداد واللوجيستيات، فإنه باقٍ حتى إشعار آخر، فرغم انخفاض نسبي في مؤشرات أسعار الشحن عقب إعلان الهدنة، فإن كثيرًا من الشركات العالمية لم تستأنف بعد مساراتها عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، خشية تجدد المواجهات. كما لم تُخفض شركات التأمين البحري بعد رسومها المرتفعة التي وصلت إلى ذروتها في مايو ويونيو، مع تسجيل ارتفاعات بلغت 45 % في تكاليف النقل البحري في ذروة التصعيد، و60 % في التأمين على السفن العابرة نحو شرق أفريقيا، و38 % زيادة في مؤشر “Drewry” لأسعار الحاويات خلال شهري أبريل ومايو.

هذه الزيادات، وإن كانت بدأت بالاستقرار تدريجيًا، فإنها تُرخي بثقلها على الدول الأفريقية الفقيرة التي تعتمد كليًا على الاستيراد، وتواجه ضغوطًا تمويلية متصاعدة.

 

الأمن الغذائي… إسكات البنادق لا يُشبع البطون

على الرغم من وقف إطلاق النار، فإن أسواق الحبوب والزيوت لم تشهد بعد أي تراجع ملموس. لا تزال أسعار القمح مرتفعة بنسبة 15–17 % مقارنة بمطلع العام، كما يُتوقع أن يستمر النقص في المعروض حتى نهاية 2025، مع تأخر سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن.

كما، ارتفعت أسعار الذرة وزيت الصويا بنسبة تجاوزت 20 %، خصوصًا في شرق القارة ومنطقة الساحل.

بينما، 28 دولة أفريقية تواجه خطرًا متصاعدًا لانعدام الأمن الغذائي، في مقدمتها: إثيوبيا، والصومال، وتشاد، وبوركينا فاسو، ومدغشقر.

ووفقًا لأحدث تقارير برنامج الأغذية العالمي، فإن أكثر من 320 مليون أفريقي مهددون بانعدام الأمن الغذائي خلال النصف الثاني من 2025، في واحدة من أسوأ موجات العجز الغذائي منذ جائحة كورونا.

 

أزمة الطاقة مستمرة رغم التهدئة

رغم انخفاض أسعار النفط عالميًا إلى قرابة 94 دولارًا للبرميل بعد إعلان الهدنة (مقارنة بـ107 في منتصف يونيو)، فإن الدول الأفريقية المستوردة للوقود لم تشهد تخفيضات ملموسة بعد، بسبب عقود الشراء المسبقة والأسعار الآجلة التي عقدت خلال ذروة الحرب.

ففي نيجيريا على سبيل المثال، تواصل أزمة الوقود بسبب تحرير الدعم وصعوبة الاستيراد.

أما، في المغرب وتونس، فبدأت الحكومات رفع تدريجي في أسعار المحروقات تحاشيًا لعجز الميزانية.

وفي دول الساحل، أدى ارتفاع تكلفة الطاقة إلى تعطيل قطاعات إنتاجية وزراعية بالكامل، كما أن البنية التحتية المحدودة للطاقة البديلة جعلت كثيرًا من الدول عاجزة عن التحوّل السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وهو ما يدفع نحو تسريع الاستثمارات في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.

 

العملات والأسواق… التداعيات لا تزال تتراكم

الضرر الأكبر ظهر في أسواق العملات، حيث انخفضت قيمة العملة المحلية في كينيا، وأوغندا، ومصر، وجنوب السودان، وزيمبابوي بنسب تراوحت بين 8 و14 %.

وفي إثيوبيا والسودان، اشتدت أزمة شح النقد الأجنبي إلى درجة أثّرت على استيراد السلع الأساسية.

كذلك عاد التضخم في دول عديدة إلى أرقام مرتفعة جدًا، في كينيا مثلًا سجل التضخم أكثر من 12 %.

وكل هذا يدفع كثيرًا من الحكومات إلى خيارات الاقتراض الدولي مجددًا، ما يُهدد بإعادة سيناريوهات أزمة ديون أفريقية جماعية في 2026.

 

مشهد سياسي واجتماعي هش… من الهدنة إلى الهشاشة

التهدئة لم توقف موجات الغضب الشعبي، خصوصًا في دول تمر بمرحلة انتقالية أو تعاني من هشاشة اقتصادية، فشهدت تشاد ومالي والكونغو الديمقراطية احتجاجات محدودة بسبب غلاء الأسعار ونقص الوقود.

بينما، تتفاقم التوترات الداخلية في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان نتيجة نقص الغذاء وزيادة الأسعار، وكذلك حدث توسع لدور الميليشيات والفاعلين غير الدوليين في مناطق فراغ الدول والحكومات، ما قد يُشعل جبهات جديدة للصراعات والأزمات.

 

رؤية استراتيجية أفريقية لما بعد الحرب

الهدنة تمثل فرصًا إيجابية، لكنها محفوفة بالمخاطر، وعلى الدول الكبرى في القارة مصر، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا، والمغرب، أن تتحرك سريعًا لبناء منظومة حصانة اقتصادية وأمنية أفريقية شاملة، من خلال العمل على تفعيل مبادرة الأمن الغذائي الأفريقي بقيادة مصر والمغرب، بما يشمل الاستيراد الجماعي وتخزين استراتيجي للحبوب.

وكذلك، تسريع مشروعات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر في الساحل وشرق أفريقيا، وتوطين تكنولوجيا الطاقة، والسعي نحو إنشاء صناديق مالية سيادية مشتركة لمقاومة تقلبات أسعار العملات وتوفير غطاء استيرادي مشترك، وأيضًا، إحياء دور التكتلات الإقليمية (الكوميسا، وإيكواس، والسادك) في تنسيق السياسات الجمركية والغذائية والنقدية.

 

أفريقيا… من ساحة للفاتورة إلى منصة للحلول

لقد أجبرت الحرب الإسرائيلية الإيرانية أفريقيا على دخول قلب ملعب صراع لا تملك فيه لا الحكم ولا الجمهور. واليوم، مع الهدنة، حان الوقت لتحويل هذا الضغط إلى فرصة لإعادة صياغة منظومة الأمن القومي الأفريقي بمفاهيم استباقية، تكاملية، واستقلالية.

والسؤال الأهم الآن: هل نمتلك الجرأة لوضع أولوياتنا الأفريقية أولًا؟ أم نظل دائمًا ندفع ثممن صراعات الآخرين، في كل مرة، وبلا نهاية؟

الجواب كما هو دائمًا… عند من يملكون الإرادة، لا من ينتظرون الإملاء.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى