فلسطين في أسبوع .. صمود هيكلي في مواجهة التهجير وحراك سياسي مكثف لبلورة الاستحقاق الوطني المشترك

تواجه الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مقدمتها مدينة القدس الشرقية، هجمة استيطانية وهيكلية متسارعة تستهدف طمس هويتها التاريخية والحضارية وتغيير واقعها القانوني القائم. وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بأشد العبارات إقدام السلطات الإسرائيلية على الاستيلاء على أرض تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية في بلدة سلوان المحتلة، واصفة هذا الإجراء بالاعتداء الخطير الذي يمس التراث الديني العالمي للشعب الفلسطيني. وشمل الاعتداء طرد ممثل البطريركية ومصادرة معداته واقتلاع الأشجار وإحاطة الموقع بأسوار وبوابات حديدية، رغم أن الأرض مسجلة رسمياً وتضم شواهد دينية وأثرية ذات قيمة تاريخية وتراثية كبرى تحظى بحماية صريحة بموجب قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وفي سياق متصل، أكدت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين أن هذا الانتهاك الصارخ لا ينفصل عن سياسة ممنهجة وأوسع نطاقاً تستهدف الاستيلاء على الأملاك المسيحية والإسلامية والأوقاف الدينية لتفريغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين واستهداف الوجود المسيحي الفلسطيني. وشددت الفعاليات الوطنية والقانونية على أن جميع إجراءات المصادرة والضم باطلة ولاغية ولا تنشئ أي حق للاحتلال. وتتزامن هذه الانتهاكات مع تصعيد عسكري واستيطاني واسع النطاق في مختلف مناطق الضفة الغربية، يسفر عن تجريف الأراضي وحرق المحاصيل ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى أنه منذ الثامن من أكتوبر لعام ألفين وثلاثة وعشرين، أدت اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية إلى مقتل ألف ومئة وتسعة وستين فلسطينياً، وإصابة أكثر من اثني عشر ألفاً وستمئة وستة وستين آخرين، فضلاً عن اعتقال نحو ثلاثة وعشرين ألف مواطن وتهجير ثلاثة وثلاثين ألفاً من منازلهم ومخيماتهم.

مخاطر التهجير القسري المستمر
يتزامن إحياء اليوم العالمي للاجئين هذا العام مع ظروف استثنائية بالغة التعقيد تعيد إلى الأذهان المأساة التاريخية لنكبة عام ألفين وتسعمئة وثمانية وأربعين، حيث أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بياناً أكدت فيه أن قضية اللاجئين ستبقى الجوهر السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية برمتها والشاهد الحي على الظلم التاريخي المستمر. وأشارت الدولة إلى أن ملايين الفلسطينيين لا يزالون يعيشون في مخيمات اللجوء والشتات محرومين من حقهم غير القابل للتصرف في العودة واستعادة ممتلكاتهم وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم مئة وأربعة وتسعين، مشددة على أن العدوان الأخير قد أنتج موجات نزوح قسري متكررة وغير مسبوقة داخل قطاع غزة جراء تدمير الأحياء السكنية والبنية التحتية بالكامل.
وحذرت فلسطين المجتمع الدولي من مخاطر التعامل مع الأمر الواقع والنزوح الحالي كترتيبات دائمية يمكن البناء عليها سياسياً، مؤكدة الرفض القاطع لأي مخططات تستهدف تفريغ الأرض أو تصفية القضية عبر بوابات الإغاثة الإنسانية المؤقتة. ودعت الخارجية الفلسطينية القوى الدولية إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية وتفعيل التدابير العملية التي أقرتها محكمة العدل الدولية بشأن عدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عن الاحتلال. كما جددت الدولة دعمها المطلق لولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” باعتبارها الشاهد الأممي والمادي على استمرار اللجوء، مؤكدة أن حق العودة حق فردي وجماعي لا يسقط بالتقادم، وأن النضال سيستمر حتى تجسيد الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

الحراك السياسي في القاهرة والرد الفلسطيني الموحد
على المسار الدبلوماسي والتفاوضي، تشهد العاصمة المصرية القاهرة حراكاً سياسياً مكثفاً لبلورة موقف وطني فلسطيني مشترك تجاه الأوراق التفاوضية المطروحة لإرساء التهدئة وتطبيق المراحل السياسية اللاحقة. وسلمت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، الوسطاء الرد الوطني الموحد على خارطة الطريق المتعلقة بتطبيق المرحلة الثانية من الخطة الإستراتيجية التي طرحتها الإدارة الأمريكية، وجاء هذا الإعلان عقب جولة مشاورات موسعة تلت تسلم الفصائل المبادرة من ممثل “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، مما يعكس رغبة وطنية صلبة في صياغة جبهة تفاوضية موحدة تحمي الثوابت والمكتسبات الميدانية.
وتدرس الفصائل حالياً بعمق وتفصيل التعديلات الأخيرة التي قدمها ملادينوف خلال الاجتماع الموسع بحضور الوسطاء ومساعد المبعوث الأمريكي في القاهرة، حيث تجري مشاورات داخلية منفصلة لكل فصيل يعقبها لقاء وطني شامل للاتفاق على الصياغات النهائية. وتشير المصادر التحليلية إلى أن التعديلات المقترحة شملت بنوداً متعددة، من أبرزها البند الثامن المتعلق بحصر وتخزين السلاح وإدراج مصطلح البنية التحتية الذي يثير تبايناً في التفسير. وتسعى الفصائل الفلسطينية بالتشاور مع المستويات القيادية والميدانية إلى حصر تعريف البنية التحتية في أطر محددة تشمل الأنفاق وورش التصنيع والمخازن فقط، دون التمدد إلى العناصر البشرية أو المقرات العسكرية والمركبات، تفادياً للصياغات الفضفاضة وضماناً لتقريب المواقف بما يحقق تقدماً ملموساً في المسار السياسي الشامل.

التطورات الميدانية الخارقة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة
يتواصل الحراك السياسي وسط بيئة ميدانية بالغة التوتر والتعقيد في قطاع غزة، حيث تسجل الخروقات العسكرية والانتهاكات الميدانية تصاعداً مستمراً من قِبل القوات الإسرائيلية والعصابات المسلحة المتحالفة معها رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منذ العاشر من أكتوبر لعام ألفين وخمسة وعشرين. وأسفرت الاستهدافات الأخيرة عن إصابة ثلاثة مواطنين جراء سقوط قذيفة مدفعية استهدفت خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب القطاع، بالإضافة إلى تسجيل إصابات أخرى ناتجة عن إطلاق النار الكثيف من الآليات العسكرية والطائرات المسيرة في المناطق المتاخمة للخط الأصفر الإستراتيجي، ما يرفع الحصيلة الكلية للضحايا منذ بدء التهدئة المفترضة إلى أكثر من ألف قتيل وثلاثة آلاف جريح.
وفي تطور ديموغرافي وميداني خطير شمال قطاع غزة، أقدمت عناصر مسلحة مجهولة على تحريك وتقديم الخط الأصفر لمسافة تصل إلى مئتي متر باتجاه الغرب من مخيم جباليا في منطقة العلمي، وهي خطوة تهدف بشكل مباشر إلى توسيع مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتحويلها إلى أحزمة أمنية معزولة، مما تسبب في إشعال موجة نزوح جديدة للعائلات الفلسطينية القاطنة في محيط المنطقة. وتزامن هذا التحرك اللوجستي مع توغل آليات هندسية وعسكرية إسرائيلية شرق مدينة دير البلح باتجاه الجنوب وغرب الخط الأصفر، حيث نفذت القوات عمليات هدم واسعة للمنازل والمنشآت السكنية القائمة، فضلاً عن تسجيل غارات جوية أدت إلى مقتل خمسة مواطنين، مما يؤكد سعي الاحتلال المستمر لفرض وقائع جغرافية قسرية على الأرض لتغيير ملامح القطاع.

صمود البنية المالية ومؤشرات بورصة فلسطين
على الجانب الاقتصادي والمالي، أظهرت المؤسسات والأسواق المالية الفلسطينية مرونة واضحة وقدرة على التعافي والتكيف مع الضغوط السياسية والأمنية المحيطة، حيث واصلت مؤشرات بورصة فلسطين مسارها الصاعد في ختام التداولات الرسمية لأولى جلسات الأسبوع. وأغلق مؤشر القدس الرئيسي مرتفعاً بنسبة ستة وثمانين بالمئة من المئة، رابحاً أكثر من خمس نقاط ونصف النقطة ليقفل عند مستوى ستمئة وتسعة وخمسين وسبعة أعشار النقطة، في حين لحق به مؤشر القدس الإسلامي محققاً نمواً بنسبة تسعة وستين بالمئة من المئة، وسط تداولات نشطة شملت أسهم اثنتي عشرة شركة ارتفعت منها أسعار خمسة أسهم واستقرت أسعار أربعة أخرى، بقيمة تداول إجمالية تجاوزت ثلاثمئة وستة عشر ألف دولار.
ودعمت الشركات المدرجة هذا الاستقرار المالي عبر اتخاذ حزمة من القرارات التنظيمية والهيكلية المواكبة للقوانين الحديثة، حيث حددت شركة القدس للاستثمارات العقارية تاريخ الرابع والعشرين من يونيو الحالي موعداً لعقد اجتماع هيئتها العامة العادي وغير العادي لمناقشة بيانات عام ألفين وخمسة وعشرين، وإقرار الحسابات الختامية، وتعديل بنود نظامها الداخلي بما يتوافق مع قانون الشركات الفلسطيني الجديد الصادر عام ألفين وواحد وعشرين. ومن جهتها، باشرت شركة فلسطين للاستثمار الصناعي توزيع أرباحها النقدية على المساهمين عبر فروع بنك القدس والتحويلات الخارجية، في حين وافق مجلس إدارة مركز نابلس الجراحي التخصصي على التعديلات القانونية ذاتها تمهيداً لعرضها على الجمعية العمومية، مما يعكس حيوية القطاع الخاص وثقته في المرتكزات القانونية والاقتصادية الوطنية.

دعم عربي للمنظومة التعليمية
امتداداً لجهود التثبيت المؤسسي، انطلقت بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أعمال الدورة الحادية عشرة بعد المئة للجنة البرامج التعليمية الموجهة إلى الطلبة العرب في الأراضي العربية المحتلة، برئاسة دولة فلسطين وبمشاركة وفود رسمية من مصر والأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب ممثلي المنظمات المتخصصة كالألكسو والإسيسكو واتحاد إذاعات الدول العربية ووكالة الأونروا. وتأتي هذه الاجتماعات الممتدة لخمسة أيام كحائط صد دبلوماسي وتربوي لمناقشة التحديات الجسيمة التي تفرضها سلطات الاحتلال ضد المسيرة التعليمية الفلسطينية، واستهدافها الممنهج للطلاب والمعلمين والكوادر التدريسية في الميدان.
وتركز نقاشات اللجنة العربية على وضع آليات تنفيذية لمواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى ضرب المناهج التعليمية الوطنية وتزييفها، ورفض كافة أشكال الضغوط المادية والسياسية التي تمارسها قوى الاحتلال لفرض المناهج الإسرائيلية أو تصفية المدارس التابعة للأونروا في القدس الشرقية. وأكدت الوفود المشاركة على ضرورة توفير الدعم المالي والتقني الدولي لضمان استمرار العملية التعليمية وحماية الحقوق الأساسية للطلبة كأداة رئيسية من أدوات التثبيت والصمود وتنمية الوعي الوطني لدى الأجيال الناشئة في مواجهة سياسات التجهيل والإحلال الاستعماري.
وفي هذا السياق تثبت القراءة الإستراتيجية الشاملة للمشهد الفلسطيني في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية أن الشعب الفلسطيني ومؤسساته السياسية والمالية يديرون معركة صمود متكاملة الأركان لمواجهة أعنف مخططات التهجير القسري والأسرلة الديموغرافية. إن التلاحم الدبلوماسي والقانوني ل حماية الأوقاف الكنسية في القدس، وتوحيد الرؤية التفاوضية للفصائل في القاهرة بشأن شروط السيادة وحصر السلاح، بالتزامن مع الأداء الإيجابي لبورصة فلسطين، والتنسيق العربي المشترك لحماية المناهج التعليمية، كلها مؤشرات تؤكد أن القضية الفلسطينية لن تطوى ولن تتحول إلى ملف إغاثي عابر. ويظل التمسك بحق العودة وإقامة الدولة المستقلة الركيزة الأساسية التي تتحطم عليها كافة المحاولات الرامية لتغيير الحقائق التاريخية والقانونية الثابتة على أرض فلسطين المحتلة.



