د. أحمد عبد العزيز بكير يكتب: غزة التي جاعت ولا ناصر لها: سياسة التجويع المنهجي تحت حصار العالم الصامت

في ظل صمت عالمي مريب، تحول قطاع غزة إلى مختبر لإبادة جماعية ممنهجة عبر التجويع، والأمر ليس وليد اليوم ولا لحظة طوفان الأقصى. فمنذ العام 2007، فرضت إسرائيل حصاراً (برياً، بحرياً، وجوياً) تحوَّل إلى “سياسة عقاب جماعي” غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث لم نسمع مطلقاً ولم نقرأ بكتب التاريخ ولا حوادث الأيام أن يتحكم مستعمر في كل سعر حراري يدخل جسد مواطني الأرض التي احتلها. تحكمت إسرائيل في السعرات الحرارية لأهالي قطاع غزة وحددتها بـ 2279 سعر حراري يومياً للفرد، وهو الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة دون كرامة إنسانية.
اقرأ أيضا: فلسطين في أسبوع.. الجوع ينهش ما تبقي من الأهالي في غزة.. والمفاوضات تقترب من الحسم
اليوم، وبعد 18 عاماً من الحصار، و10 أشهر من الحرب الشاملة التي بدأت في السابع أكتوبر 2023، يواجه 93% من سكان قطاع غزة انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يعيش 470 ألف فلسطيني في مرحلة “الكارثة” وهي أعلي وأشد درجات المجاعة، وتمثل المستوى الخامس من تصنيف درجة المجاعة طبقاً للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.
آليات التجويع الإسرائيلية.. من الحصار إلى الإبادة:
ولإسرائيل أدواتها التاريخية في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، تستخدمها الآن في غزة وببراعة وعلي مرأي ومسمع المجتمع الدولي بداية من تدمير البنية التحتية حيث استهدفت المخابز ومطاحن الدقيق ودمرت أكثر من نصف مخابز القطاع بحلول نوفمبر 2023، وبحلول ديسمبر 2023 أصبح شمال القطاع بلا مخبز واحد عامل طبقاً لتقرير برنامج الأغذية العالمي. إضافة إلى ذلك قامت بتجفيف مصادر المياه وقطعت 96% من إمدادات المياه الصالحة للشرب، ما دفع السكان لشرب مياه البحر المالحة، وبحلول أكتوبر 2023، انخفضت حصة الفرد اليومية إلى 3 لتر/يوم مياه فقط، بينما الحد الأدنى الصحي من 50 الي 100 لتر/يوم بحسب منظمة الصحة العالمية.
وفي حالة من الغطرسة والتعنت الشديدين أصر الاحتلال على منع الوقود والأدوية، فمع بداية هذا الشهر، منعت إسرائيل دخول الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه ومولدات المستشفيات، مما أفقد غزة آخر محطة لتحلية مياه البحر.
“مؤسسة غزة” الإنسانية في خدمة القتل:
في فبراير 2025، أنشأت إسرائيل كياناً يسمي “مؤسسة غزة الإنسانية” كواجهة لتسليع المعاناة وتحويل المساعدات إلى أداة حرب وقنص لأرواح الفلسطينيين من متلقي المساعدات بالقطاع، وقامت بوضع نقاط التوزيع قرب مواقع الجيش الإسرائيلي بعيداً عن المناطق السكنية، مما أجبر الجائعين على السير كيلومترات والانتظار ساعات، ليكونوا أهدافاً سهلة للطائرات والمسيرات الإسرائيلية، فيما وثّق مركز الجزيرة للدراسات نقلاً عن المقاومة استشهاد 454 فلسطينياً وإصابة 3466 آخرين خلال طوابير الغذاء فقط في يونيو 2025.
وفي حديث لا يخرج من فاشي معادي لكل ما هو إنساني، صرح نتنياهو بأن “الأزمة الإنسانية تُقَرِّب إسرائيل من النصر المطلق.
ومن خلال تطبيق استراتيجيتها الجديدة لترسيم وتشكيل جغرافيا القطاع بالشكل الذي يجعل من غزة منطقة عازلة أوسع إلى الجنوب مع مصر، تقوم إسرائيل حالياً بتطهير ديموغرافي من نوع جديد عبر الجوع عن طريق فصل منطقة رفح تماماً عن باقي القطاع بعد إنشائها محور “موارج” الممتد حتي الحدود المصرية و إنشاء منطقة عازلة بعمق واحد كم 2 شمالاً وشرقا وأصرت علي إبقاء قواتها في المنطقة ما بين موارج ومحور فيلاديلفيا، ودأبت علي تهجير سكان الشمال والوسط، واشترطت توزيع المساعدات على مناطق الجنوب فقط سعياً منها لإحياء فكرة الترانسفير ( مصطلح التهجير الذي أطلقه بن جوريون لأول مرة عام 1954)، بينما تم تجويع شمال غزة عمداً، حيث يعاني 750الف فلسطيني من مجاعة حقيقية بشمال وعمق القطاع. كما روجت إسرائيل للهجرة نحو مناطق نفوذ ميليشيا “ياسر أبو شباب” بئر الخيانة الموالي لها، حيث تُوزع المساعدات فقط هناك.
فيما تواطئت دول الغرب تواطؤً صريحاً ورفضت الضغط على إسرائيل، بل هاجمت وكالات ومنظمات الأمم المتحدة المقاومة وأعلنوا مسؤوليتها عن تردي الأوضاع بقطاع غزة بسبب تعمدها تعثر المفاوضات وتحرير الأسري اليهود لديها، وأشاروا بأن إسرائيل غير ملزمة بالسماح للمنظمات الإنسانية بالعمل داخل القطاع.
فيما لم تفتح أي دولة عربية معبراً بديلاً عن رفح، رغم قدرة مصر على ذلك واكتفي الجميع الصمت في مشهد مريب، واكتفت الجامعة العربية بـ”التنديد” إجراءات ملموسة علي الأرض.
غزة تُذبح على مرأى العالم، وقد استوفت أفعال وسياسات إسرائيل البند (ج) من المادة الثانية لاتفاقية 1948 فهل يُنقذ العالم ضميره قبل فوات الأوان؟!
لكن سكوت الضمير الدولي والعربي لا يعني استسلام إرادة الحياة، فالشعب الذي اخترع طرقاً للبقاء تحت القصف والتجويع بتحويله أعلاف البهائم لأغذية يملأ بها أفواه ويسد بطون أطفاله التي تتضرعُ جوعاً، قادرًا على أن يُعلّم الإنسانية معنى الكرامة.
إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي إنقاذ ما تبقي من أهل غزة المكلومة من خلال مطالبة أممية وعربية بنشر قوات حماية دولية لتأمين ممرات إنسانية عاجلة، ومقاضاة قادة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية في المحاكم الدولية مع الحرص على تفعيل إلزامية قرارات تلك المحاكم والمؤسسات الدولية، والدعوة لعقد قمة عربية إسلامية لمقاطعة عربية شاملة لإسرائيل حتى رفع الحصار.
وختاماً: إذا كان العالم ينظر لغزة كسلة نفايات تاريخية، فليتذكر أن التاريخ يدفن دائماً أولئك الذين وقفوا متفرجين على الجريمة، الدنيا ستدور والمشاهد ستُعاد والأدوار ستتبدّل، وكُل ساقي سيُسقى بِما سقى، وإلي الله المشتكي.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



