صبري الديب يكتب.. دموي برتبة قائد

هل من الممكن أن تدفع أحلام التوسع الأمريكي الصهيوني بـ”ترامب ـ نتنياهو” وغيرهما من قادة الدم، إلى مزيد من القتل والخراب والدمار وإشعال الفتن والحرب في بقاع مختلفة من العالم، من أجل تحقيق مكاسب وطموحات أقل ما يقال عنها إنها قذرة وغير آدمية؟.. للأسف، أن الواقع والتاريخ يجيبان بـ”نعم”.
فيحكي التاريخ أنه في عام 1347 ميلادي، حرّكت الإمبراطورية المغولية جيشًا ضخمًا بقيادة القائد الدموي الشهير “جاني بيج”، بهدف احتلال أوروبا، التي كانت غارقة في ذلك الوقت في بحور من الصراعات والمجاعات، أدت بها إلى حالة كارثية من الوهن والضعف، حيث تقدم الجيش الغاشم مدعومًا برجال وعتاد ضخمين، إلى أن وصل إلى مشارف مدينة “كافا” في شبه جزيرة القرم بالبحر الأسود.
غير أنه، على عكس المتوقع، فوجئ القائد الدموي بمقاومة شرسة من أهالي المدينة، جعلته، بعد معاناة، يقرر محاصرة كافا، مراهنًا على سقوطها بعد أيام بفعل الجوع والعطش ونقص كل متطلبات الحياة، وهو ما لم يحدث، حيث مرت الأيام والشهور تباعًا إلى أن تعدّت العام والمدينة صامدة، ووجد القائد المغولي نفسه في حيرة، بعد أن بدأ الطاعون ينتشر بين جنوده الذين راحوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر، إلى أن أصبح لديه عدد هائل من الجثث المتحللة، وأدرك أن الهزيمة قادمة لا محالة، وأن صعوبة الأمر تحتم عليه ضرورة الانسحاب.
إلا أن القائد الدموي عزّ عليه أن يترك الميدان دون أن يشبع رغبته اللاإنسانية في القتل والإبادة، وقرر أن ينفذ أول “حرب بيولوجية” في التاريخ، حيث أمر جنوده بجمع كل جثث زملائهم المتحللة، والتي أصبحت بمثابة قنابل مليئة بالطاعون، وقام بتحميلها على أسلحة المنجنيق الضخمة، وألقى بها في أماكن متفرقة من مدينة “كافا” التي أصيب سكانها بالهلع، وبدأ الطاعون ينتشر بينهم بشكل جماعي، ما دفع أغلبهم إلى الهروب إلى خارج المدينة، وهنا كانت بداية الكارثة الحقيقية.
حيث كانت وجهة أهل كافا الأولى إلى مدينة سيينا الإيطالية، التي بدأ منها انتشار الطاعون إلى كافة المدن الأوروبية، إلى أن حصد أرواح ما يزيد على 50% من سكان القارة العجوز، ومنها وصل إلى آسيا التي حصد ما يزيد على 50% من سكانها أيضًا، ووصل إلى مصر ودول شمال أفريقيا وحصد ما يقرب من 60% من عدد السكان، في حين لم ينجُ من الوباء القاتل سوى سكان الأمريكيتين، إذ شكّل المحيط الأطلنطي مانعًا طبيعيًا حال دون وصول المرض إليهما.
والرغم من أن المراجع التاريخية تؤكد أن الإمبراطورية المغولية خلفت في حروبها الدموية ما يقرب من 40 مليون قتيل، إلا أن ذات المراجع قدّرت عدد ضحايا الطاعون الذي نشره “بيج” بنحو 200 مليون ضحية، حيث بدت شوارع أوروبا في ذلك الحين مكتظة بالجثث المتعفنة، بعد أن عجزت الحكومات عن دفنها، لدرجة دفعت بالبابا كليمنت السادس إلى إنفاق الجزء الأكبر من ثروته الضخمة على شراء حقول شاسعة لدفن الجثث المتحللة بالشوارع.
وعندما ضاق الحال بالجميع ولم يجدوا مكانًا للدفن، اضطروا إلى إلقاء الجثث في نهر رون، الذي تحوّل إلى قاتل متحرك حمل معه الموت إلى أغلب دول أوروبا، وظلت كارثة الطاعون تنتشر وسط عجز العالم، إلى أن تم اكتشاف المضادات الحيوية في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي.
للأسف، أن واقع الأحداث الآنية في العالم يؤكد أنه ما زال يعيش بيننا من هم أشد دموية من “بيج”، وما زالوا يواصلون، رغم اختلاف الأماكن والأحداث، ذات سيناريوهات الإبادة البغيضة، في غزة والضفة وليبيا وسوريا والسودان واليمن وإيران، والعديد من بقاع الأرض، دون النظر إلى بشاعة القتل والخراب والدمار وتغيير مصائر دول وشعوب، في مقابل رغبات لا آدمية مقيتة.. وكفى.



