رأي

صبري الديب يكتب.. العميان 

ظني أنه عندما شرع الكاتب البريطاني الشهير “هيربرت جورج ويلز” في كتابة روايته الخيالية الشهيرة “بلد العميان”، فإنه تعمد صناعة إسقاط مقصود على واقع يعيشه الملايين من عميان العقول والقلوب من الفاسدين واللصوص، وأصحاب الأموال الملوثة، ممن يعيشون بيننا في هذا الزمان.

ويحكي ويلز في روايته الشهيرة أن مرضًا غريبًا انتشر بين مجموعة من مواطني دولة “بيرو”، أدى إلى إصابتهم جميعًا بالعمى، بعد فرارهم من تعذيب الإسبان إلى بلدة نائية بجبال الأنديز، وزاد من معاناتهم حدوث انهيار صخري بالجبال أدى إلى عزل بلدتهم بشكل كامل عن العالم.

وظلت “بلد العميان” على هذا الحال لعدة قرون، لا يدخل إليها أحد ولا يخرج منها أحد، يتوارث أهلها العمى جيلًا بعد جيل، دون أن يعلم أي منهم أن يوجد خارج بلدتهم عالم فسيح يحوي ملايين المبصرين، يختلف تمامًا عن عالمهم المظلم الضيق.

وظل الحال على ما هو عليه، إلى أن قرر مغامر يدعى “نيونز” تسلق جبال الأنديز، وشاء حظه العاثر أن ينزلق ويسقط فوق عروش أشجار البلدة، ليجد نفسه فجأة وسط عالم غريب من الألوان والبيوت والبشر، ووقف ينادي من يمرون بجواره ليتبين أين هو، أو ماهية تلك البلدة، إلا أنه لم يلتفت إليه أحد، وظل في حيرة، إلى أن أدرك أنه سقط في عالم معزول كل سكانه من العميان.

ولم يجد “نيونز” حلًا للخروج من الكارثة التي حلت به، سوى الاقتراب من سكان البلدة وتعريفهم بنفسه، وكيف وصل إلى بلدتهم، وإخبارهم أنه مبصر، وأنه يوجد خارج بلدتهم عالم ضخم من المبصرين.

ورغم الصراحة المطلقة التي تحدث بها “نيونز” مع أهل البلدة، إلا أنه اكتشف أنه دخل في كارثة أكبر، حيث لم يقتنع أي من العميان بما يقول، وسخروا منه واتهموه بالجنون، اقتناعًا منهم بأنه لا يوجد شيء يسمى البصر، وأنهم هكذا عاشوا وآباؤهم وأجدادهم.

وظل “نيونز” لفترة طويلة يعاني من سخرية واضطهاد العميان، واضطر، مجبرًا، تحت ضغط العزلة والسخرية، إلى محاولة الهرب والعودة إلى عالم المبصرين الذي يعرفه، إلا أنه فشل أمام وعورة وقسوة الانهيارات الجبلية التي عزلت البلدة، واضطر، تحت ضغط التعب والجوع والعطش، إلى العودة إلى عالم العميان.

وأمام اليأس من العودة، قرر نيونز الاستسلام للأمر الواقع والتأقلم مع حياة العميان، وبعد فترة تعلق قلبه بفتاة جميلة، كان كل أهل البلدة يعتبرونها قبيحة للغاية؛ نظرًا لوجهها المدبب الذي يختلف عن وجوه كل الفتيات العميان، وقرر الرجل المبصر التقدم لخطبتها، إلا أن والد الفتاة وجد نفسه في حيرة بين أن يترك ابنته القبيحة دون زواج، أو يزوجها لرجل مجنون، وفي النهاية قرر عرض الأمر على حكيم البلدة، الذي قرر الموافقة على الزواج بشرط اقتلاع عيني نيونز ليصبح مثل كل سكان البلدة.

وبالفعل، اجتمع العميان وقرروا تنفيذ وصية حكيم البلدة، واقتلاع عيني الرجل المبصر، وهنا أدرك نيونز أنه بات في خطر مرعب، وأن عليه الاختيار بين حبه وبصره، وفي النهاية قرر الفرار بعينيه، بعد أن أيقن أن العمى لم يصب عيون أهل بلد العميان فحسب، بل أصاب عقولهم وقلوبهم، وأن العمى بات لديهم عقيدة تعتبر الظلام عافية، والبصيرة جنونًا، وبالفعل شاء القدر له النجاة والعودة إلى عالم المبصرين.

للأسف، إن الواقع يقول إن “بلد العميان” لم تعد خيالًا مثلما صورها ويلز في روايته الشهيرة، بل حقيقة يعيش فيها الآلاف من عميان العقول والقلوب الذين يرون في كبت الحريات حياة، ووأد الديمقراطية رغدًا، ويتلذذون بجهل في كي كاهل الفقراء بضرائب وإتاوات عن مخالفات لم يرتكبوها، ومعهم لصوص المال العام، وأصحاب الأموال الملوثة الذين حولوا الموت إلى سلعة، والمرض إلى تجارة جعلت من أجساد المساكين قطع غيار رخيصة لمن يدفع.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى