د. نبيل أبو الخير يكتب.. من منصات القرار إلى أحزاب الوهم: حين ينقلب المسؤول على تاريخه

تعتبر ظاهرة خروج المسؤولين الكبار من دائرة صنع القرار ونهاية فترات خدمتهم الرسمية إحدى المحطات الحساسة في حياة الأفراد والدول على حد سواء. فبينما يُفترض أن تُشكل هذه المرحلة بداية لتوظيف خبرات متراكمة في خدمة الوطن عبر قنوات مؤسسية سليمة، يلجأ بعض هؤلاء المسؤولين — نتيجة شعورهم بالفراغ التام أو رغبةً في الاحتفاظ بالأضواء والنفوذ الوهمي — إلى مسارات التباعد والارتماء في أحضان كيانات وأحزاب سياسية ومؤسسات وهمية ليس لها تواجد حقيقي على الأرض.
وهم البديل ومخاطر الكيانات الوهمية
عندما ينفصل المسؤول السابق عن واقع العمل الرسمي، يفقد القدرة تدريجياً على قراءة المشهد العام بموضوعية، مما يدفعه نحو كيانات ضعيفة أو أحزاب سطحية. هذه المؤسسات غالباً ما تكون قد أُسست في أوقات سابقة بأجندات مناهضة للدولة ومؤسساتها. ورغم أن هذه الكيانات تسعى اليوم لرفع شعارات الموالاة الشكلية للبقاء في المشهد، إلا أن باطنها يضمر امتعاضاً مستمراً ورفضاً مبطنًا لمسار الاستقرار والتنمية، متخذة من التشكيك والتحريض أسلوبًا خفيًا للتأثير.
تغذية النعرات والعنصرية كأداة ضغط
في محاولة يائسة لإثبات الوجود وتحقيق مكاسب نفوذ ضيقة، تلجأ هذه المؤسسات الموازية إلى أساليب تهدد السج السلمي والمجتمعي؛ وأبرزها إثارة النعرات، وتشجيع العنصرية، وتأجيج الانقسامات الفئوية أو الجهوية. والخطير في الأمر هو انخراط بعض الشخصيات التي كانت تشغل مناصب رفيعة في هذه الممارسات دون وعي كافٍ بخطورتها، دافعهم الوحيد هو الانتقام المعنوي لشعورهم بالتهميش أو عدم إسناد مهام جديدة لهم، ضاربين عرض الحائط بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية التي تفرض عليهم الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
الولاء المزيف وازدواجية الخطاب
يتجلى التناقض الأكبر في سلوك هؤلاء الأفراد من خلال “الولاء المزدوج” أو الموالاة الشكلية المرتبطة بالمصالح؛ فهم يظهرون علنًا التأييد للدولة وسياسات العامة، بينما يمارسون في كواليس تلك الكيانات الهامشية أدواراً عكسية تماماً. هذا الخطاب المزدوج لا يُعبر فقط عن أزمة انتماء حقيقية، بل يعكس أيضًا حالة من الإفلاس السياسي لشخصيات عجزت عن التكيف مع فكرة “التقاعد الوطني” أو العمل التطوعي الشريف لصالح الوطن دون السعي خلف الألقاب والمناصب.
نحو استثمار حقيقي للخبرات وإغلاق الثغرات
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا مجتمعياً ومؤسسيًا بأهمية سد الفراغ الذي يواجه المسؤولين السابقين، من خلال دمجهم في مجالس استشارية حقيقية، أو مراكز فكر وبحث وطنية توظف طاقاتهم بشكل إيجابي يخدم الدولة ولا يضر بها. كما تفرض الضرورة الأمنية والسياسية التصدي الحاسم لأي كيانات وهمية تتخذ من الموالاة الظاهرية ستارًا لنشر الأفكار الهدامة أو تشجيع النعرات العنصرية، لحماية النسيج المجتمعي من عبث الساعين خلف المصالح الشخصية على حساب استقرار الوطن.



