رأي

د. محمد جبريل العرفي يكتب.. القوى الصاعدة والحروب الوجودية

المستهدفان الآن النظام الإيراني والنظام الوطني المصري، لالحاقهما بمصير النظام المقاوم بسوريا، بتنصيب عميل فرّط في السيادة وعرّض سوريا للتفتيت.

الحروب التي نشبت بالمنطقة منذ 1973 إلى الآن حروب وجودية بين أمريكا والكيان من جهة، وبين أعدائهم من العرب ودول الشرق من جهة ثانية، لتدمير أي قوة صاعدة قد تشكل خطرًا مستقبليًا، كتدمير العراق وليبيا وسوريا، والسودان واليمن، ومحاولات النيل من لبنان ومصر وإيران وباكستان، ومحاولات إفناء الفلسطينيين وتهجير من يتبقى منهم.

العالم يشهد أفول نجم القطب الأمريكي، وسطوع نجم قطب الصين، عملية الإحلال في موقع القمة لا تتم عادة إلا بعد حرب، وهذا ما يسمى بفخ (ثيوسيديدس) وهو مصطلح في العلاقات الدولية يصف الوضع الذي تقوم فيه القوة الصاعدة بتهديد هيمنة قوة بالقمة، مما يجعل الحرب بينهما أمرًا مرجحًا جدًا أو حتميًا. المصطلح يعود للمؤرخ (ثيوسيديدس 431- 404 ق.م) والصراع بين أثينا الصاعدة وإسبرطة القوة المهيمنة.

المصطلح أعاد إحياءه الأستاذ الأمريكي (غراهام أليسون) عام 2017 في كتابه (محكومون بالحرب: هل يمكن لأمريكا والصين أن تتجنبا فخ ثيوسيديدس؟) حلل فيه 16 حالة تاريخية مشابهة، فوجد أن 12 منها انتهت بحرب.

الحرب غرب آسيا لتحقيق هدف أمريكا في تطويق الصين، العدو الصاعد في مواجهة القطب الأمريكي. الصين تشكل خطرًا وجوديًا على الهيمنة الأمريكية التجارية، بينما التهديد الروسي يرونه أقل خطورة، لأنه موجه لأوروبا الغربية التي تسعى أمريكا للتخلي عنها، وإطلاق يد روسيا في أوروبا الشرقية.

قرار البريكس الأسبوع الماضي (باعتماد نظام تسوية متعدد العملات)، أو خطة (ريو) خطوة للتحرر من الدولار، الذي بنهايته ستنتهي هيمنة أمريكا، مثلما انتهت الهيمنة البريطانية بتهميش الإسترليني، فنتيجة لعسكرة امريكا للدولار واستخدامه كسلاح للعقوبات والمقاطعة ومصادرة الأرصدة، تخلت كثير من الدول عن الدولار في تجارتها البينية، بما فيها اتفاقية (البترودولار) 1947 بين السعودية وأمريكا.

جرت محاولة لقلب النظام الإيراني، أو وقف برنامجه النووي وإنتاج الصواريخ، لكن إيران امتصت الصدمة فأفشلت المؤامرة، بل ردت بقوة مسببة تهديدًا لوجود الكيان، فاستنجد بأمريكا لوقف الحرب، والتي أدركت – بعد ضربة قاعدة العيديد – أن الكرامة الإيرانية لا تُهان، وأنه لم تعد للمعتدين أهداف قابلة للتحقيق.

الآن نعيش مرحلة هدنة، فالحرب ضد إيران ستنشب من جديد إلى أن تنتهي إما بزوال الكيان أو قلب نظام إيران أو تدجينه؛ أي إجباره على تخليه عن دعم المقاومة.

القوة الأخرى التي تواجه المشروع الصهيوأمريكي بالمنطقة هي الجيش المصري، ولهذا يجري توظيف تنظيمات إرهابية كمنظمة حسم الإرهابية (حركة سواعد مصر) التي أنشئت عام 2016 كامتداد للتنظيم الخاص للإخوان، واقترفت عمليات إرهابية داخل مصر ضد أجهزة الأمن وشخصيات عامة ومراكز خدمية كمعهد الأورام، لكن يقظة الأمن المصري قبضت على معظم قادة التنظيم، كالإرهابي عبد الرحمن البدوي الذي قُبض عليه من الجو عام 2021 قادمًا من السودان إلى تركيا.

الأسبوع الماضي بث التنظيم الإرهابي شريطًا مرئيًا يوثق تدريبات بموقع يُعتقد أنه بليبيا أو سوريا، يهددون فيه بتنفيذ عمليات واقتحام السجون المصرية، في رسالة (نحن هنا) بعد توقف عملياتهم منذ عام 2020. هذا الظهور في هذا التوقيت صناعة (صهيوأمريكية) لزعزعة استقرار مصر، ولإرهاق الجيش المصري والأجهزة الأمنية، في محاولة لاستنساخ تجربة سوريا، لإسقاط النظام بأسلوب (بابل) للحرب من الأبواب الخلفية، أو لإجباره على قبول تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. تتناغم هذه المنظمة مع إرهابية اخرى على حدود سيناء تسمى (منظمة أبو الشباب). جماعة الإخوان لم يعد لها وجود في مصر أو تونس، بينما في غرب ليبيا تملك السلطة والثروة والسلاح، بقيادة المفتي وبقايا أتباع بن لادن، فيدعمون التنظيمات الإرهابية المعادية للشعب المصري، ويستهدفون القوات المسلحة العربية الليبية، تلك الصخرة الصماء التي تحول بينهم وبين صناعة شوكة في خاصرة مصر الغربية.

التنظيمات الإرهابية تتلقى تمويلاً ومأوى من الخارج، وللأسف هناك دول عربية ثرية تغذي الاقتتال العربي وتساعد العدو لتنفيذ مؤامرته، وهذا ما دفع الرئيس السيسي للتهديد باستهداف أي موقع داخل مصر أو خارجها يستخدم في تدريب أو دعم التنظيمات الإرهابية.

الخطر يداهم الأنظمة والشعوب الإسلامية والعربية، أعداؤنا معروفون وأهدافهم واضحة، فيجب ألا نضيع جهودنا، أو يسيطر على أفكارنا النقلات البينية للعدو، أو نستهين بالأحداث الصغيرة العابرة المعزولة، فلنحسن اختيار الحلفاء والشركاء، والا تنحرف بوصلتنا عن العدو الحقيق، ونضع في اعتبارنا ان الاصطفاف مع أي مشروع سياسي يرتكز على أربعة أعمدة هي: بسط الأمن، وترسيخ العدالة الاجتماعية، والتحلي بالنزاهة، وصيانة الوطن. توفر هذه العناصرالاربعة في أي مشروع يمتن الحاضنة الاجتماعية حوله، ويدفع للتضحية في سبيله، أما إذا شعر المواطن بأن أمنه مهدد في نفسه وماله وعرضه، وشعر بنشوء مجتمع طبقي يسحق الفئات الضعيفة ويدعم الاحتكار والاستغلال، وتتوقف فيه التنمية، ويصعب فيه تلبية الحاجات الأساسية، أو لاحظ مظاهر الثراء نتيجة لممارسات النهب واستغلال السلطة في الاستيلاء على الأموال العامة والخاصة، أو حدثت عملية تفريط في مقدرات الوطن بالتخلي عن أجزاء منه أو رهن ثرواته للأجنبي، فإن ذلك المشروع لن يجد له أنصارًا يضحون في سبيله، وحتى إن وجد طماعين أو متملقين أو مغيبين، فسينفرط عقدهم في أول مواجهة مع الطرف الآخر، ان النهضة الشاملة التي تنفذها ثورة يونيو (الفردية) تحفز المخلصين للالتفاف حولها، وتدفع الاعداء للتأمر عليها، لانهم يعتبرون صناعة القوة العلمية والانتاجية والعسكرية تهديد لوجودهم.

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى