سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. حل الدولتين بين شعارات السياسة وحقائق الحرب في غزة

وسط الدخان المتصاعد من قطاع غزة، وبين صمت المجتمع الدولي وصراخ الضحايا، يعود سؤال قديم ليتردد بقوة جديدة: هل لا يزال حل الدولتين ممكناً؟ بعد عقود من الترويج لهذا الخيار باعتباره السبيل الوحيد نحو السلام العادل، تبدو الأحداث المتسارعة وكأنها تكتب شهادة وفاته. هذا المقال يحاول قراءة المشهد السياسي والميداني في ضوء الحرب الأخيرة على غزة، وتحليل ما إذا كان حل الدولتين لا يزال قائمًا فعلاً، أم أنه تحوّل إلى مجرد شعار بلا مضمون.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، ظلّ “حل الدولتين” حاضراً في كل نقاش سياسي ودبلوماسي يتعلق بالقضية الفلسطينية. فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، إلى جانب دولة إسرائيلية تعيش في أمن واعتراف متبادل. لكن مع مرور السنوات، تآكلت ركائز هذا الحل على الأرض، فيما ظل الخطاب الدولي يردده كشعار سياسي أكثر من كونه خطة واقعية قابلة للتحقق. ومع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، عاد السؤال بقوة: هل لا يزال هذا الحل قائماً فعلاً، أم أنه انتهى عملياً وبقي مجرّد وهم سياسي؟
اقرأ أيضا: سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. غزة بين التكرار والانهيار: هل تتعلم حماس من درس الشمال ورفح؟
الحرب على غزة هذه المرة ليست كغيرها من سابقاتها. حجم الدمار، وعدد الضحايا، والانكشاف الكامل لعجز المنظومة الدولية، جعل من غزة مرآة تعكس انهيار المشروع السياسي الذي سُمّي يوماً “عملية السلام”. فالمنطقة بأسرها تعيش اليوم نتائج مباشرة لفشل المجتمع الدولي في فرض حل عادل ودائم، مكتفياً بتسكين الأزمات عبر مفاوضات لم تثمر سوى عن تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان.

إذا نظرنا إلى الواقع الميداني، نجد أن الضفة الغربية تُنهش يومياً بسياسات استيطانية ممنهجة، وأن القدس الشرقية تتعرض لعمليات تهويد تغيّر معالمها وهويتها الديمغرافية، بينما قطاع غزة يعيش تحت حصار خانق منذ أكثر من 17 عاماً، واليوم يواجه أكبر كارثة إنسانية في تاريخه الحديث. هذه المعطيات تجعل الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الإمكانية الواقعية.
يُضاف إلى ذلك الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي يُضاعف من تعقيد المشهد. فالحرب الأخيرة على غزة عمّقت الشرخ بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأضعفت فرص بناء رؤية وطنية موحدة تُشكّل أساساً لمفاوضات جادة. في المقابل، تستغل إسرائيل هذا الانقسام لفرض وقائع جديدة على الأرض، ولتعزيز سرديتها أمام العالم بأنها “لا تجد شريكاً فلسطينياً للسلام”.
فيما يتعلق بالموقف الدولي، ورغم أن القوى الكبرى لا تزال ترفع شعار “حل الدولتين”، فإن مواقفها العملية تُظهر العكس. فهذه الدول، التي تدّعي دعم هذا الحل، وقفت عاجزة أمام وقف الحرب على غزة، بل إن بعضها منح إسرائيل غطاءً سياسياً لاستمرار عدوانها، في تناقض صارخ مع خطابها المُعلن. وهكذا، يبدو أن حل الدولتين قد تحوّل إلى لافتة دبلوماسية تُستخدم لإدارة الصراع، لا لإنهائه.
ورغم قتامة هذا المشهد، مازلنا نتمسك بحل الدولتين كخيار وحيد ممكن، يُجنّب المنطقة المزيد من الحروب والكوارث. فإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، بحدود معترف بها دولياً، وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل نظرياً السبيل الوحيد لتحقيق تسوية سياسية عادلة، تنهي عقوداً من الاحتلال، وتؤسس لسلام مستدام. فبديل هذا الحل هو استمرار الاحتلال، واتساع رقعة العنف، وتكريس منطق القوة على حساب القانون.
تحليلياً، يمكن القول إن حل الدولتين يعيش اليوم حالة “احتضار سياسي”. لم يُعلن موته رسمياً، لأنه لا يزال حاضراً في نصوص قرارات الأمم المتحدة وخطابات القادة، لكنه ميت سريرياً على الأرض. وإن لم يحدث تغيير جذري في موازين القوى، وضغط دولي فعلي يوقف الاستيطان والعدوان، ويُلزم إسرائيل بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية، فإننا قد نكون أمام لحظة تاريخية تُدفن فيها هذه الرؤية نهائياً.
الخلاصة أن حرب غزة لم تكشف فقط عجز النظام الدولي وصمته، بل ضربت في العمق إمكانية العودة إلى ما سُمي يوماً “حل الدولتين”. المستقبل قد يفتح الباب أمام صيغ أخرى، ربما أكثر تعقيداً وقسوة، لكن المؤكد أن تجاهل الحقوق الفلسطينية لن يؤدي إلى سلام، بل إلى حروب جديدة، أشد دماراً.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



