ما وراء التسعين دقيقة.. بيليه ودروجبا وبرونو ميتسو وحكايات من الذاكرة الإفريقية

القاهرة- د. نهاد محمود ( باحثة متخصصة في العلوم السياسية الأفريقية)
مع أجواء كأس العالم وما يصاحبها من شغف وترقب، تستعيد الشعوب الإفريقية ذكريات لا ترتبط فقط بالأهداف والانتصارات، بل بحكايات ومواقف إنسانية صنعتها كرة القدم خارج حدود المستطيل الأخضر. ففي القارة السمراء لم تكن اللعبة يومًا مجرد 90 دقيقة من المنافسة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة للمصالحة، وجسر للتواصل بين الشعوب، ومساحة لصناعة الأمل في أوقات عصيبة.

وتحتفظ ذاكرة الأفارقة بحكايات عديدة تكشف المكانة الاستثنائية لكرة القدم في وجدان الشعوب، نتذكر منها قصة بطلها أسطورة الكرة البرازيلية بيليه، ففي عام 1969، وبينما كانت نيجيريا تعيش أهوال الحرب الأهلية المعروفة بـ”حرب بيافرا” (1967-1970)، وصل بيليه مع فريق سانتوس البرازيلي لخوض مباراة ودية في مدينة لاجوس. وبحسب الروايات التي تناقلتها الصحف النيجيرية والغربية آنذاك، فقد دفعت الشعبية الجارفة التي تمتع بها النجم البرازيلي طرفي الصراع إلى إعلان هدنة مؤقتة ووقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة، حتى يتمكن المواطنون من مشاهدة اللاعب الذي أبهر العالم بموهبته الاستثنائية. وقد بدت تلك اللحظة وكأنها انتصار لكرة القدم على الحرب، حتى إن بعض الروايات وصفت المشهد بقولها: “عندما دخل بيليه ورفاقه إلى المدينة، صمتت المدافع”. وربما لم تُنهِ تلك المباراة الحرب الأهلية أو تغير مسارها بصورة مباشرة، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر القصص رمزية في تاريخ اللعبة، ودليلًا على قدرة كرة القدم على خلق مساحات مشتركة من الأمل والتلاقي حتى في أكثر أوقات الانقسام والصراع قسوة.
وإذا كانت قصة بيليه قد أظهرت قدرة كرة القدم على إيقاف أصوات البنادق ولو لساعات، فإن حكاية المدرب الفرنسي برونو ميتسو تكشف كيف يمكن للعبة أن تصنع روابط إنسانية عميقة تتجاوز حدود الجنسية والانتماء. فقد قاد ميتسو منتخب السنغال خلال الفترة من 2000 إلى 2002 تقريبًا، وحقق معه إنجازًا تاريخيًا بوصوله إلى نهائي كأس الأمم الإفريقية عام 2002، قبل أن يصنع أحد أبرز فصول تاريخ الكرة الإفريقية في كأس العالم بالعام نفسه، عندما هزم منتخب السنغال حامل اللقب فرنسا في المباراة الافتتاحية بهدف بابا بوبا ديوب، ثم واصل مشواره المذهل حتى الدور ربع النهائي. ولم يكن ميتسو بالنسبة للسنغاليين مجرد مدرب أجنبي حقق نجاحًا رياضيًا، بل تحول إلى رمز محبوب وقصة إنسانية ألهمت القارة بأسرها. ومع مرور الوقت، تعمقت علاقته بالسنغال؛ فاعتنق الإسلام، وتزوج من سيدة سنغالية، وظل مرتبطًا بالبلاد حتى بعد رحيله عن تدريب المنتخب. وعندما توفي عام 2013 بعد صراع مع مرض السرطان، أوصى بأن يُدفن في السنغال، في تعبير مؤثر عن ارتباطه العميق بالبلد الذي شهد أبرز إنجازات مسيرته الرياضية والإنسانية.

أما في ساحل العاج، فقد ارتبط اسم ديدييه دروجبا بقصة أخرى تجاوزت حدود الرياضة لتلامس قضايا السلم والوحدة الوطنية. ففي عام 2005، نجح منتخب ساحل العاج في التأهل للمرة الأولى في تاريخه إلى نهائيات كأس العالم، في وقت كانت البلاد تعيش واحدة من أصعب مراحلها. فمنذ عام 2002 كانت الحرب الأهلية قد قسمت البلاد بين شمال تسيطر عليه قوات التمرد بقيادة غيوم سورو، وجنوب تسيطر عليه حكومة الرئيس لوران غباغبو، ما جعل مستقبل الدولة يبدو غامضًا ومفتوحًا على مزيد من التوترات.

وفي خضم هذه الأجواء، جاء التأهل إلى كأس العالم ليمنح العاجيين لحظة نادرة من الفرح المشترك. وعقب المباراة الحاسمة لساحل العاج أمام السودان في ستاد المريخ بأم درمان، ظهر دروجبا وسط زملائه في غرفة الملابس موجّهًا رسالة مؤثرة إلى أبناء وطنه قال فيها: “يا رجال ونساء ساحل العاج، في الشمال والجنوب والوسط والغرب، أثبتنا اليوم أن بإمكان العاجيين أن يتعايشوا من أجل هدف مشترك هو التأهل إلى كأس العالم. أرجوكم، ألقوا أسلحتكم وأجروا انتخابات”.
وسرعان ما انتشرت كلماته في أنحاء البلاد، لتتحول إلى رمز للأمل في لحظة كانت فيها كوت ديفوار بأمسّ الحاجة إلى ما يوحد أبناءها. ولم يتوقف تأثيرها عند حدود الرمزية؛ فخلال الأشهر التالية اقترب طرفا الصراع من طاولة المفاوضات ووقعا اتفاقًا لوقف إطلاق النار. وفي عام 2007 أعلن دروجبا أن مباراة منتخب بلاده أمام مدغشقر لن تُقام في العاصمة أبيدجان كما كان مقررًا، بل في مدينة بواكي، المعقل الرمزي للمتمردين السابقين، وهو قرار كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة.
تحولت المباراة إلى عرس وطني حقيقي، قاد فيه دروجبا منتخب بلاده للفوز بخمسة أهداف دون رد، بينما احتفل أبناء الشمال والجنوب معًا في مشهد جسّد قدرة كرة القدم على خلق مساحات للتقارب والوحدة، ولو مؤقتًا.
وتزخر القارة بعشرات القصص المشابهة لتخبرنا أن كرة القدم في إفريقيا تجاوزت منذ زمن طويل حدود الرياضة. فهي بالنسبة لكثيرين وسيلة للتعبير عن الهوية الوطنية، ونافذة يطل منها الشباب على أحلامهم في مستقبل أفضل. كما أنها إحدى المساحات القليلة القادرة على جمع الملايين حول مشاعر مشتركة مهما اختلفت انتماءاتهم وخلفياتهم.

ومع كل نسخة جديدة من كأس العالم، يعود هذا الإرث الإنساني إلى الواجهة. فبينما ينشغل العالم بحسابات التأهل والبطولة والنجوم المرشحين للتألق، يتذكر الأفارقة قصصًا أخرى صنعتها كرة القدم بعيدًا عن لغة الأرقام؛ قصصًا عن هدنة أوقفت أصوات الرصاص، ومدرب أجنبي أصبح واحدًا من أبناء السنغال، ورسالة لاعب تحولت إلى نداء للسلام ووحدة الوطن.
لهذا تبدو علاقة إفريقيا بكرة القدم مختلفة في كثير من تفاصيلها؛ فهي ليست مجرد لعبة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل حكايات عن الأمل والانتماء والوحدة، تستمر طويلاً بعد انقضاء التسعين دقيقة وإطلاق صافرة النهاية.



