جمال المحلاوي يكتب: محمد دحلان من أزقة خان يونس إلى كواليس هندسة ” اليوم التالي ” في غزة

يعد محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة أحد أبرز الوجوه السياسية التي عادت لتتصدر الترتيبات الحالية لإدارة القطاع . ويتجلى ذلك بوضوح عبر التنسيق مع مجلس السلام العالمي والذي دشنه ترامب في منتدى دافوس لإعادة إعمار القطاع وهندسة مابعد الحرب ، ولد محمد دحلان في خان يونس في أزقة المخيم عام 1961 وبدأت خطواته السياسية الأولى كأحد مؤسسي حركة الشبيبة التابعة لحكة فتح . تدرج تنظيميا وأمنيا بشكل سريع ليصبج عقب اتفاق أوسلو رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة ، وقد بنى لنفسه نفوذا محليا ودوليا واسعا قبل الانقسام الفلسطيني 2007 , ثم حدث الخلاف التنظيمي الحاد مع الرئيس محمود عباس الذي قام بفصل دحلان من حركة فتح عام 2011 إلا أن هذا الاستبعاد الرسمي لم يكن نهاية للمشهد بل نقطة انطلاق لدبلوماسية موازية قادها دحلان من مقره في دولة الإمارات العربية المتحدة عبر قيادته لتيار إصلاحي ديمقراطي في فتح وقد نجح دحلان في بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية نافذة وحافظ على حضور إنساني مستدام في غزة يتجاوز دوره في جهود الإغاثة ليصبح المهندس غير المعلن لأعقد الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بقطاع غزة في مرحلة اليوم التالي للحرب
في وسط الرمال السياسية المتحركة في قطاع غزة ودوامة مشاريع اليوم التالي برز إسم محمد دحلان كأحد الخصوم التاريخيين لحركة حماس حضورا في كواليس الترتيبات الدولية المفترضة لإدارة القطاع ، فعودة دحلان إلى مشهد غزة لايتم عبر الصدام المباشر ، بل من بوابة الدبلوماسية الإغاثية والتمويل المالي واللوجستي المدعوم إقليميا . يمتلك دحلان وفريقه مرونة في التكتيك حولوا بها الخصومة التاريخية مع حركة حماس إلى نوع من المصالحة البرجماتية المحكومة بالاحتياج المتبادل , فحماس تحتاج إلى شريان مالي وإغاثي للخروج من حصار عزلة القطاع وتخفيف مايعانيه السكان من احتقان معيشي ، ودحلان يحتاج إلى غطاء ميداني داخل غزة لإبقاء تياره حيا كبديل جاهز عند إتمام التسويات ، ومع ذلك تواجه هذه الطموحات اعتراضا تمثل جدار صلبا يعوق ذلك الطموح ويتمثل في اعتراض الشرعية الرسمية في رام الله على أي دور لدحلان وتعتبره تهديدا لشرعيتها ،ومما زاد من تخوف السلطة الفلسطينية أن دحلان قد أثبت قدرة عالية على التموضع كطرف مقبول وكبديل مطروح في ظل التكلس التنظيمي للسلطة في رام الله وعجزها عن تقديم نموذج فعال لإدارة غزة الأمر الذي يطرح مشروع دحلان نفسه كخيار وحيد وقابل للتطبيق الفوري . كما أن الشارع في غزة ينظر بكثير من التوجس والريبة لأي سيناريو إداري يفرض من الخارج . ويتبنى دحلان استراتيجية “الظل السياسي” حيث لايطرح إسمه لأي منصب تنفيذي مباشر , ويدفع بنخب تكنوقراطية وشخصيات موالية له أو تدور في فلكه الإصلاحي مثل الدكتور علي شعث لتولي الملفات الخدمية والإعمار في حين تتجاوز خطوط نفوذ تيار دحلان مجرد توزيع المساعدات والصدقات الإنسانية إلى تحرك شبكته في نطاق استراتيجي بأضلاع ثلاثة تمثل القاهرة وأبو ظبي وواشنطن أهم أركانه .
1- الضلع الأمريكي ( قناة التواصل مع الإدارة الأمريكية وفريق عمل ترامب )
* محور كوشنر – دحلان : يمثل دحلان حلقة الوصل الرئيسية بين جاريد كوشنر وبين الأطراف الفاعلة والتي تتمثل في مصر والإمارات حيث توجد اتصالات مباشرة ومكثفة بين محمد دحلان وجاريد كوشنر لبحث صياغة خريطة طريق لمستقبل غزة .
* وثيقة ال15 بنداً :وتشمل صيغة تسوية سلمية ومقترحات فنية لنزع السلاح ووقف الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية . مقابل إطلاق مشروع إعمار دولي واسع . ويلعب محمد دحلان دور المهندس والوسيط الميداني الذي يربط بين طموحات مجلس السلام العالمي والواقع على أرض غزة
* رؤية الريفيرا الساحلية : تتطلع الإدارة الأمريكية الحالية لإنشاء مشاريع إعمار وتطوير ساحلي واقتصادي كبيرة في غزة بتمويل خليجي ، بحيث تكون العمالة والتشغيل من سكان القطاع تحت إشراف مظلة إدارية فلسطينية جديدة لا تتبع حماس ولا تعاني من الترهل الذي تتسم به السلطة التقليدية.
2- الضلع المصري
ينظر دحلان إلى مصر على أنها الرئة الميدانية لتياره عبر تيسيير تدفق قوافل الدعم
والإغاثة من معبر رفح
ولكن يظهر عدة تساؤلات :
أولها : ماهي السيناريوهات المتوقعة لدور دحلان في غزة ؟
ثانيها: ماهو موقف الفصائل الفلسطينية الأخرى من الترتيبات؟
ثالثها : ماهي التوصيات التي يجب أن يضعها صناع القرار في الحسبان ؟
أولاً: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول : نجاح متدرج وتمكين
ويتمثل في نجاح مجلس السم العالمي عبر اللجن الوطنية التكنوقراطية في تسلم إدارة القطاع بدعم مالي إماراتي ودولي ، وتنسيق أمني مصري – إسرائيلي , وفي هذا السيناريو يثبت فريق دحلان كفاءتهم في ملف الإغاثة والإعمار ، مما يعزز رصيد دحلان السياسي كقائد استراتيجي نجح في حل عقدة غزة ويكون الدحلان الرقم الصعب في خلافة السلطة الفلسطينية . وهذا السيناريو هو المرجح
السيناريو الثاني : الاندماج الصعب
وهو أن يجبر الضغط الدولي والإقليمي كلا من سلطة رام الله والتيار الإصلاحي وحماس على الدخول في صيغة توافقية مشتركة في شكل حكومة وحدة وطني موسعة ، تضمن الحفاظ على وحدة الضفة وغزة كمسار إجباري حل الدولتين .
ثانيا ً : موقف الفصائل الفلسطينية من الترتيبات الجديدة
1-حركة الجهاد الإسلامي ( ممانعة شديدة ): تبدي الحركة رفضا قاطعا لنزع السلاح أو تغيير الهوية المقاومة للقطاع فهي ترى الاتفاق صيغة أمنية برداء مدني ومع ذلك قد تضطر للحفاظ على تهدئة صامتة لتجنب الصدام مع الشارع الغزي المنهك أو الدخول في مواجهة عسكرية خاسرة مع القوة التنفيذية الجديدة .
2- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين : تتبنى الجبهة موقفا برجماتيا فهي ترفض الترتيبات السياسية التي تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية لكنها لاتمانع من وجود لجنة إدارة مؤقتة بشرط ألا تتحول تلك اللجنة إلى سلطة سياسية دائمة تفصل القطاع عن المشروع الوطني .
3- الفصائل الصغيرة والمستقلون ( إنخراط واحتواء ): ترى قوى مجتمعية وعشائرية وفصائل صغيرة في صعود تيار دجلان فرصة للحصول على حصص تمثيلية وإدارية في هيكل غزة الجديد ، بعد سنوات من الاستبعاد تحت حكم فصيل واحد أو التهميش لهم من قبل السلطة الفلسطينية .
ثالثا ً: التوصيات صناع القرار
1-الربط العضوي الإلزامي ( تجنب الانفصال ): على القوى الإقليمية والدولية اشتراط أن تكون اللجنة الوطنية لإدارة القطاع كيانا مؤقتا وذلك لمنع تحول غزة إلى كيان سياسي منفصل تماما وأن تنتهي تلك المرحلة بدمج القطاع مع الضفة تحت مظلة سلط فلسطينية واحدة .
2- توافق الشرعية : بمعنى الضغط باتجاه إصدار منظمة التحرير موافقة رسمية بتبني لجنة التكنوقراط وذلك لتفادي أزمة الشرعية الوطنية وقطع الطريق على اتهامات العمالة أو الإجبار الخارجي وتحويل الترتيبات إلى خطوة نحو إصلاح المنظمة بدلا من تجاوزها .
3- حوكمة الإعمار : ربط تدفقات أموال الإعمار المتدفقة خليجيا ودوليا بهيئة رقابة مالية دولية مستقلة تشرف عليه داخل غزة لضمان عدم استغلال أموال الإغاثة كأداة لشراء الولاءات السياسية الفئوية ، والتأكد من توجيهها كاملة لإعادة البناء
4- الاحتواء المدني : بمعنى قيام الإدارة الجديدة باستيعاب الموظفين المدنيين الجاليين في قطاع غزة واذين عملوا لسنوات تحت إدارة حماس ضمن الهيكل الجديد لمنع انهيار المؤسسات المدنية وتفادي خلق كتلة بشرية معادية للإدارة الجديدة .
وختاما ، يقف قطاع غزة أمام عتبة مرحلة جديدة انتقالية وهي الأكثر تعقيدا في تاريخه الحديث وإن التحدي الأكبر الذي يواجه صناع الصرار والقوى الإقليمية لايكمن في تثبيت الاستقرار الأمني أو تشغيل آليات الإعمار . بل منع تحول الكيان الإداري إلى أداة لفصل القطاع جغرافيا وسياسيا بشكل دائم عن الضفة الغربية ، وهو ماسيعني القضاء نهائيا على حق الفلسطسنسسن في إنشاء الدولة الفلسطينية



