تقدير موقف

تداعيات أمر المحكمة الألمانية باحتجاز رئيس المخابرات السابق لجهاز BND بعد اعتقاله بتهمة التجسس، والشروع في الخيانة العظمى والحصول على أسرار الدولة

دكتور/ أحمد البدوي سالم

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر

زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.

صدرت مذكرة توقيف رسمية بحق أوجست هانينج، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الألمانية (BND) بين عامي 1998 و 2005، وأمر قاضٍ باحتجازه رهن المحاكمة، وذلك بعد يوم من اعتقاله للاشتباه في ارتكابه جريمة الخيانة والتجسس لصالح وكالة استخبارات أجنبية.

ويُتهم أوجست هانينج، البالغ من العمر 80 عامًا، بشراء وثائق سرية من زميل سابق واستخدامها لتقديم المشورة لجهاز استخبارات أجنبي، وفقًا لمكتب المدعي العام الفيدرالي، وذكرت البي بي سي أن المدعين ذكروا أن مانفريد د، الذي شغل أيضًا منصب رئيس الأركان لخلفاء هانينغ بين عامي 2012 و2026، استخدم منصبه للوصول إلى معلومات سرية للغاية قام بعد ذلك بتمريرها إلى هانينغ “مقابل أجر”.

وأعلنت النيابة العامة الاتحادية الألمانية عن اعتقال رئيس المخابرات الألمانية السابق أوجست هانينج للاشتباه في قيامه بالتجسس والخيانة والحصول على معلومات سرية لصالح دولة أجنبية، وقد أثار اعتقال هانينج يوم الثلاثاء، إلى جانب اعتقال رئيس مكتبه السابق، الملقب ـ ” مانفريد د” من الصدمة في الأوساط السياسية والاستخباراتية الألمانية، حيث وصفه المحللون بأنه ربما يكون أكبر فضيحة تجسس في البلاد منذ نهاية الحرب الباردة.

وقد أثار هذا الأمر تساؤلات في برلين حول كيفية حفاظ جهاز المخابرات الخارجية الألماني على سمعته الدولية، لا سيما في ظل تزايد المخاوف الأمنية، كما يخضع للتدقيق مدى استدامة القواعد التي تحكم سلوك كبار المسؤولين المتقاعدين وقدرتهم على كسب دخل إضافي بالاعتماد على معلوماتهم الداخلية وشبكاتهم المهنية.

ونفى محامي هانينج يوم الأربعاء تورطه في أي مخالفات، قائلًا لصحيفة “دي فيلت” اليومية المحافظة: “مع ثبوت أن هانينج كان بحوزته وثائق سرية، إلا أن الادعاء بأنه قام بتسريب معلومات واردة فيها على حساب ألمانيا، ناهيك عن قيامه بذلك مقابل المال، هو ادعاء غير صحيح”.

ولم يرد مانفريد د، الذي تم اعتقاله رسميًا يوم الأربعاء من قبل القاضي في كارلسروه، على الأسئلة عبر محاميه حتى الآن.

ويتمثل اتهام هانينج أنه وافق في عام 2010 على دفع مبلغ مالي مقابل معلومات من مانفريد د، الذي يُزعم أنه قام بتهريبها من جهاز الاستخبارات الألماني (BND). وكان مانفريد د، البالغ من العمر 64 عامًا، قد عمل تحت قيادة هانينج، ثم عمل لدى رؤساء لاحقين في جهاز الاستخبارات الألماني بعد هانينج، قبل أن يتقاعد في مارس من هذا العام، وأن هانينج قد تلقى حوالي 2000 وثيقة من مانفريد د حتى يونيو 2022، بعضها مصنف سريًا، وفقًا للمدعين العامين، ويُزعم أنه استخدم المعلومات الواردة في أوراقه لأعماله الاستشارية الخاصة.

وذكرت “السي إن إن” أن هانينج استخدم المعلومات في أعمال استشارية خاصة، وفي إحدى المرات “استخدم معلومات استخباراتية سرية قدمها مانفريد د. لصياغة تحليل لضابط في جهاز استخبارات أجنبي”.، وبحسب وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، أعلن مكتب المدعي العام في خريف عام 2025 أن هانينج ومسؤول متقاعد من مكتب شرطة هامبورغ الجنائية مشتبه بهما في قبول عقد من بلوك في عام 2022 لاختطاف أطفالها أثناء عملهما كمديرين تنفيذيين في شركة أمنية.

وقد أُبلغ المدعون العامون بالأنشطة الإجرامية المنسوبة لهانينج من قبل محققين كانوا يجمعون الأدلة في قضية اختطاف أطفال منفصلة تتعلق بعائلة مطاعم ستيك هاوس، حيث يُتهم رئيس المخابرات السابق بالمشاركة فيها مستغلًا علاقاته السابقة مع المخابرات الإسرائيلية، ويُزعم أن كريستينا بلوك، وريثة سلسلة المطاعم، دفعت لهانينغ وضابط شرطة متقاعد أكثر من 100 ألف يورو (85 ألف جنيه إسترليني) مقابل دورهما في اختطاف طفليها من زوجها السابق.

وذكرت الجارديان في تقريرها نشرته مجلة دير شبيجل يوم الأربعاء أن المحققين يبحثون في احتمال وجود صلة بجهاز المخابرات الخارجية لأذربيجان باعتباره أحد الأجهزة التي ربما كان هانينج يمرر إليها المعلومات.

وبحسب الجارديان نفى مجلس الإعلام والإذاعة الأذربيجاني أي صلة له بـ”هانينج” أو بالتحقيق. وقال المجلس في بيان: “إن النية الخبيثة للقوى التي تقف وراء عملية التضليل هذه هي الإضرار بالعلاقات الأذربيجانية الألمانية”. وقد أثارت الفضيحة ذكريات قضية جونتر جيوم، عندما تسلل جاسوس من جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي وزوجته متنكرين في زي لاجئين إلى حكومة المستشار آنذاك ويلي برانت، مما أدى إلى استقالة برانت في عام 1974.

وقال مارك هنريشمان: رئيس اللجنة البرلمانية التي تشرف على أجهزة الاستخبارات، والتي أثارت مرارًا وتكرارًا تساؤلات حول أنشطة الاستشارات التي يقوم بها موظفو وكالة الاستخبارات بعد انتهاء مسيرتهم المهنية، ولكن قيل لها إن العقبات القانونية تقف في طريق الطعن فيها، إنه “مذهول إلى حد ما” من هذه القضية، لكنه شدد على أنه لم يتضح بعد مدى ونطاق المخالفات المزعومة.

ودعا سياسيون ومحللون استخباراتيون أمس الأربعاء إلى فرض لوائح أكثر صرامة بشأن السماح لموظفي الأمن السابقين بالاستفادة من نفوذهم ومعرفتهم بعد التقاعد، وتأتي هذه الفضيحة في وقت تحاول فيه ألمانيا جعل وكالات الاستخبارات التابعة لها، بما في ذلك جهاز الاستخبارات الألماني (BND) وشقيقه المحلي (BfV)، أكثر قوة وكفاءة واستقلالية عن وكالات حلفائها، ولا سيما تعزيز قدراتها على المراقبة للتصدي بشكل أكثر فعالية لهجمات التخريب والقرصنة، وسط تزايد التهديدات من قوى خارجية مثل روسيا وإيران، وتُعدّ هذه الفضيحة ضربة أخرى لسمعة جهاز الاستخبارات الألماني (BND)، فهو لا يعتمد فقط بشكل كبير على المعلومات الواردة من وكالات أجنبية لإحباط الهجمات الإرهابية على الأراضي الألمانية، بل واجه أيضًا قضايا أخرى تتعلق بتجسس موظفيه لصالح دول أخرى.

كما أنها تعاني من تبعات قضية رئيس قسم، كارستن ل، الذي اتُهم في ديسمبر 2022 بالتجسس لصالح روسيا، وتنظر محكمة برلين الإقليمية العليا حاليًا في محاكمته.

تدرّج هانينج في صفوف جهاز المخابرات حتى أصبح رئيسًا له، وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أشرف على التحقيق مع بعض الإرهابيين الذين درسوا في هامبورج، وأطلق هانينج إصلاحات واسعة النطاق في جهاز المخابرات الألماني (BND)، شملت تقربه من السياسة، ليصبح مستشارًا مقربًا لوزير الداخلية آنذاك، فولفغانج شويبله، كما انتقد بشدة “عمليات التسريبات” ووجه انتقادات لاذعة لإدوارد سنودن، مُسرّب معلومات وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) ، واصفًا إياه بـ”المخالف الداخلي”.

وبعد انتهاء مسيرته في الخدمة المدنية، واصل هانينج دوره كمفاوضٍ محترمٍ يعمل خلف الكواليس، وكثيرًا ما كان يتدخل في المناقشات السياسة الأمنية الحكومية، وفي الوقت نفسه، أسس شركته الاستشارية، وأنشأ وكالةً مع زوجته روث تُدعى “هانينج كونسلت”، وعمل لدى العديد من الوكالات الاستشارية العالمية الأخرى، حتى أنه أصدر مع زوجته كتابًا بعنوان “سري للغاية” (Top(f) Secret)، وهو كتابٌ يُعنى بأسرار التجسس.

وأعرب النائب المعارض الألماني كونستانتين فون نوتز عضو حزب الخضر وعضو لجنة البرلمان الألماني التي تشرف على أجهزة الاستخبارات، عن صدمته إزاء الادعاءات الموجهة ضد هانينج ودعا إلى إجراء تحقيق سريع، قائلًا: “هذه قصة مؤثرة ومقلقة للغاية”.

وقال فون نوتز لموقع شبيجل أونلاين: “نتوقع إجراء تحقيق سريع وشامل في الادعاءات الخطيرة الموجهة ضد رئيس جهاز الاستخبارات الألماني السابق هانينج”.

وقال: “لقد انتقدنا أنشطة الضغط المشبوهة وواسعة النطاق التي يقوم بها كبار المسؤولين السابقين وأولئك الذين يحملون أعلى التصاريح الأمنية في ألمانيا لسنوات”، ودعا إلى حظر مشاركة المسؤولين السابقين الحاصلين على تصاريح أمنية في أعمال الاستشارات الخاصة بعد ترك مناصبهم، حسبما أفادت صحيفة شبيجل أونلاين.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى