المفكر علي الشرفاء الحمادي يوضح مضامين مؤسسة رسالة السلام العالمية وأبرزها تحقيق الأمن والسلام من داخل منهج القرآن الكريم

أصدر المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بيانا أوضح فيه مضامين مؤسسة رسالة السلام العالمية واهدافها.
وقال الشرفاء الحمادي إن الإنسان يبحث منذ بداية وجوده عن الأمن والسلام، لأنهما من أعظم النعم التي تستقيم بهما الحياة وتطمئن بهما النفوس. فالإنسان لا يستطيع أن يعمل أو يبدع أو يبني مستقبلًا مستقرًا إذا كان يعيش في خوف واضطراب وصراع دائم.
وأضاف من هنا جاءت رسالة القرآن الكريم لتضع للإنسان منهاجًا متكاملًا يحقق له الأمن والسلام، لا على المستوى الفردي فقط، بل على مستوى الأسرة والمجتمع والإنسانية كلها.
وتابع أن القرآن يريد للإنسان أن يعيش آمنًا على نفسه، مطمئنًا على أسرته، مستقرًا في مجتمعه، قائمًا على علاقات يسودها العدل والرحمة والإحسان.
ولذلك ربط القرآن بين اتباع هدى الله وبين الأمن النفسي والاجتماعي، فقال سبحانه:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
وقال إن الإنسان حين يسير وفق المنهاج الإلهي يبتعد عن أسباب الشقاء والاضطراب، لأن القرآن لا يضع للناس أوامر ونواهي عبثًا، وإنما يرشدهم إلى ما يحفظ حياتهم ويحقق لهم الطمأنينة والاستقرار.
وأوضح أن الأمن يبدأ في القرآن من داخل الإنسان نفسه. فالإنسان الذي يمتلئ قلبه بالحقد والخوف والطمع والظلم لا يستطيع أن يعيش في سلام حقيقي مهما امتلك من أسباب القوة المادية. ولذلك يدعو القرآن إلى تطهير النفس من الكراهية والعدوان، وإلى التحلي بالصبر والعفو والرحمة والإحسان.
كما يربط القرآن بين الأمن والعدل، لأن الظلم من أكبر أسباب القلق والصراع وانهيار المجتمعات. فالعدل يمنح الإنسان الشعور بالكرامة والطمأنينة، ويجعله واثقًا بأن حقوقه محفوظة، وأن القانون والحق فوق الجميع.
ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
فحيث يوجد العدل يقترب الناس من السلام، وحيث ينتشر الظلم يسود الخوف والتوتر والعداوة.
كما يؤكد الشرفاء الحمادي أن القرآن أن الكلمة الطيبة من وسائل صناعة السلام الاجتماعي، لأن كثيرًا من الصراعات تبدأ بكلمة جارحة أو خطاب يحرض على الكراهية والانقسام. ولذلك دعا الله عباده إلى القول الحسن وإلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة.
والسلام في القرآن لا يعني الاستسلام للباطل أو ترك الحقوق، وإنما يعني بناء العلاقات الإنسانية على أساس الاحترام والرحمة والعدل، وتجنب العدوان والفساد وسفك الدماء بغير حق.
ولهذا حرم القرآن الاعتداء على النفس الإنسانية، وجعل قتل النفس ظلمًا عظيمًا، لأن حماية الحياة الإنسانية من أعظم مقاصد الرسالات السماوية.
كما يرسخ القرآن قيمة التعارف بين الشعوب والتعاون بينها، ويرفض تحويل الاختلاف إلى صراع دائم. فالناس خلقوا مختلفين في ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم ليتعارفوا ويتبادلوا المنافع والخبرات، لا ليتقاتلوا ويتنازعوا.
ويولي القرآن الأسرة أهمية كبيرة باعتبارها أساس الأمن الاجتماعي. فالأسرة التي تقوم على المودة والرحمة والعدل تخرج أفرادًا أسوياء قادرين على بناء مجتمع مستقر، بينما يؤدي التفكك الأسري والعنف داخل البيوت إلى نشر القلق والخوف والاضطراب في المجتمع كله.
كما يربط القرآن بين الأمن والعمل والإنتاج. فالمجتمع الذي تنتشر فيه البطالة والفساد وضياع الحقوق يصبح أكثر عرضة للتوتر والانفجار. ولذلك يدعو القرآن إلى السعي في الأرض والعمل النافع وتحقيق التكافل بين الناس.
ومن أعظم صور السلام في القرآن أن الله منح الإنسان حرية الاختيار، ولم يجعل الإيمان قائمًا على الإكراه، لأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة المفروضة، وإنما بالاقتناع والوعي واحترام كرامة الإنسان.
ولهذا جاء الخطاب القرآني واضحًا:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
فالإنسان لا يمكن أن يعيش في سلام حقيقي إذا كان يعيش تحت القهر أو الخوف أو الإجبار.
وعندما يعرض القرآن قصص الأمم السابقة فإنه يبين كيف أدى الظلم والفساد والاستكبار إلى انهيار المجتمعات وفقدان الأمن والاستقرار، بينما كان العدل والإصلاح سببًا في النجاة والبقاء.
إن منهج القرآن في بناء الأمن والسلام لا يقوم على الشعارات، بل على بناء الإنسان الصالح، والأسرة المستقرة، والمجتمع العادل، والعلاقات الإنسانية القائمة على الرحمة والاحترام والتعاون.
فإذا التزم الناس بهذه القيم اقتربوا من الحياة الآمنة المطمئنة التي أرادها الله لعباده، وإذا أعرضوا عنها انتشرت بينهم أسباب الخوف والصراع والشقاء.
وهكذا يقدم القرآن رؤية متكاملة تؤكد أن الأمن والسلام ليسا مجرد مطلب سياسي أو اجتماعي، بل هما ثمرة طبيعية لمنهج حياة يقوم على العدل والرحمة والإحسان واحترام الإنسان. وفق رؤية الشرفاء الحمادي.


