الرئيسيةساحة الفكر

الكاتب العربي علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب.. الصَّلاةُ عَلى النَّبيِ

الكاتب مفكر عربي إماراتي.. خاص منصة العرب الرقمية

رُوي عن عمر بن الخطاب أنّه قال رسول الله  (مّن صلّى عليَّ صلاةً واحدةً صلّى اللهُ عليه بها عَشراً ) رَواه مُسلم.

كذبَ من رَوى تلكَ الرواية المزوَّرة، والرسولُ لم يطلب من المسلمين أن يصلّوا عليه، ولم يدركوا مقاصد (الصّلاة على النّبي) وماذا يعنيه مراد الله للناس  ثمّ إذا كان الله سبحانه اختص النبي عليه السلام بالصلاة عليه، فلماذا يخالفُ المسلمون أمرَ الله ويرددّون دوماً قوله  (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)  فمن أعطاهم الإذن بذلك، ذلك الدعاءُ (بإضافة آلِ مُحَمَّدٍ وأصحاب آلِ مُحَمَّدٍ) بالصلاة عليهم يكفي للدلالة على عدم إدراك المسلمين مقاصد الصلاة على النبي، التى اتخذها المسلمون عادة متوارثة يردّدونها في كلّ مناسبة.

وفي كل وقت  بألسنتهم لترضي النفس ولتشعر بالرضا، والراحة كما أوهمهم شيوخ الدين، ومن يُسمَّون بالعلماء، بقولهم عن ثواب ترديد الصلاة على النبي قولهم (ثواب الصلاة على  النبي نواله الشفاعة يوم القيامة) واللهُ يبطل هذه الرواية بقوله سبحانه مخاطباً رسولَه (  وَأَنذِر بِهِ الَّذينَ يَخافونَ أَن يُحشَروا إِلى رَبِّهِم لَيسَ لَهُم مِن دونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفيعٌ لَعَلَّهُم يَتَّقونَ ) (الأنعام: 51)، وقوله سبحانه مخاطباً الناس جميعاً ( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) (البقرة: 48)، ثم يخاطب الله المؤمنين بقوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 254)، وقوله سبحانه: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثّر: 48).

تلك الآيات تبيّن للمسلمين كيف خدعهم المنافقون والتغرير بهم بالكذب والافتراء من الدعاة والعلماء، حين يقف الإنسان وحيداً يوم الحساب لم تنفعْه الصَّلاةُ على النبي ولن تكون له معيناً عندما تُحصى أعمال الإنسان،  سيحاسب على عمله يوم القيامة وليس بما ينطق به لسانُه، ولن يشفع له غير ما قدّم لنفسه من أعماله في حياته من خير وشّرٍ، التي ستكون الميزان العادل الذي سيحاكم عليه الانسان  كما قال سبحانه: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة: 7-8).

فعلى الانسان ألّا يعيش في الأوهام معتقداً في الروايات المفتريات على الرسول، مهما عمل من الذنوب، سيشفع له الرسول ليغفر الله له ذنوبَه ويدخلَه الجنةَ بغير حساب بعدد المرات التي ينطق به لسانه بالصلاة على النبي،  وأخشى أن يفاجأ المسلمُ يوم القيامة بمن يقول له نأسف رصيدُك قد نَفَذَ وحينها لن ينفعَ الندمَ، عندما يصدر الحكم عليه بأن يلقى في النار فقد غَرَّرَ به شيوخُ الدين، وجعلوه يهجر كتاب الله وما فيه من وصايا للإنسان وتحذير من حساب الديّان، والذي يهديه الى طريق الحقّ ليحقّق له الطمأنينة والأمان في الحياة الدنيا  يواجه الحسابَ يوم القيامة بقلب مطمئنٍ.

اذا المسلم قد أدى التزامه تجاه الله في اتّباع كتابه وما  أمر به من تشريع ومنهاجٍ ليسلكَه المسلمون في حياتهم الدنيا، ويثابوا عليه في الآخرة وحين  يخاطب الله سبحانه الناس  بقوله: (مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ) (النحل: 97) وقوله سبحانه مبّيناً للناس تقديم العمل على الانتساب للإسلام: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).

يبيّن الله للناس أنّ الأجرَ والجزاءَ في الحياة الدنيا والآخرة يعتمد على العمل الصالح، وليس على الصلوات على النبيّ يرددّها الناس مئات المّرات كلَّ يوم دون الالتزام بالأعمال الصالحة التي ذكرتها الآية الكريمة أعلاهُ، وتضمّنتها التشريعات الإلهية والمنهاج الرّباني في العبادات والمعاملات، والتي ستكون القاعدة الأساسية التي سيحاسب عليها الإنسان وحين يأمرنا الله سبحانه بقوله: (إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) (الأحزاب: 56)، خبرٌ من السماء يبلّغ الله المسلمين بأنه سبحانه يرفع من قدر النبي ومكانته عند الله ويكرمه بحمل رسالته للناس ويؤازر النبي مع ملائكته، لينجز رسالته ويحميه من أعدائه ويشدَّ من أزره ويعينه على الصبر في مواجهة السفهاء والمنافقين كما قال سبحانه: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ …) (المائدة:67) ثم يأتي الأمر الإلهي للمسلمين بأن يصلوا عليه ( ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب:56).

يأمر الله المسلمين حين نزلت الرسالة على الرسول الأمين بأن يصلّوا على الرسول أمراً  منه سبحانَه بالتواصل معه بما نطق به لسانه من آيات الذكر الحكيم واتّباع رسالته والتسليم بما بلّغهم به في القرآن العظيم  والتسليم بما يبلّغهم عن ربه بآياته والتصديق بكتاب الله المبين، والعمل به سرّاً وجهاراً،  والامتناع عن محرّماته واتّباع المنهاج الإلهيّ الذي يدعو إليه الرسول للرحمة والعدل والإحسان والمعاملة الطيبة بين الناس وتحريم العدوان على الإنسان باليد أو باللّسان وتحريم الغيبة والنميمة وتحريم قتل النفس إلا بالحقّ وأن يَعضِدُوه ويؤازروه في دعوته، ويسلّموا بما نقل لهم عن ربّه من الآيات البينات، ويتبعوا تعليماته، كما قال سبحانه حين أمر النبي  بقوله (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران:31).

فالله سبحانه يأمر رسوله بأن يدعوا الناس الى اتباع سيرته ومنهاجه ليحبهم الله ويرضى عنهم يبين الرسول لهم عليه السلام الطريق ليحبهم الله أن يتبعونه فيما يبلغهم به من آيات القرآن الكريم ويطبقوا ما فيه من شرعة ومنهاج في كتابه المبين، وهذه الآية تبطل ما رواه المفترون على الرسول في قولهم عن أبي هريرة عن الرسول أنّه قال:  (فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحَبَّ إليه من والده)، رواه البخاري.

في الوقت الذي يدعو الرسول عليه السلام ليحبّوا الله ويتقرّبوا  إليه باتباع ما يبلغهم الرسول من كتابه ليحبّهم الله ويرضى عنهم، وأن يتّبعوا آيات القرآن الكريم ويطبّقوا أخلاقياتِه وقيمَه الفاضلةَ، وأن يلتزموا  بتنفيذ تشريعات الله في آياته، ويكونوا مسلمين بحقّ، ليس في حدود ماتمّ التزوير به على المسلمين برواية مفتراة على الرسول، تتناقض ما يدعو له الناس (عليه السلام) بحُبّ الله ليغفرَ لهم ذنوبهَم، إذا التزموا بكلّ التشريعات الإلهيّة، والمنهاج الرباني كما قال الله سبحانه مخاطبا المسلمين (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(آل عمران: 31).

وما جاءت به الآيات في المعاملات وأحكام العبادات وإقامةَ الشعائر والتخلّق بأخلاق القرآن، ودعوته للسلام لا ظلم ولا فزع و لا عدوان، ولا قتل للإنسان، بل رحمة متناهية وعدل دائم مع كل الناس، واحترام حرية الإنسان في حقه في الحياة، واختيار الدين الذي يراه، بلا  إكراه على اعتناق الاسلام، بل حرية مطلقة في الاختيار والتعامل بالإحسان والعفو والتسامح، وتقديس الأمانة والابتعاد عن الظن السيئ، وكثير من القيم الفاضلة  في المنهاج الأخلاقي في القرآن الكريم ولقد أمر الله رسوله بأن يصلي على دافعي الصدقةِ والزكاةِ في قوله سبحانه (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: 103).

فكيف يصلّي الرسوُل على دافعي الصدقة والزكاة ، فصلاتُه تعني أن يدعو الله لهم بأن يزيدَهم من فضله ويعوّضَهم مما أنفقوا في الصَّدقات والزكوات وفي سبيل الله، ويخلف عليهم ما أنفقوا من أموالهم ويضاعفها لهم وييسّر لهم أمورَهم في حياتهم الدنيا، ويجازيهم جنات النعيم في الآخرة، تلك صلاة النبي على المسلمين التي  ستظلّ بأمر الله مستجابةً عنده لكل من يتصدّق ويدفع الزكاة الى يوم القيامة، يبارك له اللهُ في رزقه وفي صحّته ويخلف عليه ممّا أنفق  ويضاعف له مالّه كما قال سبحانه معتبراً استجابة الإنسان لطاعته في قوله سبحانه: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (البقرة: 245) وكأن الذي يؤدي زكاته تقربا الى الله دون مّنٍّ ولا أذى تعتبر عند الله قرضاً سيضاعف له الله ما أنفق في سبيل الله.

ثم تعقبها آية تتعلّق بصلاة الله على الناس في قوله سبحانه (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب: 43)

فاللهُ سبحانَهُ وملائكتُه من رحمته يرشد المؤمنين، ويهدويهم إلى طريق الحق يعينهم الله على بأن يلهمهم معرفة مقاصد آياته ويقفوا على الحقائق في كتابه فيزيدهم هدياً ورشاداً،  وكما قال سبحانه (فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلامِ) (الأنعام: 125)، لِيتَخذَ القرآنَ دليلَه في الحياة، يحقّق له الحياة الكريمة التي توفر له الأمن والسلام باتباع  شريعة الله ومنهاجه في القرآن العظيم، تلك صلاة الله على المؤمنين  وإرشادهم إلى كلّ ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ويعينهم على تحمل مشقّات العبادات، ويسهّل لهم أمورهم ويحبّب إليهم الصبرَ على المكارِه، ويمنحهم اليقين لتطمئن نفوسهم.

لذلك ليست الصلاة على الرسول كما نردّدها عادةّ  نتوارثها جيلاً بعد جيل، دون أن يدركَ المسلمون مقاصدَها، وما تدعوهم اليه من عمل الصالحات ما بلغه الرسول عليه السلام من آيات القرآن وما نطق به لسانه الشريف من الحكمة في الذكر الحكيم علماً بأن كل من ينطق بالصلاة على الرسول لفظاً لن تفيدَه شيئاً يومَ الحساب، ولن تضيف الى حسناته ليزيد له الميزان يوم القيامة، ولنْ ينفع الإنسانَ غيرُ عمله، ولو صلّى على الرسول ملايينَ المرّات فلن تضيف الى عمله حسنة واحدة، إنما ما يزيد في حسنات الانسان هو اتباع ما بلغه رسول الله عن ربه للانسان ودَعا الناس لاتباع كتابه كما قال سبحانه: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (البقرة: 177)، والابتعاد عما نهى عنه من المحّرمات، واتّباع المنهاج الإلهي في المعاملات بين الناس بالأخلاق النبيلة وأن يتخاطبوا بالكلمة الطيبة وبالحسنى، إذن ليست الصلاة على الرسول كلمات يتلفّظ بها الإنسان  إنما التزام بما أنزل الله عليه السلام بالآيات البينّات من التشريعات والأخلاقيات والمثل العليا، والتسليم الكامل بما يبلغه للناس عن ربّه فيما يصلح أمورهم، ويحقّق لهم الأمن والعيش الكريم في ظل السلام النفسي والاجتماعي والقناعة بما قسم الله للإنسان، والله حدّد للرسول الأمين عليه السلام مسؤلياتِه الواضحةَ في قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّـهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47)) (الأحزاب: 45-47) وقول الله للرسول عليه السلام في خطاب التكليف ( وَإِن ما نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ وَعَلَينَا الحِسابُ) (الرعد: 40)، تلك مهمّة الرسول بما كلفه الله للناس أجمعين ليبلغهم آياته وتشريعاته ومنهاجه في آياته بالحكمة والموعظةالحسنة وينذرهم اذا لم يتّبعوا آياتهِ في كتابه المبين من يوم كما قال سبحانه ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) (الشعراء: 88-89).  

إنَّ الخلاصةّ لمفهومِ الصلاةِ من قِبَل اللهِ وملائكتهِ على النبي هي تبجيل لمقامه ومكانته عند الله وتكريمه لما كلّفه الله به من حمل رسالة الإسلام للناس في آيات القرآن الكريم، وتدعيم قدرته على الاستمرار في دعوته وتحصينه ممّا يواجهه من اعتداء، ويعينه على كل ما يلاقيه من عقبات، ويمنحه الصبر ويشدّ من أزره  أثناء دعوته للناس بالدخول في دين الإسلام، أمّا صلاة المسلمين على النبي فهي صلتهم مع نبوته ورسالته بما فيها من تشريعات ومنهاج يلتزم المسلمون بتطبيقها قولاً وعملاً، سواءً في اقامة شعائر الإسلام أو اتباع كتاب الله المبين في كل ما أمر به من عمل الخيرات والرحمة والعدل والإحسان بين الناس جميعاً والابتعاد عما نهى عنه سبحانه وما حرّمه من محرّمات لِيُحسُن إسلامُه ويجازيه الله يوم القيامة خير الجزاء.

ومن المعلومِ بأنَ اللهَ سبحانه سيحاكم الناس على أعمالهم في الحياة الدنيا تطبيقاً لحكمه سبحانه ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، ، ولن يكون حساب الناس يوم القيامة بما تلفظوه على ألسنتهم من الصلاة على النبي أو الدعوات التي دعوا الله بها أن يغفر لهم  ويتوب عليهم بل الحكم النهائي على ما التزموا به بعد الاستغفار والتوبة، هل التزموا بما وعدوا  الله في دعواهم للتمسك بكتابه والسلوك بمنهاجه، كما اقتضت آياته في قوله سبحانه مخاطباً رسولّه الأمينّ (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)) (الزخرف: 43-44)، أمر من الله لرسوله عليه السلام بالتمسك بكتابه، وهو أيضا ذِكرٌ لقومه وأصحابه وسوف يسألهم اللهُ يومَ الحساب هل تمسّكوا بآياته وهل طبّقوا تشريعاته وهل كان سلوكهم وفق منهاجه الذي أمر بِتَطْبيقِ سنّة رسوله في قرآنه، وما علّم الله رسوله من الخلق العظيم كما وصف الله رسوله الأمين بقوله (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) وأضاف لرسوله تكليفاً للناس بقوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ) (الأنبياء:107)، فأين أخلاق المسلمين اليوم، هل اتبعوا ما وصف  الله به رسوله في القرآن الكريم من  القيم النبيلة والخلق القويم تربية للنفس وتزكية للعقل وطهارة للقلب ليكون التعامل بين الناس جميعاً بالاخلاق والرحمة وتطبيق شرعة الله ومنهاجه  فلم يتمسك المسلمون كما أمر الله بكتابه وتشريعاته غير اقامة شعائر الدّين من صلاة وزكاة وصيام وحج بيت الله فقط، وقد افلسوا بأعمالهم المتناقضة مع المنهاج الإلهي، وصراعهم على الدنيا في تعاملهم مع الناس بالقسوة والاستبداد، والظلم والطغيان والبغي واستباحة حقوق الناس، وقتل الإنسان وسفك دماء الأبرياء، فماذا بقي لديهم من قيم الإسلام وأخلاقياته ورحمته التي تدعو للرحمة والتعاون وتحريم العدوان على الانسان في كل مكان، هل بعد كل ذلك الإجرام يكفي ان يلفظ اللسانُ الصلاةَ على الرسول عليه السلام ويفغر الله له ذنوبه بعد ما ارتكب كلّ أسباب العصيان، ولذلك لا بدّ من اعادة فهم ماتعنيه الآية الكريمة ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب: 56)، حتى لا يستمر المفهوم المتوارث، يردّده المسلمون دون معرفة مقاصد الآية، ويستسلمون للروايات التي تستدرجهم الى طريق الضلال الذي يتعارض مع مقاصد القرآن، وأن تّردِيدَه كما شُبّه لهم بأنه يضاعف حسنات المسلمين ويقرّبهم من الله سيفاجأون يوم القيامة بَمَنْ يقول لهم نأسف رصيدكم من السيئات طغى على الحسنات، لأنّ الَرسول دعا الناس في قول الله سبحانه على لسانه عليه السلام ليتبعوه بما يبلغهم به ممّا أنزل الله عليه من آيات القرآن الكريم، ويطبقوا تشريعاته ومنهاجه لكي يحبّهم الله ولم يَدْعُهُم الرسولُ عليه السلام لمحبته شخصياً بل يَدْعوُهُم لكي يتقرّبوا من الله ليحبّهم وليغفرَ لهم ذنوبهم في قوله سبحانه مخاطباً الناس ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران : 31)، يبيّن عليه السلام للناس كيفية الوصول الى التقرّب من الله وطاعته، في كل ما أمر بهِ ليهديهم الى طريق الخيروالحياة الطيبة في الدنيا ويجزيهم في الآخرة جنات النعيم، ولن نجد نصاً في القرآن الكريم أن الرسول يطلب من المسلمين محبّتَه و أن يتقرّبوا اليه، بل قال الله سبحانه مخاطباً رسوله عليه السلام ( قُل إِن كانَ آباؤُكُم وَأَبناؤُكُم وَإِخوانُكُم وَأَزواجُكُم وَعَشيرَتُكُم وَأَموالٌ اقتَرَفتُموها وَتِجارَةٌ تَخشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرضَونَها أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللَّـهِ وَرَسولِهِ وَجِهادٍ في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصوا حَتّى يَأتِيَ اللَّـهُ بِأَمرِهِ وَاللَّـهُ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقينَ) (التوبة: 24)، فمحبة الله أمر حتمي، فهو خالق الناس وهو المنعم وهو الذي يحيهم ويميتهم، وهو الذي سيحاسبهم يوم القيام وبيده المنح والعطاء وبيده الجنة والنار وبيده أن يُعِزَّ مَنْ يشاء وُيذِلَّ من يشاء وبيده الخير وهو على كل شيئ قدير، ومحبة الرسول بما يحمله من خطاب الله للناس في آيات الذكر الحكيم ليبشّر المؤمنين، وينذر الكافرين وينطق بلسانه آيات الذكر الحكيم فوجبت محبة الرسول بما يحمله من نور إلهي يهدي الناس به في الحياة الدنيا الى طريق الحق المستقيم، ليحصّن الناسِ بآيات الله اذا اتبعوها في الدنيا من نار الجحيم وهو الطريق الى الله بما كلّفه الرحمنُ سبحانه ليرشد الناس الحياة الطيبة والعيش الكريم.

بل أمر الله سبحانه استمرار المسلمين بصلة دائمة بدعوة الرسول الأمين وما بلّغهم به من الآيات البينات ليحقّق لهم محّبة الله، ليغفرَ لهم ويرحمَهم ويرزقَهم من الطيبات وينزّل عليهم السلام والبركات والطمأنينة ويحقّق لهم وعده سبحانَه في قوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى) (طه: 123)، ولذلك تؤكد الآية الكريِمة بأنه من يتّبع هدى الله في آياته في كتابه المبين  فقد أحبّه الله وجنّبه شقاءَ الحياةِ الِدنيا وسيجزيه نعيمَ الآخرة، وإن عصى اللهَ وتنكّر لكتابه كما قال سبحانه (وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى) (طه: 124)، فللإنسان حرية اختيار أي الطريقين، دون إكراه أو ترهيبٍ، وسيكون حسابه عند الله يوم القيامة بما اتخذه من قرار الايمان بالله واتباع كتابه أو الكفر بالله والإعراض عن آياته في قرآنه وسيكون المعيار قول الله سبحانه (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثّر: 38).

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى