
إعداد – دكتور/ أحمد البدوي سالم أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.
مقدمة:
إن التاريخ المعلن لبدء حرب أكتوبر 1973 في الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر، قد سبقته تواريخ وجهود وتخطيط واستعدادات غير معلنة، فالحرب بدأت قبل ذلك بسنوات داخل غرف التخطيط السياسي والعسكري والاستخباري، فقد كانت القيادة المصرية بعد 5 يونيو 1967 أمام معضلة استراتيجية شديدة التعقيد: كيف تعيد تسليح الجيش المصري، وتستعد لحرب واسعة ضد إسرائيل، وتعبئ القوات، وتنقل المعدات، وتضع خطط العبور، وتنسق مع سوريا، وتوفر الاحتياجات اللوجستية، وفي الوقت نفسه تمنع إسرائيل من الوصول إلى التوقيت الحقيقي للهجوم؟ كانت المشكلة المصرية إذن تتجاوز مفهوم السرية العسكرية التقليدية إلى بناء منظومة متكاملة من الذكاء الاستراتيجي تقوم على قراءة الخصم، وفهم عقيدته الأمنية، وتحديد افتراضاته، ثم تصميم السلوك المصري بحيث يرى الخصم الوقائع الحقيقية لكنه يفسرها داخل الإطار الذي أرادت القيادة المصرية أن يظل قائما في ذهنه، فالخداع المصري استهدف بصورة خاصة، تقليص المساحة الزمنية المتاحة لإسرائيل للإنذار واتخاذ القرار والاستجابة.
أولا: الذكاء الاستراتيجي يبدأ من إدراك اختلال ميزان القوة:
كان الدرس المركزي الذي واجهته القيادة المصرية بعد حرب 1967 أن الدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل بالمنطق التقليدي نفسه سيضع مصر أمام تفوق إسرائيلي نوعي في مجالات التسليح والتكنولوجيا والقوة الجوية والاستطلاع والإنذار المبكر، ولذلك لم يكن التفكير المصري محصورا في سؤال: كيف نزيد قدراتنا العسكرية؟ وإنما اتجه أيضا إلى سؤال أكثر عمقا: كيف نجعل تفوق الخصم أقل فاعلية عندما تأتي لحظة الاختبار؟ هنا ظهر الخداع الاستراتيجي بوصفه أداة لتعويض جزء من الاختلال المادي، ليس بإلغاء واقعية الدعم الأمريكي لتظل إسرائيل متفوقة في مجال التسليح، وإنما بمنع إسرائيل من استخدامه في الوقت والمكان المناسبين.
وهذا هو جوهر الذكاء الاستراتيجي: أن يدرك صانع القرار أن القوة لا تقاس فقط بحجم السلاح، وإنما كذلك بقدرة الدولة على إدارة المعلومات والتوقيت والإدراك، فالقوة الاستخبارية الإسرائيلية كانت تستطيع مراقبة التحركات المصرية، لكن امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تفسيرها بصورة صحيحة، وهذه النقطة كانت حاسمة في تجربة أكتوبر؛ إذ تشير مراجعة أمريكية لاحقة إلى أن المعلومات المتاحة قبل الحرب كانت كافية لإثارة التحذير، لكنها لم تتحول إلى تقدير صحيح لقرب الهجوم.
ثانيا: الانتقال من إخفاء الاستعداد إلى التحكم في تفسيره:
يمثل هذا الانتقال أحد أهم مظاهر الذكاء الاستراتيجي المصري، فالسرية التقليدية تسعى إلى منع الخصم من معرفة ما يجري، بينما يسعى الخداع الاستراتيجي المتقدم إلى السماح له بمعرفة بعض ما يجري، ولكن دفعه إلى تفسيره تفسيرا خاطئا، ومن ثم لم تكن المسألة أن تمنع مصر كل المؤشرات عن إسرائيل، لأن ذلك كان شبه مستحيل في ظل المراقبة بالأقمار الصناعية والمراقبة الجوية والإلكترونية والبشرية، وإنما أن تجعل المؤشرات الحقيقية قابلة للتفسير داخل رواية لا تقود إلى الاستنتاج الصحيح.
وقد كان هذا أكثر تعقيدا من مجرد إطلاق معلومات كاذبة، فالخداع الفعال يجمع بين ثلاثة مستويات: إخفاء بعض المعلومات، وإظهار معلومات أخرى، ثم ترك الخصم يبني من الاثنين معًا صورة ذهنية خاطئة، ولهذا تميز الخداع المصري بأنه جمع بين الإخفاء والتضليل، بحيث أدى إلى إضعاف منظومة الإنذار الإسرائيلية وإبطاء الانتقال من الملاحظة إلى الارتباك في اتخاذ القرار.
ثالثا: قراءة العقل الاستخباري للخصم:
كان من أهم عناصر الذكاء الاستراتيجي المصري أن القيادة لم تدرس القوات الإسرائيلية فقط، بل درست أيضا طريقة تفكير المؤسسة الإسرائيلية، فالهدف لم يكن خداع جهاز تقني أو طائرة استطلاع، وإنما التأثير في سلسلة الإدراك التي تبدأ بالمعلومة وتنتهي بالقرار: ماذا يرى الخصم؟ ماذا يعني له ما يراه؟ ما الفرضية التي يستخدمها لتفسيره؟ ومتى يقرر أن المؤشرات أصبحت كافية لتغيير تقديره؟
وهنا تكمن أهمية ما أصبح يعرف لاحقا في الأدبيات الإسرائيلية باسم “المفهوم” Concept؛ أي مجموعة الافتراضات التي حكمت تقدير الاستخبارات الإسرائيلية للنيات العربية، ومن أبرز هذه الافتراضات أن مصر لن تبدأ حربا واسعة قبل امتلاك قدرة عسكرية معينة تمكنها من مواجهة القوة الجوية الإسرائيلية، ولذلك فإن أي مؤشر على استعداد مصري كان يمكن استيعابه داخل فرضية: “مناورة”، أو “ضغط سياسي”، أو “استعراض قوة”، أو “استعداد محدود”، بدلا من تفسيره بوصفه مقدمة لهجوم شامل، وقد صار هذا التصور المسبق أحد العناصر الأساسية في فشل التقدير الإسرائيلي.
رابعا: تحويل الافتراض الإسرائيلي إلى نقطة ضعف:
هنا بلغ الخداع المصري درجة أكثر تقدما: بدلا من محاولة تحطيم النموذج الذهني الإسرائيلي مباشرة، جرى استغلاله وإعادة تشكيله وتوجيهه، فالخصم الذي يملك فرضية مسبقة يمكن دفعه إلى رؤية الأحداث الجديدة باعتبارها تأكيدا لفرضيته السابقة، وهذا من أخطر أنماط الخداع الاستراتيجي، لأن المخدوع لا يشعر بالضرورة أنه تعرض للخداع؛ بل قد يشعر أنه يقوم بعمل استخباري صحيح ومتفوق ويجمع أدلة تؤكد ما كان يعتقده أصلا.
وهذا ما يفسر لماذا لا يمكن فهم نجاح الخداع المصري بمجرد تعداد الإجراءات التي اتخذتها مصر، فالقيمة الحقيقية لهذه الإجراءات كانت في علاقتها بالبنية الإدراكية الإسرائيلية، فالمناورات المتكررة، والتعبئة التي يعقبها التسريح، والحركة العسكرية التي يمكن تفسيرها في سياقات مختلفة، وإخلاء المستشفيات في الإسماعيلية بدعوى انتقال فيروس، والخداع البصري بصفقة القوارب المطاطية المتهالكة بسبب الشمس والإهمال، والترويج بأن عطبًا أصاب صوامع القمح لاستيراد كميات ضخمة من الخارج تعوض الكمية التالفة من المخزون الاستراتيجي، والإفصاح عن استقبال مصر لقيادات ووفود أجنبية، والإعلان عن سفر بعض القادة العسكريين للخارج وقت الحرب، والدفع بالمركبات والدبابات إلى مشارف القناة بحجة عمل صيانة دورية، وإرسال البوارج والسفن الحربية ومغادرتها المياه الإقليمية بحجة أعمال الصيانة في الخارج، جميع ذلك قد ساعد المؤسسة الإسرائيلية على قراءة المؤشرات قراءة مضللة وبكنه تضليل محكم بذكاء الصقور المصرية.
خامسا: التكرار بوصفه أداة لخداع الإنذار المبكر
من أخطر ما يمكن أن يحدث لنظام الإنذار الاستراتيجي أن تتكرر أمامه الإشارة دون أن يتبعها الحدث الذي يتوقعه، ومع مرور الوقت تبدأ قيمة الإشارة في الانخفاض. وهذا ما يمكن تسميته إرهاق الإنذار وإرباكه في تقدير الموقف أو تآكل حساسية النظام تجاه المؤشرات.
وقد استفادت القيادة المصرية من تكرار أنماط التحرك والمناورات والتعبئة والتسريح، فبدلا من أن يكون كل تحرك عسكري مصريا حدثا استثنائيا، أصبح جزءا من نمط مألوف نسبيا، بل والأدهى أنه أصبح يثير سخرية الخصم، ويرفع من معدل غروره وغطرسته، وتندره على ما يراه بعينه من تردد القيادة في اتخاذ القرار، ولهذا كانت النتيجة أن مصر لم تكن بحاجة إلى إخفاء كل تحرك؛ بل كان يكفي أحيانا أن تجعل التحرك الجديد يبدو شبيها بتحركات سابقة لم تؤد إلى الحرب.
وهذه النقطة توضح الفرق بين الخداع التكتيكي والخداع الاستراتيجي: الخداع التكتيكي قد يخفي موقع وحدة أو اتجاه هجوم، بينما الخداع الاستراتيجي يستطيع أن يؤثر في قواعد تفسير السلوك العسكري بأكمله، ويربك تقديره للموقف.
سادسا: المناورات العسكرية كغطاء للاستعداد الحقيقي
كانت المناورات العسكرية من أكثر الأدوات تعقيدا؛ لأنها حققت وظيفتين متناقضتين في آن واحد، فمن ناحية: كانت مصر بحاجة إلى تدريب القوات بصورة حقيقية على تنفيذ عمليات واسعة، ومن ناحية أخرى، كان يجب ألا يتحول التدريب إلى دليل حاسم على قرب الحرب.
وهنا أصبحت المناورة الحقيقية نفسها جزءا من منظومة الخداع، فالخصم يرى القوات تتحرك ويستطيع أحيانا رصد بعض مظاهر الاستعداد، لكنه يجد تفسيرا جاهزا لها في إطار “المناورة”، وعندما تتكرر المناورات ويعود الجنود إلى مواقعهم أو إلى حياتهم الطبيعية، يصبح من الصعب تحديد اللحظة التي انتقلت فيها الدولة من التدريب إلى التنفيذ الفعلي، ومن ثم فلم تكن خطة الخداع إجراء مرتجلا في الأيام الأخيرة، بل ارتبطت بعملية تخطيط مبكرة وتنسيق بين المستويات السياسية والاستخبارية والعسكرية.
سابعا: الخداع السياسي والدبلوماسي كامتداد للخداع العسكري
لم يكن الخداع المصري محصورا في المجال العسكري فحسب، فالخداع الاستراتيجي الناجح يحتاج إلى انسجام بين الرسائل السياسية والعسكرية والإعلامية والدبلوماسية والاقتصادية، ولذلك كان من المهم أن تبدو التحركات السياسية قابلة للتفسير بوصفها سعيا دبلوماسيا أو ضغطا سياسيا أو محاولة لتحريك عملية السلام، في حين كانت الاستعدادات العسكرية تسير في مسار آخر.
وبذلك أصبحت السياسة نفسها جزءا من البيئة الخادعة، فالخصم لا يقرأ إحصاءات الدبابات والطائرات فقط، بل يقرأ ويحلل التصريحات والزيارات والاتصالات والتحركات الدبلوماسية، والزيارات الرسمية، والتصريحات عن استقبال الاتصالات التليفونية، والرسائل الدبلوماسية، وعندما تأتي الرسائل السياسية في اتجاه لا يتطابق مع القراءة التي يتوقعها الخصم للحرب الوشيكة، فإنها تساعد في تعزيز حالة الإرباك، وعدم اليقين.
ثامنا: السرية الداخلية شرط سابق للخداع الخارجي:
لا يمكن لأي خطة خداع استراتيجية أن تنجح إذا كانت المعلومات الأساسية عنها منتشرة داخل الدولة على نطاق واسع، ولهذا كانت السرية الداخلية عنصرا موازيا للخداع الخارجي، فكلما اتسعت دائرة المعرفة، زادت احتمالات التسرب، وأصبح الخصم قادرا على جمع شظايا ومفردات المعلومات وجمع الخيوط، وتحويلها إلى صورة متماسكة.
ومن هنا فإن الذكاء الاستراتيجي المصري لم يكن فقط القدرة على تضليل إسرائيل، بل القدرة على إدارة المعرفة داخل النظام المصري نفسه، فالحرب السرية تبدأ أحيانا من السؤال: من يعرف ماذا؟ ومتى يعرفه؟ ومن يملك حق إصدار المعلومة؟ ومن يستطيع ربط المعلومات الجزئية ببعضها؟ فعملية الخداع المصرية ارتبطت بمستوى مرتفع من التخطيط والتنسيق بين المؤسسات المعنية، وهو ما جعل الخداع جزءا من منظومة التخطيط للحرب.
تاسعا: صناعة فجوة بين “المعلومة” و”الإنذار”:
يمكن اختزال إحدى أهم نتائج الخداع المصري في صناعة فجوة زمنية بين وصول المؤشرات وبين تحولها إلى إنذار استراتيجي، وهذه الفجوة هي جوهر المعركة الاستخبارية، فليس المطلوب دائما أن تمنع الخصم من معرفة الحقيقة إلى الأبد، وإنما أن تؤخر معرفته وأن تشتت قدرته على الاستنتاج إلى اللحظة التي تصبح فيها قدرته على منعها أو تعطيلها محدودة أو منعدمة.
وقد أكد التقييم الأمريكي الذي أُعد بعد الحرب أن مصادر جمع المعلومات كانت قد وفرت كمًّا كبيرًا من المعلومات المقلقة والدقيقة في أحيان كثيرة، لكن أجهزة التحليل لم تستنتج منها قرب الهجوم، وهذا يعني أن مصر لم تنتصر على جهاز الاستطلاع الإسرائيلي بمعنى أنها أعمته تماما؛ وإنما حققت شيئا أكثر دقة: حيث إنها منعت المعلومات المتاحة من إنتاج القرار والتقدير الإسرائيلي الصحيح في الوقت المناسب.
عاشرا: الذكاء الاستراتيجي في إدارة الزمن:
الزمن هو أحد أهم موارد الحرب، وقد كان الهدف الأساسي للخداع المصري هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الوقت بين لحظة بدء الهجوم ولحظة قدرة إسرائيل على التعبئة وإنتاج استجابة عسكرية لرد الهجوم، فإذا تمكنت إسرائيل من اكتشاف الهجوم قبل بدايته بساعات كافية، كان بإمكانها تعبئة الاحتياط واتخاذ إجراءات وقائية وربما توجيه ضربة استباقية، أما إذا جاء الإنذار بعد أن بدأت القوات المصرية في عبور القناة، فإن قيمة التفوق الإسرائيلي تصبح أقل في الساعات الأولى، لأن القوات المصرية تكون قد فرضت واقعا جديدًا على الأرض، فالخداع المصري استهدف تقليص مساحة الإنذار المبكر الإسرائيلية، أي الوقت الذي تستطيع فيه إسرائيل الانتقال من الاكتشاف إلى القرار ثم إلى التنفيذ.
الحادي عشر: لحظة التحول من الخداع إلى المفاجأة
عندما بدأ الهجوم في السادس من أكتوبر، تحولت عملية الخداع من نشاط تمهيدي إلى مفاجأة استراتيجية، والمفاجأة هنا لا تعني أن إسرائيل لم تكن تعرف أن القوات المصرية والسورية موجودة على الجبهتين؛ فقد كانت تراقب الحشد العسكري؛ لكنها لم تصل إلى التقدير الصحيح للتوقيت والنية والقرار السياسي النهائي.
وهذا تمييز بالغ الأهمية في الدراسات الاستخبارية: فيمكن للخصم أن يمتلك صورة ممتازة عن القدرات لكنه يفشل في تقدير النية، أو يعرف النية العامة لكنه يفشل في تحديد التوقيت، وقد حدث في أكتوبر 1973 تفاعل بين هذه المستويات، بحيث لم يتحول الحشد العسكري إلى إنذار استراتيجي قبل فوات جزء حاسم من الوقت.
الثاني عشر: من المفاجأة إلى الأزمة القيادية الإسرائيلية
أدى عنصر المفاجأة إلى أزمة عسكرية وسياسية داخل إسرائيل، وتذكر وزارة الدفاع الإسرائيلية في عرضها الرسمي لأعمال لجنة أجرانات أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية فوجئت بالهجوم الذي بدأ في السادس من أكتوبر على جبهتي سيناء والجولان، وأن الحرب اتسمت بظروف شديدة الصعوبة بالنسبة للقوات الإسرائيلية.
ولذلك لم يكن السؤال بعد الحرب مجرد: لماذا نجحت مصر وسوريا في تحقيق المفاجأة؟ وإنما أصبح السؤال الإسرائيلي الداخلي أكثر قسوة: كيف أمكن لأجهزة الاستخبارات التي امتلكت مصادر ومؤشرات وقدرات استطلاع متقدمة أن تصل إلى تقدير خاطئ؟ ومن هنا انتقلت القضية من كونها إخفاقا استخباريا إلى أزمة ثقة في المؤسسة العسكرية والأمنية والسياسية.
الثالث عشر: لماذا لم يكن نجاح الخداع المصري مجرد “حيلة”؟
الاختزال في كلمة “خدعة” يقلل من القيمة الحقيقية لما حدث. فالحيلة المنفردة يمكن اكتشافها وإبطالها، أما الخداع الاستراتيجي فيقوم على منظومة مترابطة من السلوكيات التي تجعل التفسير الخاطئ يبدو معقولا.
وفي الحالة المصرية، تداخل التخطيط العسكري مع إدارة المعلومات والسرية والمناورات والتحركات السياسية والإعلامية وإدارة التوقيت. وتشير دراسات متخصصة إلى أن الخطة المصرية كانت تستهدف تحييد ميزتين إسرائيليتين أساسيتين: القدرة على الضربة الاستباقية، والقدرة على نشر قوة كبيرة في منطقة القناة قبل بدء الهجوم.
ومن ثم فإن “تفوق” الخداع المصري ينبغي فهمه هنا بمعنى فعاليته في تحقيق الهدف المحدد له: تأخير الإنذار الإسرائيلي وإتاحة ظروف مناسبة للموجة الأولى من الهجوم، لا بمعنى أنه كان العامل الوحيد الذي حدد كل مجريات الحرب، وعليه فإن رحلة الذكاء الاستراتيجي المصري في أكتوبر يمكن تلخيصها في معادلة أكثر عمقا من مجرد “الخداع”:
معرفة الخصم + فهم عقيدته + دراسة تحيزاته + التحكم في المعلومات + السرية + إدارة الإشارات + استغلال التكرار + التحكم في الزمن = تقليص قدرة الخصم على تحويل المعلومات إلى قرار في الوقت المناسب.
الرابع عشر: لجنة أجرانات والتحقيق في أزمة الإخفاق الإسرائيلية:
بعد انتهاء الحرب لم تختف أزمة المفاجأة بانتهاء المعارك، فقد تصاعدت داخل إسرائيل المطالب بالتحقيق في أسباب الإخفاق، وقررت الحكومة في نوفمبر 1973 إنشاء لجنة تحقيق رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا شمعون أجرانات، وكان من بين مهامها فحص المعلومات المتوافرة قبل الحرب، وكيف قامت الأجهزة العسكرية والمدنية بتحليلها، وأسباب إخفاق الجيش الإسرائيلي في تقدير الموقف في الخامس من أكتوبر، أي عشية الحرب.
وهكذا يمكن تتبع المسار من الذكاء الفائق للقيادة المصرية في أخذ الثأر واسترداد الكرامة وكسر شوكة الغطرسة الإسرائيلية بتحويل رئيسة الحكومة، وقادة جيش الدفاع الإسرائيلي والموساد إلى التحقيق ليسدل تاريخهم العسكري والسياسي بكارثة ظلت تلازمهم إلى الأبد.
لقد أصبحت نتائج الحرب أزمة سياسية ومؤسسية عميقة في إسرائيل، وقد أدت أعمال لجنة أجرانات إلى توصيات وإجراءات طالت مسؤولين سياسيين وعسكريين في إسرائيل، وكان من أبرز نتائجها استقالة رئيس الأركان دافيد إليعازر، كما استقالت حكومة جولدا مائير في أبريل 1974 في سياق التداعيات السياسية الواسعة للحرب، وتذكر الأرشيفات الرسمية الإسرائيلية أن التقرير النهائي للجنة قدم في يناير 1975، وأن نتائجه أحدثت تغييرات واسعة في المستويين العسكري والاستخباري.
فلم يكن نجاح الخداع الاستراتيجي نتيجة جهاز استخباري منفرد، بل نتيجة تفاعل بين القرار السياسي والتخطيط العسكري والعمل الاستخباري. وهذا جانب مهم في دراسة القيادة المصرية؛ فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد امتلاك معلومات أكثر من الخصم، بل القدرة على دمج المعلومات في رؤية سياسية وعسكرية واحدة.
وأن المهارة المصرية ظهرت في ترك الخصم يرصد ويحلل ويضع تقديرات للموقف، ويوظف أجهزته الاستخباراتية وللعسكرية والإعلامية لتحقيق الهدف الذي رسمته القيادة المصرية بذكاء فائق ومن هنا فإن نجاح الخداع المصري يكشف نقطة مركزية في علم الاستخبارات: أن أفضل الخداع ليس دائما الذي يمنع الخصم من رؤية الحقيقة، وإنما الذي يسمح له برؤيتها دون أن يستطيع تحويلها في الوقت المناسب إلى معرفة صحيحة قابلة للفعل.
وأن القيادة المصرية نجحت في تصميم منظومة خداع متوافقة مع نقاط الضعف الإدراكية في نظام الخصم، وأن الحرب قد أصابت إحدى ركائز العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهي الثقة العالية في قدرة الاستخبارات على توفير إنذار مبكر يسمح للقوة العسكرية بالتعامل مع أي تهديد.
وبعد الحرب بدأت إسرائيل عملية مراجعة واسعة لأداء أجهزتها العسكرية والاستخبارية، وتوضح المصادر الرسمية الإسرائيلية أن لجنة أجرانات فحصت المعلومات السابقة للحرب، وأساليب تحليلها، والاستعداد العسكري، ثم أدت تداعياتها إلى تغييرات في القيادة وإعادة بناء أجزاء من النظام العسكري والاستخباري.
وختامًا: فإن التجربة المصرية في أكتوبر 1973 ما زالت تقدم درسا بالغ الأهمية في علوم الاستخبارات والاستراتيجية بأن أفضل عمليات الخداع ليست ما تمنع الخصم من رؤية الحقيقة، وإنما التي تسمح له برؤية أجزاء كبيرة منها، ثم تدفعه إلى بناء التفسير الخطأ لها، وأن أعظم ما تكشفه تجربة القيادة المصرية في حرب أكتوبر 1973 هو أن الذكاء الاستراتيجي لا يعني بالضرورة أن تعرف الدولة أكثر مما يعرف خصمها فحسب، وإنما يعني أيضًا أن تعرف كيف يفكر الخصم في المعلومات التي يعرفها، وأن توجه إدراكه إلى ما تريد تحقيقه من أهداف، ومن هنا جاءت قيمة الخداع الاستراتيجي المصري، فقد كان المقصود ليس جعل إسرائيل عمياء، وإنما جعلها ترى بصورة لا تقودها إلى الاستنتاج الصحيح في الوقت المناسب، وكانت النتيجة أن دخلت إسرائيل الحرب وهي تملك قدرا مهما من المعلومات، لكنها لم تمتلك التقدير الصحيح للنية والتوقيت، الأمر الذي سمح للقوات المصرية ببدء العملية في ظروف مفاجئة وفرض واقع عملياتي جديد.
ثم جاءت الصدمة المؤسسية بعد الحرب: لم يعد السؤال عن كيفية نجاح مصر في خداع إسرائيل سؤالا عسكريا فقط، بل أصبح سؤالا عن طبيعة عمل الاستخبارات الإسرائيلية نفسها، وعن المسؤولية عن الفشل في الإنذار، وعن مدى صلاحية الافتراضات التي قامت عليها التقديرات السابقة. ومن هنا جاءت لجنة أجرانات باعتبارها إحدى النتائج المؤسسية الكبرى للمفاجأة الاستراتيجية التي سبقت حرب أكتوبر، وهذه هي النقطة التي تجعل حرب أكتوبر 1973 وعقلية القائد المصري في التخطيط ذات قيمة مستمرة في دراسات الاستخبارات: فالخداع الاستراتيجي يبلغ ذروته عندما لا يكون الخصم فاقدا للمعلومات، وإنما يكون أسيرا لتفسير خاطئ للمعلومات التي يمتلكها.



