دراساتسياسية

أ.د. هاني جرجس عياد.. الإعلامُ الجديد كمجالٍ للتفاعل والتأثير

في عصر العولمة أصبحنا نعيش في عالم منقول إعلاميًّا؛ إذ أتاح الإعلام الجديد الحرية، فتجاوزنا عصر النشرات الإخبارية الحكومية الموجهة، وأصبحنا في عصر البرامج السياسية الساخرة. أصبحت التكنولوجيا الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر، واقعًا يوميًّا يؤثر في حياة الجميع، وسهلت بيئة الإعلام الحالية المشاركة السياسية والثقافية؛ فأصبح الجمهور صانع الحدث يتفاعل معه ويتابعه لحظة بلحظة.

إن الإعلام الجديد مصطلح حديث يتضاد مع الإعلام التقليدي، كون الإعلام الجديد لم يعد فيه نخبة متحكمة أو قادة إعلاميون، بل أصبح متاحًا لجميع شرائح المجتمع وأفراده الدخول فيه واستخدامه والاستفادة منه طالما تمكنوا وأجادوا أدواته. ويجدر بالذكر أنه لا يوجد تعريف علمي محدد حتى الآن، يحدد مفهوم الإعلام الجديد بدقة، إلا أن للإعلام الجديد مرادفات عدة، منها: الإعلام البديل. الإعلام الاجتماعي. صحافة المواطن. مواقع التواصل الاجتماعي.

وبالرغم من صعوبة الاتفاق على تحديد مفهوم واضح المعالم للإعلام الجديد، بسبب حالته الديناميكية المتغيرة والمتطورة بشكل مستمر، فإن الحقيقة المؤكدة أن كثيرًا من الأشكال الإعلامية والأنماط الاتصالية الجديدة بدأت تفرض نفسها في الواقع الإعلامي، وتستقطب أعدادًا متزايدة من مستخدمي الوسيط الاتصالي الجديد (الإنترنت)، التي قامت بدمج الوسائل الاتصالية المختلفة القديمة والمستحدثة في مكان واحد، وغيرت كثيرًا من المفاهيم الإعلامية التي استقرت لسنوات طويلة عند الباحثين والأكاديميين، كما أدت إلى تغير الأدوار التي تقوم بها عناصر العملية الاتصالية، كالقائم بالاتصال والمتلقي والرسالة والوسيلة ورجع الصدى، ولم تكتف الوسيلة الإعلامية الجديدة بالسماح لكل من المرسِل والمستقبِل بتبادل أدوار العملية الاتصالية، ولكنها أحدثت ثورة نوعية في المحتوى الاتصالي المتنوع، من نصوص إلى صور وملفات صوتية، ولقطات فيديو مصورة، وانتشرت الأخيرة خلال الأعوام القليلة الماضية بشكل يستوجب الوقوف أمام الموقف الاتصالي لتدبر أبعاده ودارسة تأثيراته، فقد انتشرت المواقع التي تتيح للمستخدمين تحميل ملفات فيديو شخصية أو عامة بضوابط معينة ليشاهدها الجميع في أنحاء المعمورة، حيث تحول المستخدم إلى منتج إعلامي بفضل التقنيات الاتصالية الجديدة، مثل كاميرات الهاتف النقال وغيرها، ينتج ويبث ما يريد على الإنترنت.

والإعلام الجديد له أدوات ضرورية من خلالها يتم الولوج إلى عالمه كـ:

أ- توفر الجهاز الإلكتروني (حاسب آلي، هاتف ذكي، جهاز لوحي).

ب- توفر الإنترنت.

ج- الاشتراك أو الانضمام إلى أحد مواقع التواصل الاجتماعي كـالفيسبوك، وتويتر، والإنستقرام، واليوتيوب، والمدونات، وغيرها من المواقع الاجتماعية الإلكترونية النشطة التي تشكل ثقلًا في العالم الافتراضي.

وعلى ذلك فإن الإعلام الجديد هو العملية الاتصالية الناتجة عن اندماج ثلاثة عناصر هي الكمبيوتر، والشبكات، والوسائط المتعددة.

إنه إعلام متعدد الوسائط، حيث يتم عرض المعلومات في شكل مزيج من الصوت والصورة والفيديو، مما يجعل المعلومة أكثر قوة وتأثيرًا، وهذه المعلومات هي معلومات رقمية يتم إعدادها وتخزينها وتعديلها ونقلها بشكل إلكتروني.

ورغم أن الإعلام التقليدي والجديد يختلفان ببعض النقاط ويتفقان بغيرها، فإن هناك بضع نقاط توضح العلاقة بينهما، وهي كما يلي:

أ- هناك منافسة شديدة وضارية بين وسائل الإعلام التقليدي والإعلام الجديد.

ب- هناك أرقام مؤكدة حول انحسار عدد المتابعين لوسائل الإعلام التقليدي وازدياد مستخدمي الإعلام الجديد في الصحافة.

ج- بعض وسائل الإعلام التقليدي أخذت تعيد تكوين نفسها، وتعيد بناء ذاتها، لتندمج في الإعلام الجديد وتكون جزءًا منه.

وبعيدًا عن الصراع والتنافس بين الإعلام التقليدي والجديد، فضرورات العصر الآن تفرض وجوب التعاون والتكامل بين الوسيلة الإعلامية التقليدية وبين التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من الأدوات التي تتيحها هذه التكنولوجيا، وهكذا يتجدد الإعلام التقليدي ويتميز ويتفرد، فالإعلام التقليدي يملك العراقة والموضوعية والخبرة المتراكمة، لذا يجب تطوير المحتوى الإعلامي من حيث النص والسياسة التحريرية والصورة والشكل والمضمون.

كما يجب أيضًا على الإعلام الجديد تطوير نفسه واكتساب الخبرة، وتحسين مضمونه، والبحث عن أفضل الطرق للتسويق، والعمل على التخلص من العيوب التي تتمثل في عدم البحث عن مصادر المواد المنشورة، فإذا كان الإعلام الجديد يتمتع بالحرية، فهذا لا يعفي صاحبه من المسؤولية من أن يتقن المهارات الأساسية التي يتمتع بها الإعلام عمومًا.

وثمة ظواهر عديدة صاحبت الإعلام الجديد، هي كالتالي:

أ- كسر احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى.

ب- ظهور طبقة جديدة من الإعلاميين، وأحيانًا من غير المتخصصين في الإعلام، إلا أنهم أصبحوا محترفين في استخدام تطبيقات الإعلام الجديد، بما يتفوقون فيه على أهل الاختصاص الأصليين.

ج- ظهور منابر جديدة للحوار، فقد أصبح باستطاعة أي فرد في المجتمع أن يرسل، ويستقبل ويتفاعل ويعقب ويستفسر ويعلق بكل حرية، وبسرعة فائقة.

د- ظهور إعلام الجمهور إلى الجمهور.

ه- ظهور مضامين ثقافية وإعلامية جديدة.

و- المشاركة في وضع الأجندة.

ز- نشوء ظاهرة المجتمع الافتراضي والشبكات الاجتماعية.

ح- تفتيت الجماهير.

ولقد تميز الإعلام الجديد بالعديد من الخصائص ومنها:

أ- التفاعلية: حيث يتبادل القائم بالاتصال والمتلقي الأدوار، وتكون ممارسة الاتصال ثنائية الاتجاه وتبادلية، وليست في اتجاه أحادي، بل يكون هناك حوار بين الطرفين.

ب- اللا تزامنية: وهي إمكانية التفاعل مع العملية الاتصالية في الوقت المناسب للفرد، سواء أكان مستقبِلًا أم مرسِلًا.

ج- المشاركة والانتشار: يتيح الإعلام الجديد لكل شخص يمتلك أدوات بسيطة أن يكون ناشرًا يرسل رسالته إلى الآخرين.

د- الحركة والمرونة: حيث يمكن نقل الوسائل الجديدة بحيث تصاحب المتلقي والمرسِل، مثل الحاسب المتنقل، وحاسب الإنترنت، والهاتف الجوال، والأجهزة الكفية، بالاستفادة من الشبكات اللاسلكية.

ه- الكونية: حيث أصبحت بيئة الاتصال بيئة عالمية، تتخطى حواجز الزمان والمكان والرقابة.

و- اندماج الوسائط: في الإعلام الجديد يتم استخدام كل وسائل الاتصال، مثل النصوص، والصوت، والصورة الثابتة، والصورة المتحركة، والرسوم البيانية ثنائية وثلاثية الأبعاد،… إلخ.

ز- الانتباه والتركيز: نظرًا إلى أن المتلقي في وسائل الإعلام الجديد يقوم بعمل فاعل في اختيار المحتوى، والتفاعل معه، فإنه يتميز بدرجة عالية من الانتباه والتركيز، بخلاف التعرض لوسائل الإعلام التقليدي الذي يكون عادة سلبيًّا وسطحيًّا.

ح- التخزين والحفظ: حيث يسهل على المتلقي تخرين وحفظ الرسائل الاتصالية واسترجاعها، كجزء من قدرات وخصائص الوسيلة بذاتها.

ومع هذه الفوائد والتحولات، هناك أيضا بعض التحديات والسلبيات المحتملة للإعلام الجديد، مثل انتشار الأخبار المزيفة، وانتهاك الخصوصية، وتأثيره على الصحة العقلية والتواصل الحقيقي، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية والسياسية. لذلك، من المهم التعامل بحذرٍ ووعيٍ مع الإعلام الجديد وتطبيق مهارات البحث والتحليل النقدي لتحقيق استفادة متوازنة وصحية منه.

وفي سياق آخر لقد شكَّلت وسائل الإعلام الجديدة أداة هامة من أدوات التغيير في الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، حيث فتحت مواقع التواصل الاجتماعي المجال للمواطن العربي كي يكون فاعلًا ومؤثرًا في العملية الاتصالية، وبات هناك ما يعرف بـ “صحافة المواطن”، وهكذا أصبح الإعلام الجديد بمثابة منصات هامة من أجل تمرير المعلومات بعيدًا عن سلطة الدولة وقيودها.

ولقد اختلف العديد من الباحثين في الفترة التي ظهرت بها صحافة المواطن؛ إذ لم يتم العثور على إجابات يتفق الجميع عليها بين كافة الباحثين أو حتى الممارسين لها، لكن الغالبية يتفقون على أن الظهور الفعلي لهذا النوع من الصحافة كان إبان إعصار تسونامي الذي وقع في شهر كانون الأول من عام ألفين وأربعة للميلاد؛ حيث إن المواد التي تناقلتها وسائل الإعلام الجماهيرية في كافة أرجاء العالم كانت ترتكز على المعلومات والصور التي التقطها المواطنون العاديون هناك، وكان اعتماد تلك الوسائل الإعلامية على شهود العيان المتواجدين في المكان الذين عاشوا اللحظات الكارثية التي شهدتها المنطقة وقاموا بتسجيلها، وضمن هذا الإطار أوردت صحيفة الإندبندنت البريطانية، أن كافة قنوات التلفزة العالمية كانت تبعث مراسليها برفقة المصورين التلفزيونيين ليس إلى المناطق المنكوبة، بل إلى المطارات التي كانت تعج بالمسافرين القادمين من تلك المناطق أو الذاهبين إليها، في سبيل العثور على لقطات جديدة يقومون بتسجيلها والتقاطها، إضافة لتسجيل الشهادات والإفادات على تلك الأحداث.

ونظرًا إلى إسهامات مواقع السوشيال ميديا كفيسبوك وتويتر ويوتيوب في إشعال الثورات العربية، يبدو من المهم الحديث عن مدى تأثير تلك المواقع على الأوضاع السياسية والاجتماعية لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يتناوله كتاب “أسس غير شائعة: وسائل الإعلام الجديدة والممارسات الهامة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، الذي أسهم في إعداده مجموعة من الأكاديميين والكتاب والفنانين والناشطين وكذلك صناع السينما، وحرره أنطوني داوني الكاتب والأكاديمي في معهد سوثبي للفنون بلندن (Sotheby’s Institute of Art)، ورئيس تحرير Ibraaz، وهو منتدى رائد على الإنترنت متخصص في الثقافات البصرية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يحاول استكشاف شعبية كل من المَوقِعين فيسبوك وتويتر في وسائل الإعلام الرئيسية، ومدى تداخل الفنانين مع المحيط السياسي والاجتماعي من خلال وسائل الإعلام الجديدة. ويركز أيضًا على فكرة الثقافة البصرية (Visual Culture)، (يقصد بها القدرة على قراءة وتفسير وفهم المعلومات المعروضة في شكل صور أو مواد مرئية)، وتأثيرها على الحراك السياسي في الشرق الأوسط، وكذلك على الحركات الاجتماعية في العالم العربي، حيث يسلط الكتاب الضوء على الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة في تفكيك الأنظمة المستبدة في ظل الثورات العربية، ومدى استمرارية هذا الدور في المستقبل.

ويبدأ الكاتب داوني بالحديث عن استخدام وسائل الإعلام الجديدة في الممارسات الفنية المعاصرة، ليس فقط في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ولكن أيضًا على الصعيد العالمي، ويرى أنها لم تخرج من فراغ، بل هي متأثرة بالسوابق التاريخية الإقليمية والدولية، وأن الفن دائمًا هو استجابة وانعكاس للواقع، والفنانون عليهم أن يبْقَوا في حالة تأهب لكيفية نشر خطابهم، وانخراطهم في الثورات والانتفاضات والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، سواء بالإدانة أم بالتأييد.

أما الكاتب فرانكو بيراردي فيرى أن الإنترنت لم يعد مجرد أداة، وإنما أضحى بمثابة بيئة واسعة للتواصل والتفاعل، وتعد هذه البيئة مجالًا للتأثر والتأثير، مؤكدًا أنه يمكن النظر بنوع من الريبة والشك إلى دور وسائل الإعلام الجديدة بالرغم من إسهاماتها الإيجابية في الثورات الشعبية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك دورها الملحوظ في تعزيز مساحة حرية الرأي والتعبير والتنظيم وحتى الاحتجاج، لأنه أدت من ناحية أخرى إلى تمكن العديد من أنظمة الحكم من عملية المراقبة الرقمية.

وعلى جانب آخر، يرى الكاتب أن الفن بات متواجدًا بشكل متزايد في مساحة متداخلة مع ما هو سياسي أو ثوري، ومن المحتمل أن يكون لذلك تأثيراته في تشكيل الرأي العام، وكذلك في فكرة المشاركة الجماعية والعمل الجماعي، فقد فتحت وسائل الإعلام الجديدة المجال للتواصل الفعال بين الفنانين والجمهور حول المجال العام والمجتمع المدني في مصر وفي تونس وغيرهما من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وفي ذات السياق، تشير الكاتبة دينا ماتر إلى أن وسائل الإعلام الجديدة شكَّلت منصات لإنتاج وسائط مرئية اجتماعية بديلة، وصار لها دور كبير في المشاركة السياسية، وترى أنه لا يمكن النظر إلى العلاقة بين وسائل الإعلام الجديدة والمجال السياسي إلا في ظل السياق التاريخي والسياسي.

كما يمكن لوسائل الإعلام الجديدة إعادة تشكيل الممارسات الفنية من خلال تفاعل الفنانين مع المجالات الاجتماعية المختلفة، وهو ما تؤكده الكاتبة ميمنة فرحات من خلال دراستها لمجموعة مختارة من الأعمال الفنية ومدى تأثيرها كصور في الحرب على الإرهاب، ومدى قدرة الإعلام الجديد على أن يكون مجالًا للعروض التفاعلية ومنصات للفنانين من أجل الانخراط السياسي والاجتماعي والتعبير عن أفكارهم دون تقييد وبارتياحية شديدة.الإعلام-الجديد-كمجالٍ-للتفاعل

وفي مقابل ذلك، يشترك مجموعة من الكتاب والباحثين في كتابة فصل بعنوان: “صحافة المواطن والذاكرة الجماعية”، يتناولون من خلاله ارتفاع شعبية صحافة المواطن مؤخرًا في ظل عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الصحافة وبين وسائل الإعلام الاجتماعية، ومدى مهنية ذلك، بمعنى إلى أي درجة يمكن أن تكون وسائل الإعلام الجديدة ذات شفافية ومهنية بعيدًا عن التسييس الذي يتسم به الإعلام الرسمي.

ويؤكد الخبراء أن وسائل الإعلام الجديدة بمثابة محاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية للشعوب بعيدًا عن التلفيق والتزييف، ومن هنا تأتي صحافة المواطن ووسائل الإعلام الجديدة كمحاولة للتأريخ. وفي هذا الصدد، تشير الكاتبة دريا يوسيل إلى أن الأحداث التاريخية لها تأثير كبير على الممارسات المعاصرة لشبكات التواصل الاجتماعي في تركيا على سبيل المثال، وأن تلك المواقع باتت بمثابة منصات للفنانين من أجل المشاركة السياسية والتواصل مع الجمهور.

ويتناول الكتاب في فصل مستقل منه حركة “مُصِرِّين” المصرية؛ وهي وسيلة إعلامية شعبية غير هادفة للربح تأسست في وسط القاهرة، وظهرت منذ بداية الثورة المصرية في عام 2011، وأظهرت الدور الكبير للإعلام الشعبي في نقل الأحدث، حيث فتحت المجال لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو من أجل خلق خطاب إعلامي شعبي أكثر مصداقية بعيدًا عن الإعلام الرسمي، وبات لها دور هام في دعم الثورة إعلاميًّا وثقافيًّا عن طريق خلق أرشيف بصري وصوتي للأحداث السياسية المصرية وكذلك إنتاج أفلام تعبر عن الثورة ومطالبها، وتقديم الدعم لكل صانع أفلام داعم للثورة سواء أكان محترفًا أم هاويًا، وبالتالي هي تسعى لدعم صحافة المواطن عن طريق تسجيل أي انتهاكات وتوثيق كافة الاحتجاجات.

أما في تونس، فيرى الكاتب تيمو كعبي- لينكي أن الثورة التونسية تأثرت كثيرًا بالإعلام الجديد، من خلال تغطية المواطنين للأحداث عبر رفع الصور والفيديوهات عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنها موقع اليوتيوب، وهو ما دفع وكالات الأنباء العالمية للانتباه إلى الانتفاضة التونسية في مهدها، فلولا تلك المواقع وما تم مشاركته من صور وفيديوهات وأخبار من خلالها لما كان للثورة التونسية أن تنجح في إسقاط النظام المستبد.

كذلك كانت دول مثل مصر والبحرين واليمن تتابع الأمر من كثب، وتحاول إعادة إنتاج الثورة في بلدانها من خلال الاطلاع على المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي، لذا يمكن تسمية الثورة التونسية بثورة “فيسبوك وتويتر”. وبالتالي، أصبح الإنترنت أداة للتغيير ووسيلة للمواطن من أجل أن يشارك في صناعة الحدث.

إن الأمر الجدير بالملاحظة هنا أن الكتاب يحاول جاهدًا أن يبيِّن مدى قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على التأثير في الأحداث السياسية والاجتماعية، وأنه لولا تلك المواقع لما كانت الثورات العربية أن تنطلق، وذلك مع عدم الجزم بأن ثمة علاقة تلقائية أو حتمية بين وسائل الإعلام الجديدة- ومن ضمنها شبكات التواصل الاجتماعي- وبين المشاركة السياسية والتغيير السياسي، إذ إن هذه الوسائل تنطوي على احتمالية استخدامها بشكل إيجابي أو سلبي على حد سواء. ففي دول مثل مصر وسوريا كانت الأنظمة قادرة على منع مواطنيها من الوصول إلى قنوات إخبارية دولية من أجل عدم الحصول على المعلومات، وهو ما بات من الماضي البعيد في ظل استحالة سيطرة الأنظمة على المعلومات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الصحافة التي أصبح المواطن جزءًا فاعلًا منها، عن طريقة صناعة الخبر والمشاركة فيه إما برفع الصور أو الفيديوهات. ولكن على جانب آخر، أضحت الأنظمة قادرة على حجب تلك المواقع أو استخدامها في التجسس أو مراقبة المواطنين.

ويؤكد الكتاب على دور الثقافة البصرية كوسيلة لاستكشاف وفهم الأحداث، ويخلص إلى أن ثمة تداخلًا مستمرًّا بين الفن وتأثيره من جانب، وبين وسائل الإعلام الجديدة وتأثيرها من جانب آخر، وهي علاقة مستمرة تتسم بالتداخل، وقد تنتج تغيرات في بلدان عديدة.

وهذا يعني أن الإنترنت والإمكانيات التي أتاحتها لمشاركة الموطنين يمكن أن تسهم بعملية تغيير اجتماعي وسياسي في كل المجتمعات، وهذا يعتمد على مشاركة المواطنين في مجال عام افتراضي لتبادل المعلومات ومناقشة القضايا وعرض الآراء المختلفة.

وهذا المجال العام الافتراضي يمكن أن يتحول إلى مجال عام حقيقي مثل الثورات والمظاهرات التي يمكن أن تسهم في تغيير الحكام، وترشيد عملية الحكم وصنع القرارات، وقد ظهر تأثير هذا التطور في ثورات الربيع العربي، حيث تحقق التكامل بين المجال العام الافتراضي عبر الإنترنت، والمجال العام الواقعي في الميادين.

ويمكن أن تقوم شبكة الإنترنت بأدوار مهمة في الشؤون السياسية، بدءًا من تقديم معلومات حول المرشحين للانتخابات، وانتهاءً بعمليات الحشد والتعبئة السياسية، وتسهيل مهمة الأنظمة السياسية في تنفيذ سياساتها.

وقد أجريت في النرويج عام 1993، أول انتخابات عامة إلكترونية، بينما في الانتخابات الأمريكية عام 2000، ظهرت عشرات المواقع الانتخابية على الإنترنت، التي عملت على إيصال وجهات نظر المرشحين، وتسهيل عملية مشاركة الناخبين. بل إن بعض الولايات وافقت رسميًّا على قيام مواطنيها بممارسة حقهم الانتخابي إلكترونيًّا من خلال التصويت عبر الإنترنت، وهو ما ينقل العملية الديمقراطية إلى عصر الإنترنت.

وكأداة جديدة للاتصال توفر الإنترنت موقعًا يستطيع من خلاله السياسيون التحدث مباشرة مع الناخبين والاطلاع على آرائهم، إلا أن توافر المعلومات لا يعني المشاركة السياسية، ولا يعني أن الأفراد دائمًا ستكون لديهم القدرة على الاتصال والمشاركة؛ فإمكانية حرمان بعض الأشخاص من المشاركة السياسية عبر الإنترنت واردة؛ لأنه ليس كل الأفراد لديهم القدرة على الدخول إلى هذه الوسيلة.

وعلى الرغم من أن شبكة الإنترنت تتعامل مع الحقل الشعبي حاليًّا، فإن النخبة السياسية ما زالت مسيطرة على حدود المعلومات العامة وتشكيل الرأي؛ فالمعلومات الرسمية ما زال الحصول عليها يتم من خلال القنوات التقليدية، مثل المواقع الحكومية والحزبية ووسائل الإعلام التقليدية، كما أن جريان المعلومات غير المقيد وغير المسؤول والمغلوط أحيانًا قد يقلل من أهمية استخدام الإنترنت كمصدر للمعلومات. ورغم أن شبكة الإنترنت تتيح الاتصال بين الأشخاص الراغبين في التواصل، لكنها لا تعمق مستوى النقاش، وغالبًا ما تكون المناقشات السياسية عبر الإنترنت ضعيفة وغير منطقية. وعندما تكون المناقشات غير عقلانية فإنه من السهل على السياسيين الاستفادة منها وعدم إجراء تغييرات على الوضع الراهن، كما أن فرصة إلزام النخبة السياسية بالمشاركة والمناقشة العقلانية تبدو ضعيفة. وبالرغم من أن الوسائط الحديثة تتيح للجمهور طرح آرائهم وحشد تأييد جماعي بسهولة أكثر مما سبق، فإن النظام المعلوماتي الحديث الذي سيعتمد عليه الجمهور سيصبح أقل مصداقية وقابلية في الاعتماد عليه كمصدر صادق لنقل المعلومات وتحليلها. وهذا يحدث في اللحظة التي يكون فيها اهتمام الجمهور في المواضيع السياسية والديمقراطية في قمة مستوياته.

وكما أن هذا المجال مفتوح للأفراد في الحصول على المعلومات، وكما ساعدت الإنترنت في تعزيز مواقف المهتمين بقضايا حقوق الإنسان وقوى المعارضة السياسية، فقد ساعدت كذلك على تعزيز الأنشطة الإرهابية والإجرامية بتوفير وسيلة اتصال يصعب مراقبتها. بالإضافة إلى ما يحدث من اقتحام المواقع بهدف التجسس على الدول والسياسيين، والتنصت على رسائل البريد الإلكتروني وانتهاك الخصوصية، حيث سيبقى ذلك من التحديات التي تواجه مستخدمي الإنترنت.

وتبقى حقيقة أن عملية التشريع في حقل الإعلام الإلكتروني من جانب الدولة يجب أن يركز على فكرة التنظيم وليس السيطرة، وبخاصة أن الدولة لم تعد الفاعل الرئيسي، وهو ما يتطلب ألا يتم الإسراف في العقوبات، لأن قوة العقوبة تتطلب قوة التنفيذ، وبخاصة أن القانون المحلي لا يتجاوز حدود الدولة، وهو لا ينطبق مع آلية عمل المواقع والتطبيقات الإلكترونية. ولكن تبقى هناك فرص لقيام الدولة بتنظيم الإعلام الإلكتروني عن طريق ما يلي:

أ- العمل على تحديث أجهزة الدولة بشكل يجعلها تتعاطى مع المجال السيبراني عبر الوجود المباشر للوزارات والهيئات الحكومية عبر الإنترنت وعبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ب- سعي الدول إلى تحديث البنى التعليمية والثقافية للعمل على تحقيق منح وطنية لمواجهة التحديات التي يفرضها الفضاء الإلكتروني.

ج- أن تسعى الدولة إلى أن تعمل على تحديث الأطر التشريعية الخاصة سواء المنظمة لمجال الإعلام والصحافة أم المتعلقة بمكافحة الجريمة وتنظيم الحريات العامة.

د- هناك مدخل محلي يتعلق بأن العمل على مواجهة التحديات الاقتصادية التي يمر بها الشباب هو الكفيل بمواجهة مخاطر التعرض للإعلام الإلكتروني.

ه- إن التقدم في عملية تنظيم الإعلام التقليدي وترسيخ ميثاق الشرف والمهنية هو السبيل أمام الحد من التأثيرات السلبية للإعلام الإلكتروني.

وختامًا، يمكننا القول إنه لكون شبكة الإنترنت ما زالت خارج نطاق سيطرة الدول والحكومات والأحزاب السياسية، فإنها تتيح فرصة ثمينة لإحداث تغيير في أسلوب الاتصال السياسي وطبيعة تعبير الرأي العام وتكوينه؛ فالرسالة والوسيلة في الإنترنت خاليتان من التشويش الذي توصم به القنوات التقليدية للاتصال السياسي، كما يتميز الاتصال من خلال الإنترنت بسرعة انتشار المعلومة واستقبالها بحرية عبر جميع المستويات، والقدرة على الحوار، وعدم تشويش المعلومات بحسب الأهواء، متحدية بذلك الوسائل التقليدية؛ فالإنترنت تساعد على لامركزية إنتاج المعرفة ودقرطة تكوين الرأي، وتنشيط العملية الديمقراطية من خلال الطبيعة التفاعلية التي تشجع على مشاركة جماهيرية أكبر في التعبير عن الرأي وصنع القرارات وعملية الحكم، إضافة إلى أنها لا تتيح الفرصة لسيطرة المسؤولين على تدفق المعلومات؛ فهي وسيلة لم تشوَّه أو تتأثر بالمصالح المتضاربة للوسائل والأحزاب السياسية.

وحسب هذا الاتجاه فإن الإنترنت تجسد حرية الخطاب والمعلومات، وتعطي مؤشرات نزيهة للمعلومات كأساس يُبنى عليه الرأي العام، كما أنها تُعدُّ قوة معادلة ومكافئة لقدرة الوسائل التقليدية على ترتيب الأولويات.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى