اشتيوي الجدي يكتب.. 19 مارس 2011… مراجعات غربية تعيد طرح سؤال التدخل في ليبيا

بعد خمسة عشر عامًا على التدخل العسكري الدولي في ليبيا عام 2011، لم يخفت الجدل حول تلك اللحظة المفصلية، بل ازداد عمقًا واتساعًا، متجاوزًا الإطار الليبي إلى دوائر صنع القرار والبحث في الغرب. فقد أفرزت السنوات اللاحقة سلسلة من المراجعات النقدية الصريحة، صدرت عن قادة ومسؤولين بارزين، أعادت مساءلة دوافع التدخل ونتائجه، وطرحت تساؤلات جوهرية حول مدى صواب ذلك القرار، وما إذا كان ضرورة سياسية أم خطأً استراتيجيًا ساهم في تفكيك الدولة وتعقيد المشهدين الليبي والإقليمي.
في هذا السياق، أقرّ رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني مبكرًا بأن ما جرى في ليبيا لم يكن بمعزل عن حسابات سياسية وشخصية، مشيرًا إلى الدور المحوري الذي لعبه الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي في الدفع نحو التدخل، مدفوعًا—بحسب تقديره—باعتبارات تتجاوز البعد الإنساني المعلن.
وفي المملكة المتحدة، خلص تقرير مجلس العموم البريطاني إلى انتقادات جوهرية لأداء الحكومة آنذاك، معتبرًا أن قرار رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون افتقر إلى أساس معلوماتي دقيق، وتأثر بتقديرات غير مكتملة، ما أفضى إلى سوء قراءة لطبيعة الواقع الليبي وتعقيداته، خاصة فيما يتعلق بحجم التهديدات التي قُدّمت بوصفها مبررًا للتدخل.
أما في الولايات المتحدة، فقد قدّم الرئيس الأسبق باراك أوباما مراجعة لافتة، أقرّ فيها بأن غياب التخطيط لمرحلة ما بعد إسقاط النظام شكّل أحد أبرز أوجه القصور، وأسهم بشكل مباشر في تفاقم الفوضى وتآكل مؤسسات الدولة.
وفي فرنسا، عبّر الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون عن موقف نقدي مماثل، إذ أكد في أكثر من مناسبة أنه لم يكن ليؤيد ذلك التدخل لو كان في موقع المسؤولية حينها، في دلالة على تحوّل التقدير السياسي الفرنسي تجاه تلك المرحلة.
ولا تقف هذه المراجعات عند حدود القادة السياسيين، بل تمتد إلى دوائر البحث والإعلام. فقد رأى الباحث الكندي ميشال شوسيدوفسكي أن خلفيات التدخل تجاوزت الخطاب الإنساني لتلامس اعتبارات جيوسياسية واقتصادية، بينما ذهب الصحفي الألماني ألفريد هاكينسبيرغر إلى أن تدخل حلف شمال الأطلسي ارتبط، في جوهره، بإعادة ترتيب موازين النفوذ أكثر من كونه مشروعًا لنشر الديمقراطية. وفي السياق ذاته، وصف الوزير الألماني الأسبق غيرد مولر ما جرى بأنه «خطأ كبير» كانت له تداعيات بعيدة المدى على استقرار ليبيا والمنطقة.
إن تقاطع هذه الشهادات، رغم تباين خلفياتها، يفضي إلى خلاصة مشتركة مفادها أن التدخل لم يكن محصنًا من سوء التقدير، وأن نتائجه جاءت مغايرة—بل مناقضة أحيانًا—لأهدافه المعلنة. ومن هنا، تكتسب هذه المراجعات أهميتها بوصفها مدخلًا ضروريًا لإعادة قراءة تلك المرحلة قراءة نقدية متأنية.
وإذا كانت هذه المراجعات تعكس مراجعة غربية متأخرة، فإن انعكاساتها على الداخل الليبي تبدو أكثر حدة وتعقيدًا. فمنذ فبراير 2011، دخلت ليبيا مسارًا مضطربًا، تشابكت فيه العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية، ما أفضى إلى واقع سياسي وأمني هشّ، تتنازعه الانقسامات وتثقل كاهله صراعات النفوذ.
وفي هذا الإطار، لم تعد الأزمة الليبية تُختزل في كونها أزمة سياسية عابرة، بل باتت تعبيرًا عن اختلال عميق في بنية الدولة، تجلّى في تعدد مراكز القرار، وتآكل المؤسسات، وتراجع القدرة على فرض السيادة الوطنية. كما أن تصاعد التدخلات الخارجية أسهم في تعميق هذه الانقسامات، وكرّس واقعًا معقدًا تتداخل فيه الأجندات الإقليمية والدولية.
وعليه، فإن الحديث عن مخاطر الانقسام لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح واقعًا تفرضه مؤشرات ميدانية وسياسية متراكمة، تُنذر بإضعاف وحدة الدولة وتقويض تماسكها الاجتماعي. وفي ظل هذا المشهد، تبرز فجوة واضحة بين الوعود التي رُفعت عام 2011—من ديمقراطية واستقرار—وبين الواقع الذي تعيشه البلاد اليوم.
أمام هذا التباين الحاد بين الوعود والنتائج، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: إلى أي مدى أسهم التدخل العسكري في تحقيق الأهداف التي أُعلن عنها؟ وهل كان بالإمكان تجنب المسارات التي قادت إلى هذا الوضع المعقد؟
الإجابات عن هذه الأسئلة تبقى محل جدل، غير أن ما يبدو مؤكدًا هو أن ليبيا تقف اليوم أمام اختبار تاريخي يتطلب مراجعة شاملة، لا تقف عند حدود الماضي، بل تتجاوزها إلى استشراف المستقبل. مراجعة تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، وتؤسس لمسار وطني يستند إلى السيادة والاستقرار، بعيدًا عن الاستقطاب والتبعية.
خمسة عشر عامًا بعد 2011، لم تعد القضية مجرد تقييم لحدث مضى، بل أصبحت ضرورة لفهم الحاضر وبناء المستقبل. وبين مراجعات غربية متأخرة وواقع ليبي معقد، تظل الحاجة قائمة إلى قراءة متوازنة، تستند إلى الوقائع وتستخلص الدروس، بما يمهّد الطريق نحو استعادة الدولة الليبية لعافيتها ووحدتها.



