رأي

اشتيوي الجدي يكتب.. حب ليبيا… ليس شعاراً بل موقفاً

الكاتب دبلوماسي ليبي سابق

في أوقات الأزمات تختلط الأصوات، وتعلو الشعارات، ويكثر الحديث باسم الوطن، حتى يكاد المواطن يعجز عن التمييز بين من يحمل الوطن في قلبه حقاً، ومن يكتفي باستخدام اسمه على لسانه. غير أن الحقيقة تبقى ثابتة لا تتغير: حبُّ الوطن وخيانته لا يجتمعان في قلب إنسان، كما لا يجتمع النور والظلام.

فالوطنية ليست كلمات تُقال، ولا رايات تُرفع، ولا خطابات تُلقى عند اشتداد المحن، وإنما هي مواقف تُختبر عند تعارض المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، وعندما يكون ثمن الوفاء للوطن باهظاً. عندها فقط يتمايز الصادق من المدّعي، والمخلص من المتاجِر بشعار الوطنية.

لقد دفعت ليبيا خلال السنوات الماضية ثمناً باهظاً جراء الانقسام والصراع، وتعرضت لتدخلات خارجية أضعفت مؤسساتها، وأرهقت شعبها، واستنزفت مواردها. ولم يكن لهذا الوضع أن يبلغ هذا الحد لولا أن بعض الأطراف قدّمت مصالحها الضيقة على مصلحة الوطن، وفتحت المجال أمام التدخلات الأجنبية، وجعلت القرار الوطني رهينة لحسابات لا تخدم ليبيا ولا مستقبل أبنائها.

إن الوطنية الحقة لا تعني الانتصار لفئة على حساب أخرى، ولا تبرير الانقسام أو تأجيج الصراعات، بل تعني الإيمان بأن ليبيا وطن واحد لا يقبل القسمة، وأن وحدته وسيادته خط أحمر لا يجوز المساس به تحت أي ظرف أو مبرر.

وليس من حب ليبيا الاستعانة بالإرادات الخارجية للفصل بين أبنائها، أو الرهان على الدعم الأجنبي لتحقيق مكاسب سياسية، أو تحويل الخلافات الداخلية إلى وسيلة لإضعاف الدولة ومؤسساتها. كما لا يُعد من الوطنية نهب الثروات، أو إهدار المال العام، أو استغلال معاناة المواطنين لبناء النفوذ وتحقيق المصالح الشخصية.

إن الدولة القوية لا تقوم إلا على مؤسسات راسخة، وقضاء عادل، وجيش وطني وأجهزة أمنية تضطلع بمهام حماية الوطن وسيادته، وإدارة رشيدة تصون المال العام وتضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار. فلا مستقبل لليبيا في ظل الانقسام، ولا نهضة في ظل الفساد، ولا استقرار ما دام الولاء لغير الوطن يتقدم على الولاء له.

إن ليبيا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين أبنائها، ويغلق أبواب الفتنة، ويؤسس لدولة يسودها القانون، وتُحترم فيها المؤسسات، وتُصان الحقوق، ويكون الاحتكام فيها للدستور والقانون وحدهما.

لقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تنهض إلا بإخلاص أبنائها، وأن الدول التي تجاوزت أزماتها فعلت ذلك عندما قدّمت المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والفئوية. وليبيا ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فهي تمتلك من التاريخ والإمكانات والثروات ما يؤهلها لتكون دولة قوية ومستقرة، متى ما توحدت الإرادة الوطنية وارتفع الجميع فوق اعتبارات الانقسام.

ختاماً، فإن حب ليبيا ليس ادعاءً يُردَّد، ولا مناسبة تُستثمر، بل هو عهد ومسؤولية. ومن أحب وطنه حقاً، دافع عن وحدته، وصان سيادته، وحفظ ثرواته، وسعى إلى جمع أبنائه لا إلى تفريقهم. فاليبيا لا يبنيها أصحاب الشعارات، وإنما يبنيها الرجال والنساء الذين يؤمنون بأن ليبيا أكبر من الجميع، وأن بقاءها موحدة وآمنة ومستقلة هو الانتصار الحقيقي الذي يستحق أن تتوحد من أجله كل الجهود.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى