«إفريقيا في 2025 عام الحروب والصراعات» “قراءة في قراءات النمو الاقتصادي والتحديات

رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية — نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية
حين ننظر إلى المشهد الإفريقي في عام 2025 فإننا لا نقف أمام لوحة أحادية اللون او مشهد اعتيادي، بل أمام مشهد مركب تتداخل فيه خطوط الصراع مع مسارات النمو، وتتقاطع فيه رهانات الاستقرار مع ضغوط التحولات الدولية، لتصبح القارة وكأنها تسير على حافة معادلة دقيقة تجمع بين فرص اقتصادية واعدة ومخاطر سياسية وأمنية متزايدة، هذه المفارقة ليست جديدة على إفريقيا، لكنها في هذا التوقيت تحديداً تأخذ أبعاداً أكثر حدة وتعقيداً، في ظل بيئة دولية مضطربة، وتنافس جيوسياسي متسارع، وضغوط داخلية تتراوح بين هشاشة الدولة في بعض المناطق، وارتفاع توقعات الشعوب في مناطق أخرى.

تشير التقديرات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات دولية إلى أن متوسط النمو في إفريقيا خلال 2025 يدور حول 3.8 إلى 4.2 بالمئة، مع توقعات بارتفاعه في بعض الاقتصادات الديناميكية إلى ما يتجاوز 5 بالمئة، خاصة في دول شرق إفريقيا وغربها، وهو ما يعكس في ظاهره قدرة القارة على التعافي التدريجي من آثار جائحة كورونا وتداعيات الحرب في أوكرانيا.
إلا أن هذا الرقم، على أهميته، يخفي وراءه تباينات حادة بين دول تحقق معدلات نمو مرتفعة مدفوعة بقطاعات الطاقة والتعدين والخدمات، وأخرى تعاني من انكماش أو تباطؤ نتيجة النزاعات المسلحة أو الأزمات السياسية أو الضغوط التضخمية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن ما يقرب من 40 بالمئة من سكان القارة يعيشون في دول متأثرة بالصراعات أو الهشاشة، وفق تقديرات البنك الدولي، وهو ما يضع ضغوطاً مباشرة على مسارات التنمية، ويؤثر على قدرة الحكومات على تنفيذ سياسات اقتصادية مستقرة.
النزاعات في السودان، والتوترات في منطقة الساحل، واستمرار التحديات الأمنية في شرق الكونغو، فضلاً عن التحولات السياسية المتلاحقة في غرب إفريقيا، كلها عوامل تخلق بيئة غير مواتية للاستثمار، وتؤدي إلى ارتفاع تكلفة المخاطر، وتحد من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها، هي أن هذه الصراعات لم تمنع القارة من أن تظل إحدى آخر تخوم النمو العالمي، كما يصفها بعض المحللين الاقتصاديين، فإفريقيا تمتلك ما يزيد عن 30 بالمئة من الموارد المعدنية العالمية، و60 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة، وسوقاً استهلاكية يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، مع نسبة شباب هي الأعلى عالمياً، هذه المعطيات تجعل من القارة مجالاً حيوياً للاستثمار الدولي، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا المالية، والزراعة الذكية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الموارد، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها ضمن إطار مؤسسي قادر على تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، وهنا تظهر بوضوح إشكالية الحوكمة، حيث لا تزال العديد من الدول الإفريقية تعاني من ضعف المؤسسات، وغياب الشفافية، وتداخل الأدوار بين الدولة والنخب الاقتصادية، وهو ما يؤدي إلى تسرب عوائد النمو دون أن تنعكس بشكل عادل على المجتمعات.
ومن زاوية أخرى، فإن الضغوط الاقتصادية العالمية تلقي بظلالها الثقيلة على القارة، حيث ارتفعت معدلات التضخم في العديد من الدول الإفريقية إلى مستويات تتراوح بين 10 و20 بالمئة، مدفوعة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتراجع قيمة العملات المحلية أمام الدولار، كما أن أعباء الديون تمثل تحدياً متزايداً، حيث تجاوز إجمالي الدين الخارجي لإفريقيا 650 مليار دولار، مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين نتيجة لسياسات التشديد النقدي العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد صياغة المعادلة الاقتصادية في القارة، فالتجارة البينية الإفريقية لا تزال لا تتجاوز 15 إلى 18 بالمئة من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 بالمئة في أوروبا، وهو ما يعكس حجم الفرص الضائعة، تفعيل هذه الاتفاقية بشكل حقيقي يمكن أن يضيف ما يقرب من 450 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة بحلول 2035، وفق تقديرات البنك الدولي، كما يمكن أن يساهم في خلق ملايين الوظائف، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز عدد من التحديات الهيكلية، من بينها ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، وتعدد القيود غير الجمركية، فضلاً عن غياب التكامل في السياسات الصناعية، وهنا يأتي دور الدول الكبرى في القارة، وفي مقدمتها مصر، التي تمتلك موقعاً استراتيجياً فريداً، وخبرة متراكمة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وقدرة على لعب دور محوري في دعم التكامل الإفريقي، سواء من خلال الاستثمارات المباشرة أو نقل الخبرات أو دعم الأطر المؤسسية.
ومن منظور استراتيجي، فإن ما يحدث في إفريقيا اليوم لا يمكن فصله عن إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث أصبحت القارة ساحة تنافس بين قوى كبرى تسعى لتعزيز نفوذها، سواء عبر الاستثمار أو المساعدات أو الشراكات الأمنية.
هذا التنافس، رغم ما يحمله من فرص، قد يتحول إلى عامل ضغط إذا لم تتمكن الدول الإفريقية من إدارته بشكل متوازن يحقق مصالحها الوطنية، ويمنع تحولها إلى مجرد ساحة صراع بالوكالة.
وفي تقديري، فإن اللحظة الراهنة تفرض على النخب الإفريقية، السياسية والاقتصادية، إعادة النظر في نماذج التنمية التقليدية، والانتقال إلى مقاربات أكثر تكاملاً، تضع الإنسان في قلب العملية التنموية، وتعتمد على تعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتوطين التكنولوجيا، والاستثمار في التعليم والصحة. كما أن تعزيز دور المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، في دعم الاستقرار وبناء التوافقات، يمثل عنصراً حاسماً في تجاوز حالة الهشاشة التي تعاني منها بعض الدول.
إن إفريقيا في 2025 ليست مجرد قارة تعاني من الحروب والصراعات، بل هي أيضاً قارة تقف على أعتاب تحولات كبرى، يمكن أن تنقلها إلى موقع أكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، إذا ما أحسنت استثمار مواردها، وإدارة تنوعها، وبناء مؤسساتها.
وبين هذا وذاك، تبقى المعادلة مفتوحة على احتمالات متعددة، يتوقف ترجيحها على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إدراك أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة، وأن الاستثمار في الاستقرار ليس خياراً، بل ضرورة وجودية لمستقبل القارة.


