
إعداد: د/ هبة المُعز
دكتوراه العلوم السياسية، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة
تمهيد
تشهد البيئة الأمنية الإفريقية خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة جعلت مفهوم الأمن يتجاوز حدوده التقليدية المرتبطة بالصراعات المسلحة والنزاعات الحدودية، ليشمل مجموعة واسعة من التهديدات السياسية والاقتصادية والمائية والبحرية والإرهابية. وقد أصبحت مناطق القرن الإفريقي ووادي النيل والبحر الأحمر من أكثر البيئات الإقليمية ارتباطًا بهذه التحولات، نتيجة التداخل الجغرافي والاستراتيجي بين الدول المطلة على هذه المناطق. وفي هذا السياق، جاء إعلان العلمين المشترك الصادر عن القمة الرباعية التشاورية التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين الجديدة في 4 أكتوبر 2026، ليطرح رؤية مشتركة تجاه عدد من القضايا التي تمس بصورة مباشرة الأمن والاستقرار الإقليميين. فقد أكد الإعلان احترام السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم المؤسسات الوطنية والحلول السياسية والسلمية للنزاعات. كما تناول بصورة مباشرة الأوضاع في السودان والصومال، ومكافحة الإرهاب، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، والأمن المائي في حوض النيل.
وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة بالنظر إلى أن الدول الأربع تقع في نطاق جغرافي متصل استراتيجيًا؛ فمصر والسودان يرتبطان بمنظومة وادي النيل، بينما تمثل إريتريا والصومال امتدادًا مهمًا لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومن ثم فإن أي اضطراب سياسي أو أمني في إحدى هذه الدوائر يمكن أن تكون له تداعيات على الدوائر الأخرى. كما أن الإعلان لا يتعامل مع الأمن باعتباره قضية عسكرية فقط، وإنما يربطه بالتنمية والتعاون الاقتصادي والتجاري والتكامل الإقليمي. فقد أكد القادة أهمية خلق مناخ مواتٍ للتنمية المشتركة والمستدامة، وتعزيز الترابط الاقتصادي، إلى جانب الاتفاق على إنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة وعقدها بصورة دورية.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة إعلان العلمين ليس باعتباره وثيقة سياسية آنية فحسب، وإنما بوصفه مؤشرًا على اتجاه نحو بناء مقاربة إقليمية للأمن الإفريقي تقوم على التنسيق بين الدول المتجاورة، ودعم الدولة الوطنية، وربط الأمن بالتنمية، والتعامل مع البحر الأحمر والقرن الإفريقي ووادي النيل باعتبارها دوائر أمنية مترابطة.
أولًا: مشكلة الدراسة
تتمثل مشكلة الدراسة في محاولة تحليل مدى قدرة إعلان العلمين على الإسهام في تطوير مقاربة مشتركة لقضايا الأمن الإفريقي، في ظل تعدد مصادر التهديد التي تواجه دول القرن الإفريقي ووادي النيل والبحر الأحمر. ويمكن صياغة المشكلة البحثية في التساؤل الرئيسي الآتي:
“إلى أي مدى يعكس إعلان العلمين تحولًا نحو مقاربة إقليمية مشتركة لقضايا الأمن الإفريقي، وما أبرز أبعاده الجيوسياسية وتداعياته الاستراتيجية؟”.
وينبثق عن هذا التساؤل عدد من التساؤلات الفرعية:
ما السياق الإقليمي الذي صدر فيه إعلان العلمين؟.
ما أبرز القضايا الأمنية التي تناولها الإعلان؟.
كيف عالج الإعلان أزمات السودان والصومال؟.
ما موقع مكافحة الإرهاب في الرؤية الأمنية للإعلان؟.
ما دلالة التأكيد على حرية الملاحة وحوكمة البحر الأحمر؟.
كيف يرتبط الأمن المائي بقضايا الأمن الإفريقي في الإعلان؟.
ما الأبعاد الجيوسياسية للإعلان بالنسبة للقرن الإفريقي ووادي النيل؟.
ما التداعيات المحتملة للإعلان على منظومة الأمن الإقليمي؟.
ما أبرز التحديات التي قد تواجه تنفيذ مخرجاته؟.
ثانيًا: أهمية الدراسة
الأهمية العلمية
تنبع الأهمية العلمية من حداثة إعلان العلمين، ومن كونه يجمع بين مجموعة من الملفات التي عادة ما تتم دراستها بصورة منفصلة، بينما يضعها الإعلان في إطار واحد يربط بين الأمن السياسي والأمن البحري والأمن المائي ومكافحة الإرهاب والتنمية.
الأهمية العملية (الاستراتيجية)
الأهمية الاستراتيجية من الموقع الجغرافي للدول الأربع، حيث تتقاطع مصالحها في دوائر وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهي دوائر ذات أهمية مباشرة للأمن الإقليمي. ويعكس الإعلان توجهًا نحو زيادة التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، وإنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة وعقد اجتماعات دورية، وهو ما يمكن أن يضفي طابعًا مؤسسيًا على التعاون بينها.
ثالثًا: أهداف الدراسة
تسعى الدراسة إلى:
تحليل مضمون إعلان العلمين.
تحديد أبرز قضايا الأمن الإفريقي التي تناولها.
دراسة أبعاده الجيوسياسية.
تحليل علاقته بأمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر ووادي النيل.
بحث تداعياته على الأمن الإقليمي.
تحديد فرص وتحديات تطوير التعاون بين الدول الأربع.
تقييم إمكانية تحول الإعلان إلى إطار أكثر انتظامًا للتنسيق الإقليمي.
رابعًا: منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة باعتبار إعلان العلمين نموذجًا للتعاون الإقليمي بين مجموعة من الدول التي تتشارك في عدد من التحديات الأمنية. وتستخدم الدراسة كذلك مدخل التحليل الجيوسياسي لفهم تأثير الموقع الجغرافي للدول الأربع في صياغة المصالح الأمنية المشتركة.
خامسًا: تقسيم الدراسة
تنقسم الدراسة إلى مجموعة من المباحث المتكاملة التي تستهدف تحليل إعلان العلمين وقضايا الأمن الإفريقي من منظور جيوسياسي واستراتيجي، يتناول المبحث الأول السياق الإقليمي لإعلان العلمين، من خلال استعراض التحولات الأمنية والسياسية في منطقة وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، بينما يركز المبحث الثاني على أبرز قضايا الأمن الإفريقي التي تناولها الإعلان، وفي مقدمتها النزاعات المسلحة، ومكافحة الإرهاب، ودعم مؤسسات الدولة، والأمن المائي، ويناقش المبحث الثالث الأبعاد الجيوسياسية لإعلان العلمين، وانعكاساته على توازنات القوى والتفاعلات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، أما المبحث الرابع فيتناول التداعيات الاستراتيجية للإعلان، وما يتيحه من فرص لتعزيز التعاون والتنسيق الأمني بين الدول المعنية، إلى جانب التحديات التي قد تحول دون ترجمة مضامينه إلى سياسات وآليات تنفيذية فعالة. وتنتهي الدراسة بخاتمة تتضمن أبرز النتائج والتوصيات ذات الصلة بتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي في القارة الإفريقية.
المبحث الأول: السياق الإقليمي لإعلان العلمين
جاء إعلان العلمين في سياق إقليمي يتسم بتزايد تعقيدات البيئة الأمنية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ووادي النيل، نتيجة تداخل الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة مع التهديدات الإرهابية وأمن الحدود والملاحة البحرية والأمن المائي. وقد فرضت التطورات في السودان، وما يرتبط بها من تداعيات إنسانية وأمنية عابرة للحدود، إلى جانب التحديات الأمنية التي تواجه الصومال واستمرار نشاط الجماعات الإرهابية، ضرورة تعزيز آليات التشاور والتنسيق بين الدول المتجاورة. كما أسهمت الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للبحر الأحمر وممراته البحرية في تصاعد الحاجة إلى مقاربة إقليمية لحماية الملاحة والحفاظ على استقرار الدول المشاطئة. وفي هذا الإطار، عكست القمة الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال إدراكًا لطبيعة الترابط بين أمن وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وسعت إلى بلورة رؤية مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية، وتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة.
أولًا: التحولات في البيئة الأمنية الإفريقية
شهدت طبيعة وديناميكيات التهديدات الأمنية في إفريقيا تحولات كبيرة جعلتها أكثر تعقيدًا وتداخلًا، ورغم خصوصية السياقات الأمنية من دولة إلى أخرى، فإن المسار الأمني للقارة يتسم بعدد من السمات المشتركة، ويمكن تتبع جذور انعدام الأمن في إفريقيا إلى فترات ما قبل الاستعمار، التي شهدت صراعات بين المجتمعات المحلية، قبل أن تتفاقم بصورة أكثر حدة مع التوسع الاستعماري الأوروبي وما صاحبه من استغلال للموارد وتهديد لسبل العيش، بما أسهم في ترسيخ أنماط ممتدة من عدم الاستقرار، كما أدى الاستعمار إلى تصاعد النزاعات بين الدول والمجتمعات الإفريقية، ثم أسهمت حركات التحرر والمقاومة في انتقال مركز الثقل الأمني تدريجيًا نحو الصراعات الداخلية، التي اتخذت أشكالًا متعددة، من بينها التمرد ومواجهته، وألحقت تداعياتها أضرارًا واسعة بالسكان وسبل معيشتهم، خاصة في المناطق النائية().
وتُعد منطقة الساحل الإفريقي من أبرز الفضاءات الأمنية تعقيدًا في القارة الإفريقية، نظرًا لما تشهده من تداخل وتشابك بين مجموعة متنامية من التهديدات، يأتي في مقدمتها انتشار التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، وتنامي أنشطة شبكات الجريمة المنظمة، فضلًا عن تصاعد ظاهرة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والأسلحة، وقد أسهمت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تفاقم هذه التحديات، يأتي في مقدمتها ضعف مؤسسات الدولة ومحدودية قدرتها على بسط سيطرتها على كامل أقاليمها، إلى جانب الأزمات السياسية والنزاعات الداخلية وتراجع معدلات التنمية، وفي ظل هذا الواقع، تحولت المنطقة إلى بؤرة للتنافس والاستقطاب الإقليمي والدولي، خاصة مع تنامي أهمية موقعها الجغرافي وتشابك التهديدات المنطلقة منها مع أمن دول الجوار والمصالح الدولية. ومن ثم، لم تعد تداعيات الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل مقتصرة على حدود دولها، وإنما أصبحت ذات أبعاد عابرة للحدود، بما يجعل استقرار المنطقة أحد المكونات الرئيسية للأمن الإفريقي والإقليمي والدولي().
ولم تعد البيئة الأمنية الإفريقية محكومة بالصراعات التقليدية بين الدول فقط، وإنما أصبحت تتسم بتعدد مصادر التهديد، ومنها النزاعات الداخلية، والجماعات المسلحة، والإرهاب، والجريمة المنظمة، وأزمات الحدود، والهجرة غير النظامية، والتنافس على الموارد الطبيعية، ويضاف إلى ذلك التداخل المتزايد بين الأزمات المحلية والأبعاد الإقليمية والدولية، بحيث أصبح الصراع داخل دولة واحدة قادرًا على إنتاج تداعيات تتجاوز حدودها، وتبرز منطقة القرن الإفريقي بصفة خاصة باعتبارها نموذجًا لهذا الترابط، إذ تتقاطع فيها قضايا الدولة الوطنية والنزاعات الداخلية والإرهاب وأمن البحر الأحمر والتنافس الإقليمي والدولي.
ومن هنا جاءت أهمية التركيز على التعاون بين الدول المتجاورة، بدلًا من التعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة منفصلة.
ثانيًا: الموقع الجيوسياسي للدول الأربع
تتمتع القارة الإفريقية بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، إذ تتوسط عددًا من الممرات والمناطق الاستراتيجية التي تربط بين القارات والأسواق العالمية، وتشرف على مسطحات مائية وممرات بحرية حيوية، من بينها البحر الأحمر، وخليج عدن، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، فضلًا عن امتداد سواحلها على المحيطين الأطلسي والهندي. وقد منحها هذا الموقع أهمية متزايدة في التفاعلات الإقليمية والدولية، وجعلها مجالًا للتنافس على الموارد والممرات الاستراتيجية ومناطق النفوذ. كما يرتبط الموقع الجيوسياسي لإفريقيا بصورة مباشرة بقضايا الأمن الإقليمي، خاصة في مناطق القرن الإفريقي والساحل وحوض النيل، حيث تتداخل التهديدات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية، بما يجعل استقرار القارة عنصرًا مؤثرًا في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
ونجد أن لدول المشاركة في إعلان العلمين تتمتع بمواقع جغرافية ذات أهمية استراتيجية، فمصر تمثل نقطة اتصال بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط والبحر الأحمر، بينما يرتبط السودان جغرافيًا ووظيفيًا بمنظومة وادي النيل والبحر الأحمر والعمق الإفريقي، أما إريتريا فتطل على البحر الأحمر، في حين يمثل الصومال جزءًا رئيسيًا من القرن الإفريقي ويتمتع بساحل طويل على المحيط الهندي وخليج عدن، ومن ثم، فإن جمع هذه الدول في إطار تشاوري واحد يعكس إدراكًا لترابط دوائر الأمن في المنطقة.
المبحث الثاني: إعلان العلمين وقضايا الأمن الإفريقي
يأتي إعلان العلمين في سياق تزايد التحديات الأمنية التي تواجه القارة الإفريقية، ولا سيما في مناطق القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل، حيث تتداخل النزاعات المسلحة والأزمات السياسية مع تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة وأمن الحدود والملاحة والأمن المائي. ويعكس الإعلان توجهًا نحو تعزيز المقاربة الجماعية للأمن الإفريقي، من خلال التأكيد على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية، ومواجهة التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة. كما يبرز الإعلان أهمية التعاون بين الدول الإفريقية في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتعزيز أمن البحر الأحمر، وحماية حرية الملاحة، إلى جانب دعم الاستقرار في السودان والصومال، ومن ثم، يمثل إعلان العلمين إطارًا للتنسيق الأمني والسياسي بين الدول المعنية، ويعكس إدراكًا متزايدًا بأن مواجهة التحديات الأمنية الإفريقية تتطلب استجابات جماعية تتجاوز حدود الدولة وتجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والتنموية.
أولًا: دعم سيادة الدول ووحدة أراضيها
يحتل مبدأ احترام السيادة ووحدة الأراضي موقعًا أساسيًا في إعلان العلمين، حيث أكد القادة أن القانون الدولي يمثل أساسًا للاستقرار والتعاون الإقليميين، مع التأكيد على احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها ورفض التدخلات في الشؤون الداخلية(). وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في البيئة الإفريقية، حيث ارتبط عدد من الأزمات الأمنية بضعف مؤسسات الدولة أو النزاعات حول السلطة أو محاولات إنشاء كيانات موازية.
ومن منظور أمني، فإن دعم الدولة الوطنية والمؤسسات الرسمية يمكن أن يمثل مدخلًا للحد من الفراغات الأمنية التي تستغلها الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة.
ثانيًا: الأزمة السودانية
خصص إعلان العلمين جانبًا مهمًا للأزمة السودانية، مؤكدًا دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء كيانات موازية، إلى جانب الدعوة إلى استئناف العملية السياسية على أساس الملكية والقيادة السودانية، ورفض أي دعم للمرتزقة. وتعكس هذه المواقف إدراكًا لطبيعة الأزمة السودانية باعتبارها لا تقتصر على أبعادها الداخلية، وإنما تمتد تداعياتها إلى البيئة الإقليمية المحيطة، نظرًا لما يترتب على استمرار الصراع من تأثيرات مباشرة في أمن الحدود وحركة السكان وتدفقات اللاجئين، فضلًا عن أمن البحر الأحمر واستقرار دول الجوار والأمن الغذائي وحركة التجارة، وكذلك التفاعلات المرتبطة بحوض النيل. ومن ثم، فإن تحقيق الاستقرار في السودان لا يمثل هدفًا وطنيًا فحسب، بل يرتبط بصورة وثيقة باستقرار البيئة الأمنية الإقليمية وتعزيز أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل().
ثالثًا: الأمن في الصومال ومكافحة الإرهاب
يمثل الصومال أحد أبرز الملفات الأمنية التي حظيت باهتمام في إعلان العلمين، الذي أكد دعم وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية وسيادتها وسلامة أراضيها، ومساندة جهودها في مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على بسط سيطرتها على كامل أراضيها. كما دعا الإعلان الشركاء الإقليميين والدوليين إلى توفير تمويل مستدام وقابل للتنبؤ لبعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)، بما يسهم في دعم الانتقال الأمني وتعزيز قدرات القوات الصومالية وتمكينها تدريجيًا من الاضطلاع بمسؤوليات حفظ الأمن().
ويعكس هذا التوجه تحولًا في المقاربة الأمنية من التركيز على المواجهة المباشرة للتنظيمات المسلحة إلى معالجة البيئة التي تسمح باستمرارها، من خلال بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على فرض سيادتها، وحماية حدودها، وتطوير مؤسساتها الأمنية، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم التنمية، فضلًا عن معالجة العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في استمرار الصراع. ومن ثم، يربط إعلان العلمين بين مكافحة الإرهاب وتعزيز بناء الدولة، باعتبار أن استدامة الأمن في الصومال تتطلب معالجة جذور عدم الاستقرار إلى جانب التصدي المباشر للتهديدات المسلحة.
رابعًا: البحر الأحمر كدائرة أمنية مشتركة
يمثل البحر الأحمر إحدى أبرز القضايا الاستراتيجية التي تناولها إعلان العلمين، في ضوء تأكيد القادة على حرية الملاحة واعتبار حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة. ويعكس هذا التوجه إدراكًا للبحر الأحمر باعتباره ليس مجرد ممر مائي دولي، وإنما مجالًا أمنيًا وجيوسياسيًا مشتركًا ترتبط استقراراته بصورة مباشرة بأمن الدول المطلة عليه ومصالحها الاستراتيجية().
وتتعاظم أهمية البحر الأحمر بالنظر إلى موقعه الذي يربط بين البحر المتوسط وقناة السويس من جهة، وخليج عدن والمحيط الهندي من جهة أخرى، بما يجعله حلقة رئيسية في حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية، ومن ثم، فإن أي اضطراب في أمن البحر الأحمر لا تقتصر تداعياته على الدول المشاطئة، وإنما قد تمتد إلى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يبرز أهمية تعزيز التعاون بين الدول المشاطئة للحفاظ على استقرار هذا المجال الحيوي.
خامسًا: حرية الملاحة والأمن الاقتصادي
يرتبط الأمن البحري ارتباطًا وثيقًا بالأمن الاقتصادي، نظرًا للدور الحيوي للممرات البحرية في حركة التجارة الدولية وتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد، ومن ثم، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة قد ينعكس على تكاليف النقل، وحركة الصادرات والواردات، وأمن الطاقة، فضلًا عن الإيرادات المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية، وفي هذا السياق، يعكس تأكيد إعلان العلمين على حرية الملاحة رؤيةً أوسع تعتبر حماية الممرات البحرية والحفاظ على أمنها أحد المقومات الأساسية للاستقرار الاقتصادي الإقليمي، ولا سيما في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر في حركة التجارة الدولية.
سادسًا: الأمن المائي كأحد أبعاد الأمن القومي الإفريقي
يُعد الأمن المائي من أبرز القضايا التي تناولها إعلان العلمين، ولا سيما فيما يتعلق بالأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، حيث أكد الإعلان أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار، إلى جانب ضرورة الإخطار المسبق والتشاور والتوصل إلى توافق بشأن المشروعات والإجراءات ذات الصلة بالموارد المائية المشتركة، مع رفض التدابير الأحادية التي قد تؤثر سلبًا في الاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب، وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة في ظل التحول في مفهوم الأمن من إطاره التقليدي إلى مفهوم أكثر شمولًا، أصبح الأمن المائي أحد مكوناته الأساسية؛ إذ لم تعد المياه قضية تنموية فحسب، وإنما ارتبطت بصورة مباشرة بالأمن القومي والاستقرار السياسي والأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية، بما يجعلها عاملًا مؤثرًا في الاستقرار الإقليمي، ومن ثم، فإن إدراج الأمن المائي ضمن إعلان ذي أبعاد سياسية وأمنية يعكس اتساع نطاق المقاربة الأمنية للدول المشاركة، وإدراكها للطبيعة الاستراتيجية للموارد المائية المشتركة وتأثيرها في منظومة الأمن الإقليمي.
وأن قضايا الأمن المائي تتقاطع مع العديد من الصراعات الإقليمية في المنطقة، ويتم تسييسها بشكل واضح، فتكون أحيانًا عاملًا إضافيًا يؤثر في علاقات متوترة بالأساس أو يحفز سياسات معينة لبعض القوى، وتوضح ورقة معهد ستوكهولم السابق الإشارة إليها أن السياسة الإثيوبية تجاه الصومال قامت على مبدأ فرق تسد لإضعاف الدولة الصومالية واستمرار السيطرة على الموارد المائية المشتركة التي تنبع من الأراضي الإثيوبية، ومن الواضح أن هذا المبدأ الذي يعتمد على تقوية حكومات الأقاليم على حساب الحكومة الفيدرالية لا يزال يحكم السياسة الإثيوبية تجاه الصومال ولا أدل على ذلك من التفاهمات الإثيوبية الأخيرة لإقامة قاعدة عسكرية في أرض الصومال، ومن ملامح تسييس المياه أيضًا استخدام المياه أو التلويح باستخدامها كورقة ضغط في المفاوضات، وقد أشار تقرير لمجموعة الأزمات الدولية عام 2021 حول الصراع الحدودي حول الفشقة بين إثيوبيا والسودان إلى تقاطع هذا الملف مع مفاوضات سد النهضة().
المبحث الثالث: الأبعاد الجيوسياسية لإعلان العلمين
يمثل إعلان العلمين إطارًا ذا دلالات جيوسياسية تتجاوز حدود التنسيق السياسي والأمني بين الدول المشاركة، إذ جاء في سياق إقليمي تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي مع التنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية والموارد الحيوية، ويعكس الإعلان إدراكًا متزايدًا لأهمية الموقع الجغرافي للدول المشاركة، ولا سيما في مناطق البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل، باعتبارها فضاءات ترتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة الدولية وأمن الطاقة والأمن المائي والاستقرار الإقليمي.
كما يبرز الإعلان توجهًا نحو تعزيز التنسيق بين الدول المعنية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتهديدات العابرة للحدود، بما يسهم في إعادة تشكيل أنماط التعاون والتفاعل الإقليمي، ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة الأبعاد الجيوسياسية لإعلان العلمين أهمية خاصة، لكونها تكشف عن طبيعة المصالح الاستراتيجية التي تقف وراء مواقفه، ومدى ارتباطه بإعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي، وتعزيز حضور الدول المشاركة في معادلات التوازن والنفوذ في محيطها الإفريقي والبحري.
أولًا: البعد المصري
يمثل إعلان العلمين امتدادًا للاهتمام المصري بتعزيز حضورها في دوائرها الإفريقية الاستراتيجية، ولا سيما في مناطق القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، التي ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري ومصالحها الجيوسياسية، كما يوفر الإعلان إطارًا مؤسسيًا لتطوير آليات التشاور والتنسيق المباشر مع دول ترتبط بمصر بشبكة من المصالح الأمنية والجغرافية والاقتصادية المتداخلة، بما يعزز فرص التعاون في مواجهة التحديات والتهديدات العابرة للحدود، ومن هذا المنظور، يعكس البعد المصري في إعلان العلمين توجهًا نحو توظيف الدبلوماسية والتنسيق الإقليمي في دعم الاستقرار في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية لمصر، وتعزيز حضورها في التفاعلات الأمنية والجيوسياسية في القارة الإفريقية.
ثانيًا: البعد الخاص بالقرن الإفريقي
يكتسب إعلان العلمين أهمية جيوسياسية خاصة بالنسبة لمنطقة القرن الإفريقي، في ضوء مشاركة كل من الصومال وإريتريا، إلى جانب السودان الذي يرتبط جغرافيًا واستراتيجيًا بكل من القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتوفر هذه التركيبة إطارًا ملائمًا لتعزيز التنسيق والتشاور بشأن عدد من القضايا الأمنية والاستراتيجية ذات التأثير المباشر في استقرار المنطقة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة، وتعزيز أمن البحر الأحمر والحدود، وتسوية النزاعات المسلحة، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية وبناء قدراتها، كما يمتد هذا التنسيق إلى الأبعاد الاقتصادية والتنموية، من خلال دعم التكامل الاقتصادي وتعزيز التعاون بين الدول المشاركة، ومن ثم، يمكن النظر إلى الإعلان باعتباره منصة إقليمية تسهم في بلورة مقاربة أكثر تكاملًا لأمن القرن الإفريقي، تجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والتنموية، وتدعم جهود تحقيق الاستقرار والحد من التهديدات العابرة للحدود.
ثالثًا: البعد الخاص بالبحر الأحمر
يمثل البحر الأحمر محورًا جيوسياسيًا وأمنيًا رئيسيًا في إعلان العلمين، نظرًا لأهميته الاستراتيجية بوصفه مجالًا حيويًا تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية للدول المشاطئة، فضلًا عن ارتباطه المباشر بالممرات البحرية الدولية وحركة التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، يعكس اهتمام الإعلان بأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة إدراكًا لطبيعة الترابط بين أمن الدول المطلة عليه واستقرار محيطها الإقليمي، كما أن الموقع الجغرافي للدول المشاركة يربط بين دوائر أمنية متداخلة تشمل وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي وخليج عدن، بما يجعل التعامل مع هذه المناطق باعتبارها فضاءات منفصلة أمرًا أقل اتساقًا مع طبيعة التهديدات الراهنة، ومن ثم، يبرز إعلان العلمين مفهوم الأمن الإقليمي المركب، الذي يقوم على أن استقرار إحدى دوائر المنطقة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة باستقرار الدوائر الأخرى، وأن التهديدات العابرة للحدود، سواء كانت أمنية أو بحرية أو اقتصادية، تتطلب استجابات جماعية تقوم على التنسيق والتشاور بين الدول المعنية.
المبحث الرابع: التداعيات الاستراتيجية لإعلان العلمين
تتجاوز أهمية إعلان العلمين حدود كونه إطارًا للتشاور السياسي بين الدول المشاركة، ليمتد تأثيره المحتمل إلى عدد من المستويات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الإقليمي في وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، فمن شأن الإعلان أن يسهم في تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين الدول الأربع، ودعم مقاربة جماعية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، ولا سيما الإرهاب والنزاعات المسلحة وأمن الحدود والملاحة البحرية، كما قد يساهم في تعزيز أمن البحر الأحمر وحماية المصالح الاقتصادية المرتبطة به، إلى جانب دعم استقرار السودان والصومال وتقوية مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى المستوى الجيوسياسي، يعكس الإعلان توجهًا نحو بناء قدر أكبر من التنسيق الإقليمي في مواجهة التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية، مع إمكانية تطوير التعاون ليشمل المجالات الاقتصادية والتنموية، ومع ذلك، تظل فعالية هذه التداعيات مرهونة بمدى قدرة الدول المشاركة على تحويل التفاهمات السياسية الواردة في الإعلان إلى آليات مؤسسية قابلة للتنفيذ والمتابعة، بما يضمن استدامة التعاون وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
أولًا: تعزيز التشاور الإقليمي
يُعد تعزيز التشاور الإقليمي من أبرز التداعيات الاستراتيجية لإعلان العلمين، في ضوء الاتفاق على إنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة، إلى جانب عقدها بصورة دورية وكلما اقتضت التطورات الإقليمية ذلك. وتمثل هذه الخطوة انتقالًا من إطار اللقاء السياسي الظرفي إلى نمط أكثر انتظامًا من التشاور والتنسيق المؤسسي بين الدول الأربع، بما يتيح متابعة القضايا ذات الاهتمام المشترك وتنسيق المواقف تجاه التحديات الأمنية والسياسية المتغيرة، كما يمكن أن تسهم هذه الآلية في تعزيز بناء الثقة بين الدول المشاركة، وتطوير استجابات جماعية للتهديدات العابرة للحدود، وتهيئة إطار أكثر استدامة للتعاون في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد والتنمية، بما يعزز فرص بلورة رؤية إقليمية مشتركة تجاه قضايا الأمن والاستقرار في وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر().
ثانيًا: الانتقال من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها
يمثل تطوير آلية التشاور والتنسيق بين الدول المشاركة أحد المداخل المهمة للانتقال من نمط التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى تبني مقاربة أكثر استباقية تقوم على الوقاية منها والحد من احتمالات تفاقمها، فإذا ما جرى تفعيل آلية المتابعة بصورة منتظمة، فقد تتيح بناء قدرات مشتركة للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، ورصد مصادر التهديد قبل تحولها إلى أزمات ممتدة ذات تداعيات إقليمية، كما يمكن أن تسهم في تعزيز التنسيق الدبلوماسي وتوحيد المواقف تجاه القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب تطوير التعاون في مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة، وتأمين الحدود ومواجهة أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويمتد هذا التعاون المحتمل إلى المجال البحري، من خلال تعزيز التنسيق بشأن أمن الملاحة وحماية الممرات البحرية الحيوية، فضلًا عن تطوير آليات مشتركة للتعامل مع الكوارث والأزمات الإنسانية وتنسيق الاستجابة السريعة لها. ومن ثم، فإن تفعيل آلية التشاور لا يقتصر على إدارة الأزمات القائمة، وإنما يمكن أن يمثل خطوة نحو بناء منظومة إقليمية للوقاية الأمنية والإنذار المبكر، بما يعزز قدرة الدول المشاركة على استباق التهديدات واحتواء تداعياتها قبل اتساع نطاقها.
ثالثًا: الربط بين الأمن والتنمية
عكس إعلان العلمين توجهًا نحو توسيع مفهوم الأمن ليشمل الأبعاد الاقتصادية والتنموية، من خلال التأكيد على أهمية تهيئة مناخ ملائم لتحقيق التنمية المشتركة والمستدامة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية، ودعم مسارات التكامل والترابط الاقتصادي بين الدول المشاركة، ويعبر هذا التوجه عن إدراك متزايد لطبيعة العلاقة التبادلية بين الأمن والتنمية، بحيث لم يعد تحقيق الاستقرار السياسي والأمني يُنظر إليه باعتباره هدفًا منفصلًا عن متطلبات التنمية، وإنما باعتبارهما مسارين متكاملين يعزز كل منهما الآخر. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف معدلات التنمية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف المؤسسات، وهي عوامل قد توفر بيئة مواتية لتنامي بعض مصادر عدم الاستقرار، بما في ذلك النزاعات الداخلية والتطرف والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، ومن ثم، فإن تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم فرص العمل، وتقوية المؤسسات الوطنية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، يمكن أن يسهم في معالجة بعض الجذور البنيوية لعدم الاستقرار، وليس فقط التعامل مع مظاهره الأمنية.
وبناءً عليه، يمكن النظر إلى التنمية في إطار إعلان العلمين باعتبارها أحد مكونات الأمن الوقائي، وأداة لتعزيز قدرة الدول على بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات والتهديدات، بما يدعم الانتقال من المقاربات الأمنية القائمة على الاستجابة للأزمات إلى مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الوقاية الأمنية والتنمية المستدامة.
رابعًا: أبرز التحديات أمام تنفيذ إعلان العلمين
رغم أهمية المضامين التي تضمنها الإعلان، فإن تحويلها إلى نتائج عملية يواجه عددًا من التحديات.
اختلاف الأولويات الوطنية
لكل دولة من الدول الأربع حساباتها ومصالحها وأولوياتها الأمنية، وهو ما قد يحد من سرعة الوصول إلى سياسات مشتركة.
استمرار الأزمات الإقليمية
إن استمرار النزاعات المسلحة، خاصة في السودان، يمثل تحديًا أمام بناء بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ مشروعات التعاون الإقليمي.
التنافس الدولي والإقليمي
تتداخل المصالح الدولية والإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما يجعل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدول الأربع شديدة التعقيد.
محدودية الموارد
يحتاج التعاون الأمني والمؤسسي إلى موارد مالية وبشرية وتقنية مستدامة.
الفجوة بين الاتفاق والتنفيذ
تبقى قدرة أي إعلان سياسي على تحقيق نتائج ملموسة مرتبطة بوجود آليات متابعة، ومؤشرات لقياس التنفيذ، وجداول زمنية واضحة.
خاتمة
يمثل إعلان العلمين المشترك الصادر في 4 أكتوبر 2026 محطة مهمة في مسار التعاون بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، ليس فقط بسبب القضايا التي تناولها، وإنما بسبب طبيعة الترابط بين هذه القضايا، فالأمن في منطقة وادي النيل لا يمكن فصله بصورة كاملة عن أمن البحر الأحمر، كما أن أمن البحر الأحمر يرتبط باستقرار القرن الإفريقي، بينما تتقاطع هذه الدوائر جميعًا مع قضايا الإرهاب والنزاعات المسلحة والأمن المائي والتنمية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة إعلان العلمين باعتباره محاولة لتأسيس مقاربة إقليمية متعددة الأبعاد للأمن، تقوم على احترام السيادة، ودعم مؤسسات الدولة، والحلول السياسية للنزاعات، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة، والتعاون في قضايا المياه، وربط الأمن بالتنمية.
غير أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للإعلان ستتوقف على مدى القدرة على تحويل المبادئ الواردة فيه إلى آليات مستمرة للتنسيق والتنفيذ. فالاتفاق على إنشاء آلية لمتابعة المخرجات وعقد القمم بصورة دورية يمثل خطوة في هذا الاتجاه، إلا أن فعالية هذه الآلية ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على إنتاج سياسات مشتركة والاستجابة السريعة للأزمات، وبذلك، فإن إعلان العلمين لا يمثل فقط وثيقة تعكس مواقف الدول الأربع من عدد من القضايا الراهنة، وإنما يمكن النظر إليه كإطار قابل للتطور نحو صيغة أكثر انتظامًا للتعاون الأمني والسياسي في نطاق وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أهم النتائج:-
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الرئيسية:
يمثل إعلان العلمين إطارًا سياسيًا وأمنيًا مهمًا للتنسيق بين مصر والسودان وإريتريا والصومال.
يعكس الإعلان اتساع مفهوم الأمن من الأمن العسكري التقليدي إلى الأمن السياسي والبحري والمائي والاقتصادي.
يحتل دعم الدولة الوطنية وسيادتها ووحدة أراضيها مكانة محورية في المقاربة التي يتبناها الإعلان.
تمثل الأزمة السودانية والأمن في الصومال ومكافحة الإرهاب ملفات مركزية في الرؤية الأمنية المشتركة.
يمثل البحر الأحمر إحدى أهم دوائر الأمن المشترك بين الدول المشاركة، خاصة مع التأكيد على حرية الملاحة ومسؤولية الدول المشاطئة عن حوكمته.
يكشف إدراج قضية نهر النيل عن اتساع مفهوم الأمن ليشمل الأمن المائي باعتباره جزءًا من الاستقرار الإقليمي.
يوفر الاتفاق على آلية لمتابعة مخرجات القمة وإجراء اجتماعات دورية أساسًا لإضفاء قدر من الاستمرارية المؤسسية على التعاون.
يرتبط نجاح الإعلان بمدى القدرة على الانتقال من مستوى المبادئ السياسية إلى آليات تنفيذية عملية.
المراجع
لوكا كول ، جويل أميجبوه،”إعادة النظر في استراتيجيات الأمن القومي في إفريقيا”، قراءات إفريقية، 12 أغسطس 2026، متاح على الرابط https://sl1nk.com/foe1pls ( تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).
الهام زايد،”البيئة الأمنية لمنطقة الساحل الإفريقي بين التهديدات الأمنية التقليدية والتهديدات الجديدة”، مجلة السياسة العالمية، المجلد 9، العدد2، 2025، ص608.
إعلان العلمين المشترك الصادر عن القمة الرباعية التشاورية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، رئاسة الجمهورية، 4 أكتوبر2026، متاح على الرابط https://l1nq.com/qc0so0z (تاريخ الدخول8 أكتوبر 2026).
قمة رباعية في العلمين تُصدر «إعلان العلمين» وتتصدى لأزمات القرن الأفريقي، صحيفة الحدث، 4 أكتوبر 2026، متاح على الرابط https://sl1nk.com/dyzi85o (تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).
“إعلان العلمين”.. مصر والسودان وإريتريا والصومال ترسم ملامح تعاون إقليمي وترفض التدخلات الخارجية، سبوتينك عربي،4 أكتوبر 2026، متاح على الرابط https://sl1nk.com/s8mefne (تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).
إعلان العلمين: حوكمة البحر الأحمر مسئولية حصرية للدول المشاطئة، 4 أكتوبر 2026، متاح على الرابط https://h1.nu/1FDXB (تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).
راوية توفيق،”عودة الاهتمام: المياه والصراعات الإقليمية في القرن الأفريقي”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 21 يوليو 2024، متاح على الرابط https://ecss.com.eg/47005/ (تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).
علا الحاذق،”قمة العلمين الرباعية.. تعزيز السلام في القرن الأفريقي ورفض التدخلات الخارجية”، الهيئة الوطنية للإعلام، 5 أكتوبر 2026، متاح على الرابط https://h1.nu/1FEf2 ( تاريخ الدخول 8 أكتوبر 2026).


